عَنْ أَبِي رُقَيَّةَ؛ تَمِيمِ بْنِ أَوسٍ الدَّارِيِّ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «للهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
- قَالَ أَبُو دَاوُد صَاحِبُ السُّنَنِ: " الفِقْهُ يَدُورُ عَلَى خَمْسَةِ أَحَادِيثَ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (^٢)، وَ«الحَلَالُ بَيِّنٌ» (^٣)، وَ«مَا نَهَيتُكُم عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ» (^٤)، وَ«لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (^٥)، وَ«الدِّينُ النَّصِيحَةُ» (^٦) " (^٧).
- قَولُهُ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»: مَعْنَاهُ أَنَّ مُعْظَمَ الدِّينِ النَّصِيحَةُ، كَمِثْلِ قَولِهِ ﷺ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» (^٨)، وَ«الحَجُّ عَرَفَةُ» (^٩).
- الحَدِيثُ جَعَلَهُ البُخَارِيُّ ﵀ تَبْوِيبًا لِحَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ وَفِيهِ قَالَ:
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٥٥).
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١)، وَمُسْلِمٌ (١٩٠٧) عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
(٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٢)، وَمُسْلِمٌ (١٥٩٩) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ البَشِيرِ مَرْفُوعًا.
(٤) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧٢٨٨) وَمُسْلِم (١٣٣٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٥) صَحِيحٌ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه (٢٣٤١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، الصَّحِيحَةُ (٢٥٠)، وَسَيَاتِي.
(٦) مُسْلِمٌ (٥٥).
(٧) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ٦٣).
(٨) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٩٦٩) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٤٠٧).
(٩) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٣٠١٥) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣١٧٢).
[ ١٣٨ ]
" بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ" (^١).
- الدِّينُ يُقْصَدُ بِهِ أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
١ - دِينٌ بِمَعْنَى العَمَلِ: كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى:
﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المَائِدَة: ٣]، وَعَلَيهِ الحَدِيثُ هُنَا.
٢ - دِينٌ بِمَعْنَى الجَزَاءِ: كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَالِكِ يَومِ الدِّينِ﴾ [الفَاتِحَة:٤].
٣ - دِينٌ بمَعْنَى الطَّرِيقَةِ: كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ المَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ [يُوسُف: ٧٦].
- الأَئِمَّةُ نَوعَان: العُلَمَاءُ وَالأُمَرَاءُ.
وَالنَّصِيحَةُ لَهُم تَكُونُ سِرًّا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِذِي سُلْطَانٍ بِأَمْرٍ؛ فَلَا يُبْدِهِ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ يَاخُذُ بِيَدِهِ فَيَخْلُو بِهِ؛ فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا قَدْ كَانَ أَدَّى الَّذِي عَلَيه» (^٢).
- قَالَ الإِمَامُ أَبُو السَّعَادَاتِ؛ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀:
" النَّصِيحَةُ: كَلِمَةٌ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جُمْلَةٍ هِيَ إِرَادَةُ الخَيرِ لِلمَنْصُوحِ لَهُ، وَأَصْلُ النُّصْحِ فِي اللُّغَةِ: الخُلُوصُ، يُقَالُ نَصَحْتُهُ وَنَصَحْتُ لَهُ،
وَمَعْنَى نَصِيحَةِ اللهِ: صِحَّةُ الاعْتِقَادِ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ، وَإِخْلَاصُ النِّيَّةِ فِي عِبَادَتِهِ.
وَالنَّصِيحَةُ لِكِتَابِ اللهِ: هُوَ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَالعمَلُ بِمَا فِيهِ.
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٥٧).
(٢) صَحِيحٌ. (السُّنَّةُ) لِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ (١٠٩٦) عَنْ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ مَرْفُوعًا. ظِلَالُ الجَنَّةِ (١٠٩٦)، بَابُ (كَيفَ نَصِيحَةُ الرَّعِيَّةِ لِلوُلَاةِ). وَأَورَدَهُ أَيضًا الهَيثَمِيُّ ﵀ فِي المَجْمَعِ، بَابُ (النَّصِيحَةُ لِلأَئِمَّةِ وَكَيفِيَّتُهَا) (٥/ ٢٢٩).
[ ١٣٩ ]
وَنَصِيحَةُ رَسُولِهِ: التَّصْدِيقُ بِنُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ، وَالانْقِيَادُ لِمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ.
وَنَصِيحَةُ الأَئِمَّةِ: أَنْ يُطِيعَهُم فِي الحَقِّ، وَلَا يَرَى الخُرُوجَ عَلَيهِم إِذَا جَارُوا.
وَنَصِيحَةُ عَامَّةِ المُسْلِمِينَ: إِرْشَادُهُم إِلَى مَصَالِحِهِم" (^١).
- قَالَ الإِمَامُ الشَّوكَانِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ شَرْحِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى المَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوبَة: ٩١]:
" ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وَأَصْلُ النُّصْحِ: إِخْلَاصُ العَمَلِ مِنَ الغِشِّ، وَمِنْهُ التَّوبَةُ النَّصُوحُ. قَالَ نَفْطَوَيهِ: نَصَحَ الشَّيءُ: إِذَا خَلُصَ، وَنَصَحَ لَهُ القَولَ: أَي: أَخْلَصَهُ لَهُ (^٢)، وَالنُّصْحُ لِلَّهِ: الإِيمَانُ بِهِ، وَالعَمَلُ بِشَرِيعَتِهِ، وَتَرْكُ مَا يُخَالِفُهَا كَائِنًا مَا كَانَ، وَيَدْخُلُ تَحْتَهُ دُخُولًا أَوَّلِيًّا نُصْحُ عِبَادِهِ، وَمَحَبَّةُ المُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، وَبَذْلُ النَّصِيحَةِ لَهُمْ فِي أَمْرِ الجِهَادِ، وَتَرْكُ المُعَاوَنَةِ لِأَعْدَائِهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
وَنَصِيحَةُ الرَّسُولِ ﷺ: التَّصْدِيقُ بِنُبُوَّتِهِ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ، وَطَاعَتُهُ فِي كُلِّ مَا يَامُرُ بِهِ أَو يَنْهَى عَنْهُ، وَمُوَالَاةُ مَنْ وَالَاهُ، وَمُعَادَاةُ مَنْ عَادَاهُ، وَمَحَبَّتُهُ، وَتَعْظِيمُ سُنَّتِهِ، وَإِحْيَاؤُهَا بَعْدَ مَوتِهِ بِمَا تَبْلُغُ إِلَيهِ القُدْرَةُ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» " (^٣).
- وَقَالَ الإمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: " وَمِنَ النَّصِيحَةِ للهِ تَعَالَى وَلِكِتَابِهِ: إِكْرَامُ قَارِئِهِ
_________________
(١) النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ (٥/ ٦٣).
(٢) وَأَيضًا: "النُّصْحُ: بِمَعْنَى الالتِئَامِ وَالوَصْلِ بَينَ شَيئَينِ، كَمَا يُقَالُ عَنِ الخَيَّاطِ نَاصِحٌ؛ لِأَنَّهُ يَنْصَحُ الطَّرَفَينِ، أَي: يَجْمَعُهُمَا بِالخِيَاطَةِ". انْظُرْ كِتَابَ (لِسَانُ العَرَبِ) (٢/ ٦١٧).
(٣) فَتْحُ القَدِيرِ (٢/ ٤٤٦).
[ ١٤٠ ]
وَطَالِبِهِ، وَإِرْشَادُهُ إِلَى مَصْلَحَتِهِ، وَالرِّفْقُ بِهِ، وَمُسَاعَدَتُهُ عَلَى طَلَبِهِ بِمَا أَمْكَنَ، وَتَالِيفُ قَلْبِ الطَّالِبِ، وَأَنْ يَكُونَ سَمْحًا بِتَعْلِيمِهِ فِي رِفْقٍ، مُتَلَطِّفًا بِهِ، وَمُحَرِّضًا لَهُ عَلَى التَّعَلُّمِ" (^١).
- وَفِي مَعْنَى النَّصِيحَةِ لِعَامَّةِ المُؤْمِنِينَ الحَدِيثُ "المُؤْمِنُ مِرْآةُ المُؤْمِنِ، وَالمُؤْمِنُ أَخُو المُؤْمِنِ، يَكُفُّ عَلَيهِ ضَيعَتَهُ، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ" (^٢).
- المُتَأَمِّلُ فِي الحَدِيثِ يَجِدُهُ جَمَعَ الدِّينَ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ النَّصِيحَةُ، وَهِيَ شَامِلَةٌ لِلعَقَائِدِ وَالعِبَادَاتِ وَالمُعَامَلَاتِ وَحُقُوقِ الخَلْقِ.
_________________
(١) التِّبْيَانُ فِي آدَابِ حَمَلَةِ القُرْآنِ (ص: ٣٩).
(٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٩١٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٩٢٦).
[ ١٤١ ]