عَنِ ابْنِ عَبَّاسَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺفِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﵎- قَالَ: «إنَّ اللهَ ﷿ كَتَبَ الحَسَناتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا؛ كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا؛ كَتَبَهَا اللهُ عَنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا؛ كَتَبَها عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فعَمِلَهَا؛ كَتَبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمُ (^١).
- هَذَا حَدِيثٌ شَرِيفٌ عَظِيمٌ بَيَّنَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ مِقْدَارَ تَفَضُّلِ اللهِ ﷿ عَلَى خَلْقِهِ بِأَنْ ضَاعَفَ لَهُمُ الحَسَنَاتِ وَلَمْ يُضَاعِفْ عَلَيهِمُ السَّيِّئَاتِ؛ بَلْ جَعَلَ الهَمَّ بِالحَسَنَةِ حَسَنَةً أَيضًا.
وَفِيهِ أَنَّ مِنْ فَضْلِهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ أَنْ جَعَلَ لَهَا مُضَاعَفَةَ الأَعْمَالِ رُغْمَ قِصَرِ الأَعْمَارِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٢).
وَفِي الحَدِيثِ الآخَرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنَ الأُمَمِ مَا بَينَ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٦٤٩١)، وَمُسْلِمٌ (١٣١).
(٢) البُخَارِيُّ (٦٦٢٤)، وَمُسْلِمٌ (٨٥٥).
[ ٤٠١ ]
كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ العَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ العَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَينِ قِيرَاطَينِ؟ أَلَا فَأَنْتُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَينِ قِيرَاطَينِ، أَلَا لَكُمُ الأَجْرُ مَرَّتَينِ. فَغَضِبَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً! قَالَ اللهُ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيئًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَإِنَّهُ فَضْلِي أُعْطِيهِ مَنْ شِئْتُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
- قَولُهُ: «كَتَبَ»: أَي: كَتَبَ وُقُوعَهَا وَثَوَابَهَا، أَمَّا وُقُوعُهَا: فَفِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ وَصُحُفِ المَلَائِكَةِ، وَأَمَّا ثَوَابُهَا: فَبِمَا دَلَّ عَلَيهِ الشَّرْعُ.
- قَولُهُ: «ثُمَ بَيَّنَ ذَلِك»: أَي: فَصَّلَهُ.
- قَولُهُ: «هَمَّ»: الهَمُّ هُنَا لَيسَ هُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ، وَإِنَّمَا النِّيَّةُ وَالعَزْمُ عَلَى الفِعْلِ (^٢).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: " (هَمَمْتُ بِكَذَا): أَي: قَصَدْتُهُ بِهِمَّتِي، وَهُوَ فَوقَ مُجَرَّدِ خُطُورِ الشَّيءِ بِالقَلْبِ" (^٣).
- قَولُهُ: «كَامِلَةً»: لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ نُقْصَانُهَا لِأَنَّهَا فِي الهَمِّ لَا فِي العَمَلِ.
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٣٤٥٩).
(٢) وَفي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ (٣٧٩) بِلَفْظِ: «إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً» وَمَعْنَاهُ الهَمُّ أَيضًا. أَفَادَهُ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ) (٢/ ٣١٩).
(٣) فَتْحُ البَارِي (١١/ ٣٢٣).
[ ٤٠٢ ]
- قَولُهُ: «فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا»: هُوَ عَلَى وُجُوهٍ:
١ - أَنْ يَسْعَى بِأَسْبَابِهَا وَلَكِنْ لَمْ يُدْرِكْهَا؛ فَهَذَا يُكْتَبُ لَهُ الأَجْرُ كَامِلًا، لِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ [النِّسَاء: ١٠٠].
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: " أَي: وَمَنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ بِنِيَّةِ الهِجْرَةِ فَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ؛ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ مِنَ اللهِ ثَوَابُ مَنْ هَاجَرَ" (^١).
٢ - أَنْ يَهُمَّ بِالحَسَنَةِ وَيَعْزِمَ عَلَيهَا وَلَكِنَّهُ يَتْرُكُهَا لِحَسَنَةٍ أَفْضَلَ مِنْهَا؛ فَهَذَا يُثَابُ ثَوَابَ الحَسَنَةِ العُلْيَا الَّتِي هِيَ أَكْمَلُ، وَيُثَابُ عَلَى هَمِّهِ الأَوَّلِ لِلحَسَنَةِ الدُّنْيَا، وَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ رَجُلًا قَامَ يَومَ الفَتْحِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيتِ المَقْدِسِ رَكْعَتَينِ. قَالَ: «صَلِّ هَا هُنَا». ثُمَّ أَعَادَ عَلَيهِ فَقَالَ: «صَلِّ هَا هُنَا». ثُمَّ أَعَادَ عَلَيهِ فَقَالَ: «شَانُكَ إِذًا» (^٢)، فَهَذَا رُغِّبَ بِالانْتِقَالِ مِنْ أَدْنَى إِلَى أَعْلَى؛ فَالأَجْرُ فِيهِ حَتْمًا أَعْلَى.
٣ - أَنْ يَتْرُكَهَا تَكَاسُلًا وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ؛ فَهَذَا يُثَابُ عَلَى نِيَّتِهِ الأُولَى، " مِثْلَ أَنْ يَنْوِيَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَي الضُّحَى؛ فَقَرَعَ عَلَيهِ البَابَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَالَ لَهُ: هَيَّا بِنَا نَتَمَشَّى، فَتَرَكَ الصَّلَاةَ وَذَهَبَ مَعَهُ يَتَمَشَّى، فَهَذَا يُثَابُ عَلَى الهَمِّ الأَوَّلِ" (^٣).
- السَّيِّئَةُ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَبَبَينِ:
١ - أَنَّهَا فِي نَفْسِهَا لَيسَتْ بِحَسَنَةٍ؛ فَهِيَ مِنَ السُّوءِ.
_________________
(١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٢/ ٣٩١).
(٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٣٠٥). الإِرْوَاء (٩٧٢).
(٣) شَرْحُ الأَرْبَعِينَ لِابْنِ عُثَيمِينَ (ص: ٣٦٩).
[ ٤٠٣ ]
٢ - أَنَّهَا تَسُوءُ صَاحِبَهَا بِعُقُوبَتِهَا.
- قَولُهُ: «وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا»: هُوَ عَلَى وُجُوهٍ أَفَادَهَا الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي شَرْحِهِ عَلَى الأَرْبَعِينَ (^١):
١ - أَنْ يَهُمَّ وَيَعْزِمَ بِالسَّيِّئَةِ بِقَلْبِهِ ثُمَّ يُرَاجِعَ نَفْسَهُ فَيَتْرُكَهَا للهِ ﷿؛ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُؤْجَرُ؛ فَتُكْتَبُ لَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «قَالَتِ المَلَائِكَة: يَا رَبِّ؛ ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ بِسَيِّئَةٍ -وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ- فقَالَ: ارْقُبُوهُ؛ فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً؛ إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّاي» (^٢).
وَكَمَا فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ»، قِيلَ: أَرَأَيتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يَعْتَمِلُ بِيَديهِ؛ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ»، قَالَ: أَرَأَيتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: «يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ»، قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَرَأَيتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: «يَامُرُ بِالمَعْرُوفِ أَوِ الخَيرِ»، قَالَ: أَرَأَيتَ إِنْ لَمْ يفْعَلْ؟ قَالَ: «يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ» (^٣).
قُلْتُ: وَهَذِهِ الصَّدَقَةُ الأَخِيرَةُ هِيَ بِاعْتِبَارِ نِيَّتِهِ بِكَفِّ أَذِيَّتِهِ عَنِ النَّاسِ، وَلَيسَتْ عَفْوَ الخَاطِرِ!
٢ - أَنْ يَهُمَّ وَيَعْزِمَ بِالسَّيِّئَةِ بِقَلْبِهِ ثُمَّ يَتْرُكَهَا مُرَاءَاةً لِلمَخْلُوقِينَ! فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهَا بِهَذِهِ النِّيَّةِ.
_________________
(١) شَرْحُ الأَرْبَعِينَ لِابْنِ عُثَيمِين (ص: ٣٧٠) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.
(٢) مُسْلِمٌ (١٢٩).
(٣) البُخَارِيُّ (١٤٤٥)، وَمُسْلِمٌ (١٠٠٨).
[ ٤٠٤ ]
٣ - أَنْ يَهُمَّ وَيَعْزِمَ بِالسَّيِّئَةِ بِقَلْبِهِ ثُمَّ يَعْزِفَ عَنْهَا لَا للهِ وَلَا لِلعَجْزِ؛ فَهَذَا لَا لَهُ وَلَا عَلَيهِ.
٤ - أَنْ يَهُمَّ وَيَعْزِمَ بِالسَّيِّئَةِ بِقَلْبِهِ -وَلَمْ يَسْعَ بِأَسْبَابِهَا- لَكِنَّهُ يَعْجَزُ عَنْهَا؛ فَهَذَا تُكْتَبُ عَلَيهِ سَيِّئَةً، لَكِنْ لَيسَ كَعَامِلِ السَّيِّئَةِ، وَإِنَّمَا يُكْتَبُ عَلَيهِ وِزْرُ نِيَّتِهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ (^١)، عَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ. وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَو أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ؛ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ؛ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ. وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا؛ فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا؛ فَهَذَا بِأَخْبَثِ المَنَازِلِ. وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَو أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ» (^٢) (^٣).
٥ - أَنْ يَهُمَّ بِالسَّيِّئَةِ وَيَسْعَى فِي الحُصُولِ عَلَيهَا وَلَكِنْ يَعْجَزُ عَنْهَا؛ فَهَذَا يُكْتَبُ عَلَيهِ وِزْرُ السَّيِّئَةِ كَامِلًا، كَمَا فِي الحَدِيثِ «إِذَا تَوَاجَهَ المُسْلِمَانِ بِسَيفَيهِمَا؛ فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَذَا القَاتِلُ؛ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟
_________________
(١) «أَي: إِنَّمَا حَالُ أَهْلِهَا حَالُ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ». تُحْفَةُ الأَحْوَذِيِّ (٦/ ٥٠٧).
(٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٣٢٥) عَنْ أَبي كَبْشَةَ الأَنَّمَارِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٠٢٤).
(٣) قُلْتُ: هَذِهِ المَسْأَلَةُ غَيرُ مُسَلَّمٍ بِهَا، فَهِيَ مُعَارَضَةٌ بِقَولِهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثتْ بِهِ أنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَو تَعْمَلْ بِهِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٢٦٩)، وَمُسْلِمٌ (١٢٧). وَأَمَّا الحَدِيثُ الَّذِي اسْتُدِلَّ بِهِ فَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِالكَلَامِ، فَهُوَ مُطَابِقٌ لِهَذَا الحَدِيثِ، عَدَا عَنِ المُخَالَفَةِ الصَّرِيحَةِ لِحَدِيث البَابِ، فَنَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ أَيضًا لَا لَهُ وَلَا عَلَيهِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ٤٠٥ ]
قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» (^١)، وَمَثَّلَ لَهُ أَهْلُ العِلْمِ بِأَمْثِلَةٍ مِنْهَا: لَو أَنَّ إِنْسَانًا تَهَيَّأَ لِيَسْرِقَ بَيتًا، وَأَتَى بِالسُّلَّمِ لِيَتَسَلَّقَ، وَلَكِنْ عَجَزَ، فَهَذَا يُكْتَبُ عَلَيهِ وِزْرُ السَّارِقِ؛ لِأَنَّهُ هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ وَسَعَى بِأَسْبَابِهَا، وَلَكِنْ عَجَزَ، وَمِنْهَا لِصٌّ مَعَهُ خَمْسُونَ مِفْتَاحًا يُرِيدُ أَنْ يَسْرِقَ بَيتًا، فَجَرَّبَ المَفَاتِيحَ كُلَّهَا فَلَمْ يُوَافِقْ وَاحِدٌ مِنْهَا البَابَ؛ فَذَهَبَ وَلَمْ يَسْرِقْ.
- قَولُهُ: «عِنْدَهُ»: إِشَارَةٌ إِلَى الاعْتِنَاءِ بِهَا.
- قَولُهُ: «عَنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»: الأَصْلُ أَنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا وَلَكِنَّهَا قَدْ تَزِيدُ.
- مِنْ أَسْبَابِ مُضَاعَفَةِ الحَسَنَاتِ:
١ - الزَّمَانُ الفَاضِلُ.
مِثَالُهُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاس مَرْفُوعًا «مَا مِنْ أَيَّام العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ» (^٢)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَيلَةُ القَدْرِ خَيرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القَدْر:٣].
٢ - المَكَانُ الفَاضِلُ.
مِثَالُهُ: حَدِيثُ الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «صَلَاةٌّ في مَسْجِدي هَذا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ» (^٣).
٣ - نَوعُ العَمَلِ.
مِثَالُهُ: حَدِيثُ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ «مَا تَقَرَّبَ
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣١)، وَمُسْلِمٌ (٢٨٨٨) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ مَرْفُوعًا.
(٢) البُخَارِيُّ (٩٦٩)، وَأَبُو دَاود (٢٤٣٨) وَاللَّفْظُ لَهُ.
(٣) البُخَارِيُّ (١١٩٠)، وَمُسْلِمٌ (١٣٩٤).
[ ٤٠٦ ]
إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مَمَّا افتَرَضْتُ عَلَيهِ» (^١)، وَحَدِيثُ «مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ الله كُتِبَتْ لَهُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ» (^٢).
٤ - تَعَدِّي النَّفْعِ.
كَالصَّدَقَةِ الجَارِيَةِ، وَالعِلْمِ النَّافِعِ، وَسَنِّ السُّنَّةِ الحَسَنَةِ (^٣)، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَرِيرٍ مَرْفُوعًا «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً؛ فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيءٌ» (^٤).
٥ - اعْتِبَارُ العَامِلِ.
كَالإِخْلَاصِ، وَصِدْقِ العَزْمِ، وَحُضُورِ القَلْبِ، كَمَا فِي المُتَّفَقِ عَلَيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَو أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (^٥).
٦ - دَرَجَةُ مُوَافَقَةِ السُّنَّةِ فِي العَمَلِ.
كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي اليَسَرِ؛ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ مَرْفُوعًا «مِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي الصَّلَاةَ كَامِلَةً، وَمِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي النِّصْفَ وَالثُّلُثَ وَالرُّبُعَ وَالخُمُسَ حَتَّى بَلَغَ العُشُرَ» (^٦).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٦٥٠٢)، وَفِي الحَدِيثِ كَلَامٌ، رَاجِعِ الصَّحِيحَةَ (١٦٤٠).
(٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (١٦٢٥) عَنْ خُرَيمِ بْنِ فَاتِكٍ الأَسَدِيِّ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢٦٠٤). قُلْتُ: وَمِصْدَاقُهَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٦١].
(٣) كَمَا سَبَقَ فِي بَيَانِ مَعْنَاهَا فِي مُلْحَقِ الحَدِيثِ الخَامِسِ.
(٤) مُسْلِمٌ (١٠١٧).
(٥) البُخَارِيُّ (٣٦٧٣)، وَمُسْلِمٌ (٢٥٤٠).
(٦) حَسَنٌ لِغَيرِهِ. النَّسَائِيُّ فِي الكُبْرَى (٦١٦). صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٥٣٨).
[ ٤٠٧ ]
قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ القَصَصِ: " كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٦١] بِحَسْبِ حَالِ العَامِلِ وَعَمَلِهِ، وَنَفْعِهِ وَمَحَلِّهِ وَمَكَانِهِ" (^١)، وَهُنَاكَ وُجُوهٌ أُخْرَى فِي المُفَاضَلَةِ تَظْهَرُ لِلمُتَأَمِّلِ وَمُتَدَبِّرِ الأَدِلَّة.
- قَولُهُ: «كَتَبَها اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً»: صَرِيحٌ فِي أَنَّ السَّيِّئَاتِ لَا تَتَضَاعَفُ، وَلَكِنَّ السَّيِّئةَ قَدْ تَعْظُمُ أَحْيَانًا.
وَالقَولُ بِالمُضَاعَفَةِ يُمْكِنُ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ أَوجُهِ الإِسَاءَةِ فِي المَعْصِيَةِ الوَاحِدَةِ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَقَدْ تُضَاعَفُ السَّيِّئَاتُ بِشَرَفِ فَاعلِهَا، وَقُوَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِاللهِ، وَقُرْبِهِ مِنْهُ، وَلِهَذَا تَوَعَّدَ اللهُ خَاصَّةَ عِبَادِهِ عَلَى المَعْصِيَةِ بِمُضَاعَفَةِ الجَزَاءِ -وَإِنْ كَانَ قَدْ عَصَمَهُم مَنْهَا- لِيُبَيِّنَ لَهُم فَضْلَهُ عَلَيهِم بِعِصْمَتِهِم مِنْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَولا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيهِمْ شَيئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ﴾ [الإِسْرَاء: ٧٤، ٧٥]، وَقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَاتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَينِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَينِ﴾ [الأَحْزَاب: ٣٠، ٣١]، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَينِ يَتَأَوَّلُ في آلِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ بَني هَاشِمٍ مِثْلَ ذَلِكَ لِقُرْبِهِم مِنَ النَّبِيِّ ﷺ" (^٢).
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: " وَالجُمْهُورُ عَلَى التَّعْمِيمِ في الأَزْمِنَةِ
_________________
(١) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص: ٦٢٥).
(٢) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٣١٨).
[ ٤٠٨ ]
وَالأَمْكِنَةِ، لَكِنْ قَدْ يَتَفَاوَتُ بِالعِظَمِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَولِهِ: «القَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ» أَنْ يَكُونَا في دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ العَذَابِ بِالاتِّفَاقِ" (^١).
_________________
(١) فَتْحُ البَارِي (١١/ ٣٢٩).
[ ٤٠٩ ]
- مِنْ أَسْبَابِ عِظَمِ السَّيِّئَاتِ:
١ - شَرَفُ الزَّمَانِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَومَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِن َّأَنْفُسَكُمْ﴾ [التَّوبَة: ٣٦].
قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُم﴾: " فِي كُلِّهِنَّ، ثُمَّ اخْتَصَّ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ؛ فَجَعَلَهُنَّ حُرُمًا، وَعَظَّمَ حُرُمَاتِهِنَّ، وَجَعَلَ الذَّنْبَ فِيهِنَّ أَعْظَمَ، وَالعَمَلَ الصَّالحَ وَالأَجْرَ أَعْظَمَ" (^١).
٢ - شَرَفُ المَكَانِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
[الحَجّ:٢٥] (^٢).
٣ - حَالُ العَامِلِ.
كَأَذِيَّةِ الجَارِ لِجَارِهِ -وَقَدْ أُمِرَ بِالإِحْسَانِ إِلَيهِ-، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنِ المِقْدَادِ ابْنِ الأَسْوَدِ مَرْفُوعًا «لأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ خَيرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ، وَلَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشَرَةِ أَبْيَاتٍ أَيسَرُ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ بَيتِ جَارِهِ» (^٣).
_________________
(١) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٤/ ٢٣٨).
(٢) وَالمَقْصُودُ بِالإِلْحَادِ هُنَا المَعْصِيَةُ، كَمَا أَفَادَهُ الطَّبَرِيُّ ﵀ في التَّفْسِيرِ (١٨/ ٦٠٢). وَفي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (٥/ ٢٧): كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرو بْنِ العَاصِ يَقُولُ: "الخَطِيئَةُ فِيهِ أَعْظَمُ"، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قَالَ: "لَأَنْ أُخْطِئَ سَبْعِينَ خَطِيئَةً -يَعني: بِغَيرِ مَكَّةَ- أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أُخْطِئَ خَطِيئَةً وَاحِدَةً بِمَكَّة".
(٣) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٣٨٥٤). الصَّحِيحَةُ (٦٥).
[ ٤١٠ ]
- إِنَّ كِتَابَةَ السَّيِّئَةِ عَلَى العَبْدِ لَيسَتْ حَتْمًا، وَذَلِكَ لِسِعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا فِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «أَو مَحَاهَا، وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلَّا هَالِكٌ» (^١)، يَعْنِي: أَنَّ السَّيِّئَةَ إمَّا أَنْ تُكتَبَ لِعَامِلِهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً أَو يَمْحُوهَا اللهُ بِمَا شَاءَ مِنَ الأَسْبَابِ كَالتَّوبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ وَعَمَلِ الحَسَنَاتِ (^٢).
وَمَعْنَى «وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إلاَّ هَالِكٌ»: أَي: لَا يَهْلِكُ إِلَّا مَنْ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَلَمْ يَاخُذْ مُطْلَقًا بِأَسْبَابِ النَّجَاةِ وَإِنْ قَلَّتْ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ قَولَهُ:
" وَيلٌ لِمَنْ غَلَبَ وُحْدَانُهُ عَشَرَاتِهِ" (^٣).
_________________
(١) مُسْلِمٌ (١٣١).
(٢) وَقَدْ سَبَقَ الكَلَامُ عَلَى الَّذِي تُمْحَى بِهِ السيِّئَاتُ فِي شَرْحِ الحَدِيثِ الثَّامِنَ عَشَرَ.
(٣) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٢/ ٤٥٤).
[ ٤١١ ]
مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ:
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ تَتَفَاضَلُ الحَسَنَاتُ عَنْ بَعْضِهَا وَكَذَا السَّيِّئَاتُ؛ أَمْ كُلُّهَا سَوَاءٌ؟
الجَوَابُ: بَلْ تَتَفَاضَلُ بَينَ بَعْضِهَا بِالعِظَمِ، فَحَسَنَةُ التَّوحِيدِ أَعْظَمُهَا.
كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ؛ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوصِنِي؟ قَالَ:
«إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأَتْبِعْهَا حَسَنَةً تَمْحُهَا»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنَ الحَسَنَاتِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ قَالَ: «هِيَ أَفْضَلُ الحَسَنَاتِ» (^١).
وَأَيضًا سَيِّئَةُ الشِّرْكِ هِيَ أَعْظَمُهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٤٨].
بَلْ قَدْ تَتَضَاعَفُ السَّيئِةُ الوَاحِدَةُ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ أَوجُهِ الإِسَاءَةِ فِي المَعْصِيَةِ الوَاحِدَةِ.
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢١٤٨٧). الصَّحِيحَةُ (١٣٧٣).
[ ٤١٢ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَل قَولُهُ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَو تَعْمَلْ بِهِ» (^١) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الهَامَّ بِالمَعْصِيَةِ إِذَا تَكَلَّم بِمَا هَمَّ بِهِ بِلِسَانِهِ أَنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى الهَمِّ؟
وَالجَوَابُ: نَعَم، لِأَنَّهُ قَدْ عَمِلَ بِذَلِكَ -وَلَو مِنْ جِهَةِ الكَلَامِ فَقَطْ-، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ قَولُ القَائِلِ: «لَو أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ؛ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزرُهُمَا سَوَاءٌ» (^٢).
وَتَأَمَّلْ كَيفَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَاقَبَ أَصْحَابَ الحَرْثِ -فِي قِصَّةِ سُورَةِ القَلَمِ- عَلَى قَولِهِم؛ حَيثُ قَالَ عَنْهُم: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القَلَم: ١٧، ١٨] رُغْمَ أَنَّهُم لَمْ يَعْمَلُوا بَعْدُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَطَافَ عَلَيهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القَلَم: ١٩، ٢٠].
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٢٦٩)، وَمُسْلِمٌ (١٢٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٣٢٥) عَنْ أَبي كَبْشَةَ الأَنَّمَارِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٠٢٤).
[ ٤١٣ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَلْ قَولُهُ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَو تَعْمَلْ بِهِ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَهْمَا حَدَّثَ المَرْءُ نَفْسَهُ بِهِ لَا يُؤَاخَذُ عَلَيهِ؟
الجَوَابُ: هَذَا هُوَ الأَصْلُ؛ إِلَّا إِنْ كَانَ هَذَا الحَدِيثُ عَمَلًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ مِنْ أَعْمَالِ القُلُوبِ، فَمَا يَعْقِدُ القَلْبُ عَلَيهِ وَيُصَمِّمُ عَلَى صِحَّتِهِ وَيَدُومُ فِيهِ وَيُسَاكِنُهُ فَهُوَ يَاثَمُ بِهِ إِنْ كَان مُحَرَّمًا؛ وَقَدْ يَكْفُرُ بِهِ صَاحِبُهُ، كَالشَّكِّ فِي الوَحْدَانِيَّةِ أَوِ النُّبُوَّةَ أَوِ البَعْثِ أَو غَيرِ ذَلِكَ مِنَ الكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، أَوِ اعْتِقَادِ تَكْذِيبِ ذَلِكَ، فَهَذَا كُلُّهُ يُعَاقَبُ عَلَيهِ العَبْدُ، وَيَصِيرُ بِذَلِكَ كَافِرًا أَو مُنَافِقًا.
وَيُلْحَقُ بِهَذَا القِسْمِ سَائِرُ المَعَاصِي المُتَعَلِّقَةِ بِالقُلُوبِ، كَمَحَبَّةِ مَا يُبْغِضُهُ اللهُ، وَبُغْضِ مَا يُحِبُّهُ اللهُ، وَالكِبْرِ، وَالعُجْبِ، وَالحَسَدِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النُّور: ١٩]، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحَجّ: ٢٥].
وَفِي الأَثَرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَولِهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ: " لَو أَنَّ رَجُلًا هَمَّ فِيهِ بِإِلْحَادٍ -وَهُوَ بِعَدَن أَبْينَ (^١) لَأَذَاقَهُ اللهُ ﷿ عَذَابًا أَلِيمًا" (^٢).
قَالَ الإِمَامُ القَصَّابُ ﵀ (^٣): " وَمِنْهَا: أَنَّ اللهَ ﵎ يَسْأَلُ عَنِ
_________________
(١) عَدَنُ أَبْيَن: مَدِينَةٌ فِي أَقْصَى اليَمَنِ.
(٢) مُسْنَدُ أَحْمَد (٤٠٧١). وَصَحَّحَ الإِمَامُ أَحْمَدُ شَاكِر رَفْعَهُ -زِيَادَةً عَلَى صِحَّةِ وَقْفِهِ-.
(٣) عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإِسْرَاء: ٣٦].
[ ٤١٤ ]
الإِضْمَارَاتِ وَالطَّوَايَاتِ المَذْمُومَةِ وَإِنْ لَمْ تُسَاعِدْهَا الجَوَارِحُ بِالحَرَكَاتِ؛ لِأَنَّ الأَفْئِدَةَ مَحَلُّ الضَّمَائِرِ وَالنِّيَّاتِ، وَبِهَا تَصِحُّ جَمِيعُ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ وَالحَرَكَاتِ. وَلَيسَ فِي قَولِ النَّبِيِّ ﷺ- إِخْبَارًا عَن رَبِّهِ ﵎ أَنَّهُ يَقُولُ لِمَلَائِكَتِهِ: «إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَا تَكْتُبُوهَا حَتَّى يَعْمَلَهَا» (^١) - مَا يَدْفَعُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ فِي الاهْتِمَامِ بِسَيِّئَةٍ لَا تُعْمَلُ إِلَّا بِالجَوَارِحِ مِثْلِ القَتْلِ وَالزِّنَا وَأَشْبَاهِهِ مِمَّا لَا يُسْتَطَاعُ فِعْلُهَا إِلَّا بِالجَوَارِحِ؛ فَتَجَاوَزَ اللهُ -رِفْقًا بِعِبَادِهِ، وَرَحْمَةً لَهُم- عَنِ الاهْتِمَامِ بِهَا دُونَ الفِعْلِ، إِذِ الاهْتِمَامُ يُضَاهِي الخَاطِرَ وَالشَّهْوَةَ -وَهُمَا غَيرُ مَمْلُوكَين-؛ فَأَمَّا مَا كَانَ سُلْطَانُهُ فِيهِ لِلْقَلْبِ مِن الطَّوِيَّةِ عَلَى الكُفْرِ، وَحِفْظِ المُنْكَرِ، وَأَبَاطِيلِ السِّحْرِ وَأَشْبَاهِهِ؛ فَالإِضْمَارُ عَلَيهِ، وَالقَبُولُ لَهُ عَمَلٌ يَكْتُبُه الحَافِظُ، وَيَسْأَلُ عَنْهُ الرَّبُّ جَلَّ وَتَعَالَى" (^٢).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٦٤٩١)، مُسْلِمٌ (١٢٨).
(٢) النُّكَتُ الدَّالَّةُ عَلَى البَيَانِ (٢/ ١٦٠).
[ ٤١٥ ]
- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: هَلْ فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى عِلْمِ المَلَكِ بِمَا فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ؟
الجَوَابُ: نَعَم، وَلَكِنَّ هَذَا حَاصِلٌ بِإطْلَاعِ اللهِ تَعَالَى لَهُ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: " فِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المَلَكَ يَطَّلِعُ عَلَى مَا فِي قَلْبِ الآدَمِيِّ، وَذَلِكَ إِمَّا بِإِطْلَاعِ اللهِ إِيَّاُه عَلَى ذَلِكَ أَو بِأَنْ يَخْلِقَ لَهُ عِلْمًا يُدْرِكُ بِهِ ذَلِكَ" (^١).
قُلْتُ: وَسَبَبُ هَذَا الجَوابِ الَّذِي تَقَدَّمَ بِهِ الحَافِظُ ﵀ هُوَ كَونُ عِلْمِ مَا فِي الصُّدُورِ خَاصٌّ بِاللهِ تَعَالَى؛ وَأَنَّهُ مِنَ الغَيبِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ اللهُ سُبْحَانَهُ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ عَالِمُ غَيبِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [فَاطِر: ٣٨]، فَلَيسَ بِغَرِيبٍ أَنْ يُمَكِّنَ اللهُ تَعَالَى المَلَكَ مِنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا إِخْبَارُهُ تَعَالَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَيسَ بِمَلَكٍ: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الغَيبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأَنْعَامُ: ٥٠].
قَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ ﵀: " ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ﴾ أَي: خَزَائِنُ رِزْقِهِ فَأُعْطِيكُم مَا تُرِيدُونَ، ﴿وَلَا أَعْلَمُ الغَيبَ﴾ فَأُخْبِرُكُم بِمَا غَابَ مِمَّا مَضَى وَمِمَّا سَيَكُونُ، ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ المَلَكَ يَقْدِرُ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ الآدَمِيُّ وَيُشَاهِدُ مَا لَا يُشَاهِدُهُ الآدَمِيُّ" (^٢).
_________________
(١) فَتْحُ البَارِي (١١/ ٣٢٥).
(٢) تَفْسِيرُ البَغَوِيِّ (٣/ ١٤٥).
[ ٤١٦ ]