عَنْ أبِي عَبْدِ اللهِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشيرٍ ﵄ قالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «إنَّ الحلالَ بَيِّنٌ وإنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ وبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فقَدِ اسْتَبْرَأَ لدِينهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ كالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فِيهِ ألا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمىً ألا وإنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ ألا وإنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهِيَ القَلْبُ». رواه البُخَاريُّ ومُسْلمٌ (^١).
- قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: " أَحَادِيثُ الإِسْلَامِ تَدُورُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادَيثَ: حَدِيثِ عُمَرَ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، وحَدِيثِ عَائِشَةَ السَّابِقِ «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هذَا مَا لَيسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، وَحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشَيرٍ" (^٢).
- العِرْضُ: هُوَ مَوضِعُ المَدْحِ وَالذَّمِّ مِنَ الإِنْسَانِ (^٣).
- الحِمَى: أَي المَكَانَ المَحْمِيَّ الَّذِي يُمْنَعُ فِيهِ مِنِ اقْتِرَابِ مَاشِيَةِ الغَيرِ إِلَيهِ، وَعَادَةً مَا يَتَّخِذُهُ المُلُوكُ لِمَوَاشِيهِم.
- قَولُهُ: «يَرْتَعَ»: هُوَ أَكْلُ المَاشِيَةِ مِنَ المَرْعَى.
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٥٢)، وَمُسْلِمٌ (١٥٩٩).
(٢) انْظُرْ (طَرْحُ التَّثرِيبِ) لِلحَافِظِ العِرَاقِيِّ (٢/ ٥).
(٣) قَالَهُ صَاحِبُ كِتَابِ (القَامُوسُ المُحِيطُ) (ص: ٦٤٦).
[ ١٣٢ ]
- قَولُهُ: «صَلَحَ»: يُقَالُ: صَلَحَ الشَيءُ وَفَسَدَ -بِفَتْحِ اللَّامِ وَالسِّينِ وَضَمِّهِمَا، وَالفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ-.
- الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الأَحْكَامَ -عُمُومًا- ثَلَاثَةٌ:
١ - الحَلَالُ البَيِّنُ الوَاضِحُ.
٢ - الحَرَامُ البَيِّنُ الوَاضِحُ.
٣ - المُشْتَبِهُ، لِقَولِهِ ﷺ: «وَبَينَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ»، وَهُوَ بَينَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ،
فَإِنْ نَظَرْتَ إِلَيهِ مِنْ جِهَةٍ قُلْتَ: هُوَ حَلَالٌ، وَإِنْ نَظَرْتَ إِلَيهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى قُلْتَ عَنْهُ: هُوَ حَرَامٌ، وهذا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَأَمَّا عِنْدَ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ حَلَالٌ أَو حَرَامٌ، وَدَلَّ قَولُهُ: «لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ» عَلَى أَنَّ هُنَاكَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْلَمُونَ الحُكْمَ فِيهِ.
- الاشْتِبَاهُ فِي الدَّلِيلِ يَكُونُ مِنْ جِهَتَينِ:
١ - مِنْ جِهَةِ صِحَّةِ الدَّلِيلِ أَو ضَعْفِهِ، وَهَذَا يُسَمَّى عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ
بِـ (تَخْرِيجِ المَنَاطِ).
٢ - مِنْ جِهَةِ دِلَالَتِهِ عَلَى المَطْلُوبِ وَصَرَاحَتِهِ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا يُسَمَّى عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ بِـ (تَحْقِيقِ المَنَاطِ).
- قَولُهُ: «وَمَنْ وَقَعَ فَي الشُّبُهَاتِ؛ فقد وَقَعَ في الحَرَامِ»: هَذِهِ الجُمْلَةُ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَينِ:
١ - أَنَّ مُوَاقَعَةَ المُشْتَبِهَاتِ حَرَامٌ مُطْلَقًا.
٢ - أَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الوُقُوعِ فِي المُحَرَّمِ.
[ ١٣٣ ]
وَبِالنَّظَرِ فِي المِثَالِ المَطْرُوحِ يَتَّضِحُ أَنَّ الأَقْرَبَ هُوَ الثَّانِي (^١)، فَيَكُونُ المَعْنَى أَنَّهُ أَوشَكَ أَنْ يَقَعَ فِي الحَرَامِ، وَذَلِكَ لِقَولِهِ فِي المِثَالِ: «يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ» فَهُوَ لِشِدَّةِ قُرْبِهِ مِنَ الحِمَى قَدْ لَا يَامَنُ تَعَدِّيَ المَاشِيَةِ عَلَى حِمَى المَلِكِ؛ فَيَقَعُ فِي المَحْظُورِ.
وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَيضًا بَعْضُ أَلْفَاظِ الحَدِيثِ وَمِنْهَا: «فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيهِ مِنَ الإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ أَوشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٢).
وَمِنْهَا «وسَأَضْرِبُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ مَثَلًا: إِنَّ اللهَ حَمَى حِمىً؛ وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَا حَرَّمَ، وَإِنَّهُ مَنْ يَرْعَ حَولَ الحِمَى يُوشِكْ أَنْ يُخَالِطَهُ؛ وَإِنَّهُ مَنْ يُخَالِطِ الرِّيبَةَ يُوشِكْ أَنْ يَجْسُرَ» (^٣).
وَمِنْهَا «اجْعَلُوا بَينَكُمْ وَبَينَ الحَرَامِ سُتْرَةً مِنَ الحَلَالِ؛ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ» (^٤).
- قَولُهُ: «فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ»: أَي اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِي حَرَامٍ، وَلِعِرْضِهِ كَي لَا يَنَالُهُ أَحَدٌ بِالذَّمِّ -لِكَونِهِ حَرَامًا عِنْدَ بَعْضِهِم-.
- فِي الحَدِيثِ الإِشَارَةُ إِلَى فَضْلِ الوَرَعِ، وَهُوَ هُنَا فِي تَرْكِ الشُّبُهَاتِ، كَمَا فِي حَدِيثِ «خَيرُ دِينِكُمُ الوَرَعُ» (^٥).
_________________
(١) وَإِنْ كَانَ الأَوَّلُ صَحِيحًا مِنْ جِهَةِ كَونِهِ دَيدَنًا.
(٢) البُخَارِيُّ (٢٠٥١).
(٣) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٣٢٩). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٣٣٢٩).
(٤) صَحِيحٌ. صَحِيحُ ابْنِ حِبَّانَ (٥٥٦٩). الصَّحِيحَةُ (٨٩٦).
(٥) صَحِيحٌ. الحَاكِمُ (٣١٤) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَرْفُوعًا، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ ﵀: "عَلَى شَرْطِهِمِا". صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٣٠٨).
[ ١٣٤ ]
قَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ ﵀ عَقِبَ حَدِيثِ النُّعْمَانِ: " بَابُ تَفْسِيرِ المُشَبَّهَاتِ، وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ: مَا رَأَيتُ شَيئًا أَهْوَنَ مِنَ الوَرَعِ؛ دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" (^١).
- لَيسَ فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ الحِمَى عَلَى المَرْعَى! إِلَّا إِنْ كَانَ حِمًى لِدَوَابِّ المُسْلِمِينَ عَنْ دَوَابِّ غَيرِ المُسْلِمِينَ، وَفِي الحَدِيثِ «المُسْلِمُونَ شُرَكاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الكَلَأِ وَالمَاءِ وَالنَّار» (^٢).
- مِنْ فَوَائِدِ الحَدِيثِ:
١ - أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا لَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ كُلُّهُم، وَذَلِكَ لِقَولِهِ: «لَا يعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ».
٢ - الحَثُّ عَلَى اتِّقَاءِ الشُّبُهَاتِ (^٣).
٣ - أَنَّ الوَاقِعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَاقِعٌ فِي الحَرَامِ، وَذَلِكَ لِقَولِهِ: «مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ»، وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ التَّحَرُّزِ مِنَ الشُّبُهَاتِ مُطْلَقًا
- لَا بِاعْتِبَارِ آحَادِ الشُّبهَاتِ-.
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٣/ ٥٣). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (١/ ١٢٦) (كِتَابِ الإِيمَانِ - بَابِ فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ): "كَأَنَّهُ أَرَادَ (أَي البُخَارِيُّ) أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الوَرَعَ مِنْ مُكَمِّلَاتِ الإِيمَانِ؛ فَلِهَذَا أَورَدَ حَدِيثَ البَابِ فِي أَبْوَابِ الإِيمَانِ".
(٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٤٧٧) عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٧١٣).
(٣) وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مَشْرُوطٌ بِمَا إِذَا كَانَتْ شُبْهَةٌ، أَمَّا إِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى حُكْمِهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وَسْوَاسًا! وَهُوَ مَذْمُومٌ بِلَا رَيبٍ.
[ ١٣٥ ]
٤ - اسْتِخْدَامُ الأَمْثِلَةِ لِلتَّعْلِيمِ، وَهَذَا هُوَ أُسْلُوبُ القُرْآنِ الكَرِيمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا العَالِمُونَ﴾ [العَنْكَبُوت: ٤٣].
٥ - فِيهِ دَلِيلٌ لِقَاعِدَةِ سَدِّ الذَّرَائِعِ، أَي أَنَّ كُلَّ ذَرِيعَةٍ تَوصِلُ إِلَى مُحَرَّمٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ تُسَدَّ لِئَلَّا يَقَعَ المُسْلِمُ فِي المُحَرَّمِ (^١).
٦ - أَنَّ المَدَارَ فِي الصَّلَاحِ وَالفَسَادِ عَلَى القَلْبِ، إِذَا صَلَحَ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ.
٧ - فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ طَلَبَ البَرَاءَةِ لِلعِرْضِ مَمْدُوحٌ كَطَلَبِ البَرَاءَةِ لِلدِّينِ، وَأَمَّا مَنْ أَتَى شَيئًا مِمَّا يَظُنُّهُ النَّاسُ شُبْهَةً وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ حَلَالٌ فِي نَفْسِ الأَمْرِ؛ فَلَا حَرَجَ عَلَيهِ مِنَ اللهِ فِي ذَلِكَ، لَكِنْ إِذَا خَشِيَ مِنْ طَعْنِ النَّاسِ عَلَيهِ بِذَلِكَ؛ كَانَ تَرْكُهُ حِينَئِذٍ أَولَى، وَذَلِكَ كَي يَسْتَبْرِئَ لِعِرْضِهِ (^٢).
٨ - فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ العَقْلَ فِي القَلْبِ؛ وَأَنَّ الَّذِي يُدْرِكُ هُوَ القَلْبُ، وَالقُرْآنُ شَاهِدٌ بِهَذَا. وَكَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُوَنَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَو آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾
[الحَجّ: ٤٦]
_________________
(١) كَمِثْلِ النَّهْي عَنْ سَبِّ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ [الأَنْعَام: ١٠٨]. وَكَمِثْلِ تَحْرِيمِ قَلِيلِ مَا يُسْكِرُ كَثِيرُهُ، وَكَتَحْرِيمِ الخَلْوَةِ بِالأَجْنَبِيَّةِ، وَتَحْرِيمِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ العَصْرِ سَدًّا لِذَرِيعَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا؛ فَتَحْصُلُ مُشَابَهَةُ المُشْرِكِينَ فِي عِبَادَتِهِم، وَمَنْعِ الصَّائِمِ مِنَ المُبَاشَرَةِ إِذَا كَانَتْ تَتَحَرَّكُ شَهْوَتُهُ.
(٢) انْظُرْ (جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ) (١/ ٢٠٤).
[ ١٣٦ ]
وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: " العَقْلَ فِي القَلْبِ" (^١).
٩ - أَنَّ صَلَاحَ الظَّاهِرِ دَلِيلُ صَلَاحِ البَاطِنِ، فَصَارَ فِيهِ الرَّدُّ عَلَى العُصَاةِ الَّذِينَ إِذَا نُهُوا عَنِ المَعَاصِي قَالَوا: إِنَّ العِبْرَةَ بِمَا فِي القَلْبِ! فَيُقَالُ لَهُم: وَإِنَّ أَعْمَالَكُم دَالَّةٌ عَلَى قُلُوبِكُم.
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: " فَأَصْلُ الإِيمَانِ فِي القَلْبِ، وَهُوَ قَولُ القَلْبِ وَعَمَلُهُ، وَهُوَ إقْرَارٌ بِالتَّصْدِيقِ وَالحُبُّ وَالِانْقِيَادُ، وَمَا كَانَ فِي القَلْبِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ مُوجِبُهُ وَمُقْتَضَاهُ عَلَى الجَوَارِحِ، وَإِذَا لَمْ يُعْمَلْ بِمُوجِبِهِ وَمُقْتَضَاه دَلَّ عَلَى عَدَمِهِ أَو ضَعْفِهِ، وَلِهَذَا كَانَتِ الأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ مِنْ مُوجِبِ إِيمَانِ القَلْبِ وَمُقْتَضَاهُ، وَهِيَ تَصْدِيقٌ لِمَا فِي القَلْبِ وَدَلِيلٌ عَلَيهِ وَشَاهِدٌ لَهُ، وَهِيَ شُعْبَةٌ مِنْ مَجْمُوعِ الإِيمَانِ المُطْلَقِ وَبَعْضٌ لَهُ، لَكِنَّ مَا فِي القَلْبِ هُوَ الأَصْلُ لِمَا عَلَى الجَوَارِحِ، كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ ﵁: " إنَّ القَلْبَ مَلِكٌ، وَالأَعْضَاءَ جُنُودُهُ؛ فَإِنْ طَابَ المَلِكُ طَابَتْ جُنُودُهُ، وَإِذَا خَبُثَ المَلِكُ خَبُثَتْ جُنُودُهُ"، وَفِي الصَّحِيحَينِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً؛ إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الجَسَدِ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الجَسَدِ؛ أَلَا وَهِيَ القَلْبُ» " (^٢).
_________________
(١) حَسَنٌ. البُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفْرَدِ (٥٤٧) عَنْ عَلِيٍّ مَوقُوفًا. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٤٢٥).
(٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٧/ ٦٤٤).
[ ١٣٧ ]