عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَجُلًا (^١) قَالَ لِلنَّبيِّ ﷺ: أَوصِنِي، قَال: «لَا تَغْضَبْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٢).
- الوَصِيَّةُ: هِيَ العَهْدُ إِلَى الشَّخْصِ بِالأَمْرِ المُهِمِّ.
- قَولُهُ: «لَا تَغْضَبْ»: لَهُ مَعْنَيَانِ -أَو مَرْتَبَتَانِ-:
١ - أَنْ تَجْتَنِبَ أَسْبَابَ الغَضَبِ؛ فَلَا تَسْعَ فِيمَا يُغْضِبُكَ.
وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ يَمْدَحُونَ التَّغَافُلَ، وَقَالَ رَجُلٌ لِلإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀: قَالَ عُثْمَانُ بْنُ زَائِدَةَ: " العَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي التَّغَافُلِ"،
فقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: " العَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، كُلُّهَا فِي التَّغَافُلِ" (^٣).
٢ - أَنْ لَا تُنْفِذَ مُقْتَضَى الغَضَبِ، فَإِذَا أَتَتْ دَوَاعِي الغَضَبِ فَاكْظِمْ غَضَبَكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الغَضَبَ إِذَا مَلَكَ شَيئًا مِنْ بَنِي آدَمَ كَانَ هُوَ الآمِرُ وَالنَّاهِي لَهُ، وَلِهَذَا المَعْنَى قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "وَلَعَلَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَقَدْ خَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوسَطِ (٢٣٥٣) مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ؛ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ، قَالَ: «لا تَغْضَبْ؛ وَلَكَ الجَنَّةُ» ". جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ٣٦٢).
(٢) البُخَارِيُّ (٦١١٦)، وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ (٢٣١٧١)، قَالَ الرَّجُلُ: "فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا قَالَ؛ فَإِذَا الغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ". صَحِيحٌ. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٢٧٤٦).
(٣) رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ (٨٠٢٨).
[ ٢٠٨ ]
هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٥٤] (^١).
وَفِي البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَينَ اثْنَينِ وَهُوَ غَضْبَانُ» (^٢).
- جَاءَ فِي فَضْلِ مَنْ كَظَمَ غَيظَهُ نُصُوصٌ عَدِيدَةٌ مِنْهَا:
أ- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالكَاظِمِينَ الغَيظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٣٤].
ب- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشُّورَى: ٣٧] (^٣).
جـ- حَدِيثُ «مَنْ كَظَمَ غَيظًا -وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ-؛ دَعَاهُ اللهُ عَلَى رُؤُوسِ الخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنَ الحُورِ العِينِ؛ يُزَوِّجُهُ مِنْهَا مَا شَاءَ» (^٤).
د- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: مَاذَا يُبَاعِدُنِي مِنْ غَضَبِ اللهِ ﷿؟ قَالَ: «لَا تَغْضَبْ» (^٥).
هـ- حَدِيثُ «مَا مِنْ جُرْعَةٍ -أَعْظَمُ أَجْرًا عِنْدَ اللهِ- مِنْ جُرْعَةِ غَيظٍ كَظَمَهَا عَبْدٌ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٣/ ٤٧٨): "يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ﴾ أَي: سَكَنَ ﴿عَنْ مُوسَى الغَضَبُ﴾ أَي: غَضَبُهُ عَلَى قَومِهِ ﴿أَخَذَ الألْوَاحَ﴾ أَي: الَّتِي كَانَ أَلْقَاهَا مِنْ شِدَّةِ الغَضَبِ عَلَى عِبَادَتِهِم العِجْلَ -غَيرَةً للهِ وَغَضَبًا لَهُ-".
(٢) البُخَارِيُّ (٧١٥٨).
(٣) قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (ص: ٧٥٩): " ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أَي: قَدْ تَخَلَّقُوا بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الشِّيَمِ، فَصَارَ الحِلْمُ لَهُم سَجِيَّةً، وَحُسْنُ الخُلُقِ لَهُم طَبِيعَةً؛ حَتَّى إِذَا أَغْضَبَهُم أَحَدٌ بِمَقَالِهِ أَو فِعاَلِهِ؛ كَظَمُوا ذَلِكَ الغَضَبَ فَلَمْ يُنْفِذُوهُ، بَلْ غَفَرُوهُ، وَلَمْ يُقَابِلُوا المُسِيءَ إِلَّا بِالإِحْسَانِ وَالعَفْوِ وَالصَّفْحِ".
(٤) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٤٩٣) عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٢٣١).
(٥) حَسَنٌ. أَحْمَدُ (٦٦٣٥)، وَصَحِيحُ ابْنِ حِبَّانَ (٢٩٦) عَنِ ابْنِ عَمْرو مَرْفُوعًا. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٢٧٤٧).
[ ٢٠٩ ]
ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ» (^١).
- عِلَاجُ الغَضَبِ وَالحَدُّ مِنْهُ يَكُونُ بِأُمُورٍ؛ مِنْهَا:
١ - الاسْتِعَاذَةُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ.
عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ صُرَدٍ؛ قَالَ: " كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺوَرَجُلَانِ يَسْتَبَّانِ-، فَأَحَدُهُمَا احْمَرَّ وَجْهُهُ، وَانْتَفَخَتْ أَودَاجُهُ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَو قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَو قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ؛ ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ»،
فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ». فَقَالَ: وَهَلْ بِي جُنُونٌ! ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٢).
٢ - السُّكُوتُ.
لِحَدِيثِ «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ» (^٣).
٣ - السُّكُونُ وَتَغْيِيرُ الحَالِ.
لِحَدِيثِ «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُم وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ؛ فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الغَضَبُ وَإِلاَّ فَلْيَضْطَجِعْ» (^٤).
٤ - مَعْرِفَةُ أَجْرِ مَنْ كَظَمَ غَيظًا.
وَقَدْ سَبَقَتْ فِي أَحَادِيثِ فَضْلِ مَنْ كَظَمَ غَيظًا.
٥ - مَعْرِفَةُ مَنْزِلَةِ مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ.
_________________
(١) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٤١٨٩) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٢٧٥٢).
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٢٨٢)، وَمُسْلِمٌ (٢٦١٠).
(٣) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢١٣٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٣٧٥).
(٤) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٧٨٢) عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٩٤).
[ ٢١٠ ]
لِحَدِيثِ «لَيسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ! إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» (^١).
وَفِي الحَدِيثِ أَيضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَومٍ يَصْطَرِعُونَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالُوا: فُلَانٌ الصَّرِيعُ؛ مَا يُصَارِعُ أَحَدًا إِلَّا صَرَعَهُ. قَالَ: «أَفَلَا أَدُلُّكُم عَلَى مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ؟ رَجُلٌ ظَلَمَهُ رَجُلٌ؛ فَكَظَمَ غَيظَهُ، فَغَلَبَهُ، وَغَلَبَ شَيطَانَهُ، وَغَلَبَ شَيطَانَ صَاحِبِهِ» (^٢).
٦ - مَعْرِفَةُ مَسَاوِئِ الغَضَبِ.
مِنَ الإِضْرَارِ بِالنَّفْسِ وَبِالآخَرِينَ؛ حَيثُ يَنْطَلِقُ اللِّسَانُ بِالشَّتْمِ وَالفُحْشِ وَالقَذْفِ وَالكُفْرِ، وَتَنْطَلِقُ اليَدُ بِالبَطْشِ بِغَيرِ تَعَقُّلٍ، وَقَدْ يَصِلُ الأَمْرُ إِلَى طَلَاقٍ أَو قَتْلٍ وَمَا شَابَهَ.
وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ «وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ فِي الرِّضَى وَالغَضَبِ» (^٣)، وَفِي هَذَا دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الغَضَبَ لَا يُعِينُ عَلَى قَولِ الحَقِّ وَالعَمَلِ بِهِ.
- إِنَّ مَا سَبَقَ مِنَ الوَسَائِل هِيَ عِلَاجٌ لِلغَضَبِ إِذَا وَقَعَ، وَهُنَاكَ مِنَ الوَسَائِلِ مَا هُوَ وِقَايَةٌ مِنْ حُصُولِ الغَضَبِ؛ وَمِنْهَا:
١ - التَّحَلِّي بِصِفَتَي الحِلْمِ وَالأَنَاةِ.
كَمَا فِي حَدِيثِ أَشَجِّ عَبْدِ القَيسِ؛ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ فِيكَ لَخُلُقَينِ يُحِبُّهُمَا اللهُ»، قُلْتُ: مَا هُمَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الحِلْمُ وَالحَيَاءُ»، قُلْتُ: أَقَدِيمًا
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦١١٤)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٠٩) مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيرَةَ.
(٢) صَحِيحٌ. البَزَّارُ (١٣/ ٤٧٥) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٢٩٥).
(٣) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (١٣٠٥) عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ النَّسَائِيِّ (١٣٠٥).
[ ٢١١ ]
كَانَا فِيَّ أَو حَدِيثًا؟ قَالَ: «بَلْ قَدِيمٌ»، قُلْتُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَينِ يُحِبُّهُمَا (^١).
٢ - البُعْدُ عَنْ أَسْبَابِ الغَضَبِ.
- فَضِيلَةٌ مِنْ فَضَائِلِ عُمَرَ ﵁ فِي كَظْمِ الغَيظِ:
عَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄؛ قَالَ: " قَدِمَ عُيَينَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيفَةَ؛ فَنَزَلَ عَلَى
ابْنِ أَخِيهِ الحُرِّ بْنِ قَيسٍ -وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ، وَكَانَ القُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ كُهُولًا كَانُوا أَو شُبَّانًا-، فَقَالَ عُيَينَةُ لِابْنِ أَخِيهِ: يَا ابْنَ أَخِي؛ هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ؛ فَاسْتَاذِنْ لِي عَلَيهِ؟ قَالَ: سَأَسْتَاذِنُ
لَكَ عَلَيهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاسْتَاذَنَ الحُرُّ لِعُيَينَةَ؛ فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيهِ؛ قَالَ: هِي يَا ابْنَ الخَطَّابِ! فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الجَزْلَ، وَلَا تَحْكُمُ بَينَنَا بِالعَدْلِ! فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الحُرُّ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ إِنَّ اللهَ
تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿خُذْ العَفْوَ وَامُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ﴾ وَإِنَّ
هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ. وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ
كِتَابِ اللهِ" (^٢).
- فَائِدَةٌ:
يَجُوزُ مِنَ الغَضَبِ مَا كَانَ للهِ تَعَالَى، قَالَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: (بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الغَضَبِ وَالشِّدَّةِ لِأَمْرِ اللهِ) (^٣)، وَأَيضًا (بَابُ الغَضَبِ فِي المَوعِظَةِ
_________________
(١) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٥٨٤) عَنِ الأَشَجِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٤٥٥).
(٢) البُخَارِيُّ (٤٦٤٢).
(٣) البُخَارِيُّ (٨/ ٢٧)، وَقَدْ سَبَقَهُ -بَابُ الحَذَرِ مِنَ الغَضَبِ-.
[ ٢١٢ ]
وَالتَّعْلِيمِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ) (^١).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَالوَاجِبُ عَلَى المُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ شَهْوَتُهُ مَقْصُورَةً عَلَى طَلَبِ مَا أَبَاحَهُ اللهُ لَهُ، وَرُبَّمَا تَنَاوَلَهَا بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ فَأُثِيبَ عَلَيهَا، وَأَنْ يَكُون غَضَبُهُ دَفْعًا لِلأَذَى فِي الدِّينِ لَهُ أَو لِغَيرِهِ، وَانْتِقَامًا مِمَّنْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَومٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التَّوبَة: ١٤] " (^٢).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (١/ ٣٠). قُلْتُ: وَلَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ أَيضًا بِأَنْ يَكُونَ مَضْبُوطًا بِالشَّرْعِ.
(٢) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ٣٦٩).
[ ٢١٣ ]
مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ:
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: فِي جُمْلَةِ وَصَايَا النَّبِيِّ ﷺ اخْتَلَفَ جَوَابُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ عَنِ الوَصِيَّةِ! فَمَرَّةً قَالَ مِثْلَمَا قَالَ هُنَا: «لَا تَغْضَبْ»، وَقَالَ لِرَجُلٍ آخَرَ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ» (^١)، وَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ ﵁: «أَوصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ؛ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٢)، فَمَا الجَوَابُ عَنْ هَذَا التَّنَوُّعِ؟
الجَوَابُ: قَالَ العُلَمَاءُ: اخْتِلَافُ الإِجَابَةِ يُحْمَلُ عَلَى أَحَدِ تَفْسِيرَينِ:
١ - أَنَّهُ ﵊ نَوَّعَ الإِجَابَةَ بِحَسْبِ الأَنْفَعِ لِلسَّائِلِ، فَالسَّائِلُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى الذِّكْرِ أَرْشَدَهُ إِلَى الذِّكْرِ، وَالَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ لَا يَغْضَبَ أَرْشَدَهُ إِلَى عَدَمِ الغَضَبِ، وَهَكَذَا.
٢ - أَنَّهُ نَوَّعَ الإِجَابَةَ لِبَيَانِ تَنَوُّعِ أَسْبَابِ الخَيرِ فِي الأُمَّةِ، وَهَذَا الاخْتِلَافُ اخْتِلَافُ تَنَوُّعٍ وَلَيسَ اخْتِلَافَ تَضَادٍّ.
_________________
(١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٣٧٥) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بِسْرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٧٠٠).
(٢) البُخَارِيُّ (١٩٨١)، وَمُسْلِمٌ (٧٢١).
[ ٢١٤ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ تَعَالَى: "غَضِبَ اللهُ" (^١): الغَضَبُ للهِ تَعَالَى؛ هَلْ هُوَ صِفَةٌ حَقِيقيَّةٌ ثَابِتَةٌ للهِ تَعَالَى؟ أَمْ كَمَا قَالَ أَهْلُ التَّاوِيلِ والتَّعْطِيلِ: غَضَبُ اللهِ هُوَ الانْتِقَامُ مِمَّنْ عَصَاهُ! وَبَعْضُهُم يَقُولُ: إِرَادَةُ الانْتِقَامِ مِمَّنْ عَصَاهُ!
وَالحُجَّةُ عِنْدَهُم أَنَّهَا تَشْبِيهٌ لِلخَالِقِ بِالمَخْلُوقِ! وَوَصْفٌ لَهُ بِمَا لَا يَلِيقُ!
وَالجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:
١ - أَنَّ غَضَبَ اللهِ تَعَالَى لَا يُمَاثِلُ غَضَبَ المَخْلُوقِينَ لَا فِي الحَقِيقَةِ وَلَا فِي الأَثَرِ.
أ- فَمِنْ حَيثُ الحَقِيقَةِ: غَضَبُ المَخْلُوقِ هُوَ غَلَيَانُ دَمِ القَلْبِ طَلَبًا لِلانْتِقَامِ، وَهُوَ جَمْرَةٌ يُلْقِيهَا الشَّيطَانُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ حَتَّى يَفُورَ، أَمَّا غَضَبُ الخَالِقِ؛ فَإِنَّهُ صِفَةٌ لَا تُمَاثِلُ هَذَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾
[الشُّورَى: ١١].
ب- مِنْ حَيثُ الأَثَرِ: غَضَبُ الآدَمِيِّ قَدْ يُؤَثِّرُ آثَارًا غَيرَ مَحْمُودَةٍ، فَقَدْ يَقْتُلُ المَغْضُوبَ عَلَيهِ، وَرُبَّمَا يُطَلِّقُ زَوجَتَهُ، أَو يِكْسِرُ الإِنَاءَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَيسَ لَهُ أَدْنَى ارْتِبَاطٍ بِمَوضُوعِ الغَضَبِ نَفْسِهِ! وَأَمَّا غَضَبُ اللهِ تَعَالَى فَلَا تَتَرَتَّبُ عَلَيهِ إِلَّا آثَارٌ حَمِيدَةٌ، فَاللهُ تَعَالَى عَزِيزٌ حَمِيدٌ حَكِيمٌ.
وَتَأَمَّلِ الاقْتِرَانَ بَينَ بَعْضِ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى كَالعَزِيزِ وَالحَكِيمِ، وَالعَزِيزِ الحَمِيدِ؛ حَيثُ يَتَبَيَّنُ لَكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا تُخْرِجُهُ عِزَّتُهُ سُبْحَانَهُ عَنْ حِكْمَتِهِ
_________________
(١) فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٩٣].
[ ٢١٥ ]
وَاسْتِحْقَاقِهِ الحَمْدَ؛ بِخِلَافِ العَزِيزِ مِنَ البَشَرِ (^١).
٢ - يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ تَاوِيلِ صِفَةِ الغَضَبِ بِالانْتِقَامِ (^٢) قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزُّخْرُف: ٥٥] فَإِنَّ مَعْنَى ﴿آسَفُونَا﴾ أَغْضَبُونَا (^٣)؛ فَجَعَلَ الانْتِقَامَ غَيرَ الغَضَبِ، بَلْ أَثَرًا مُتَرَتِّبًا عَلَيهِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى بُطْلَانِ تَفْسِيرِ الغَضَبِ بِالانْتِقَامِ.
وَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ؛ فَإِنَّ الغَضَبَ صِفَةٌ تَدُلُّ عَلَى القُدْرَةِ، فَلَيسَتْ مَذْمُومَةً مُطْلَقًا!
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: " وَالمُؤْلِمُ إِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ دَفْعُهُ أَثَارَ الغَضَبَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ أَثَارَ الحُزْنَ، وَلِهَذَا يَحْمَرُّ الوَجْهُ عِنْدَ الغَضَبِ لِثَوَرَانِ الدَّمِ عِنْدَ اسْتِشْعَارِ القُدْرَةِ، وَيَصْفَرُّ عِنْدَ الحُزْنِ لِغَورِ الدَّمِ عِنْدَ اسْتِشْعَارِ العَجْزِ" (^٤).
_________________
(١) انْظُر (القَولُ المُفِيدُ) لِابْنِ عُثَيمِين (١/ ٤٢٢).
(٢) وَإِنْ كَانَ الانْتِقَامُ قَدْ يَكُونُ مِنْ لَوَازِمِ الغَضَبِ أَحْيَانًا؛ فَاللهُ تَعَالَى يُوصَفُ بِالانْتِقَامِ مِنَ المُجْرِمِينَ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السَّجْدَة: ٢٢].
(٣) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٣/ ١٢١).
(٤) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٢٨/ ١٥٩).
[ ٢١٦ ]