عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا؛ نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَىَ مُعْسِرٍ؛ يَسَّرَ اللهُ عَلَيهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا؛ سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَونِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَونِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا؛ سَهّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَىَ الجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَومٌ فِي بَيتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ؛ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَينَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ أَبَطأَ بِهِ عَمَلُهُ؛ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
- قَولُهُ: «نَفَّسَ»: أَي: خَفَّفَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَتَهُ، أَمَّا التَّفْرِيجُ فَفِيهِ إِزَالَتُهَا.
- قَولُهُ: «كُرْبَةً»: شِدَّةً عَظِيمَةً، وَهِيَ مَا أَهَمَّ النَّفْسَ وَغَمَّ القَلْبَ.
- قَولُهُ: «مُعْسِرٍ»: مَنْ وَقَعَ فِي العُسْرِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ سَدَادَ مَا عَلَيهِ.
- التَّيسِيرُ عَلَى المُعْسِرِ دَرَجَتَانِ:
١ - إِنْ كَانَ غَرِيمًا: فَالتَّيسِيرُ إِنْظَارُهُ إِلَى المَيسَرَةِ، أَوِ الوَضْعُ عَنْهُ.
٢ - إِعْطَاؤُهُ مَا يَزُولُ بِهِ إِعْسَارُهُ.
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٢٦٩٩).
[ ٣٩١ ]
وَفِي الحَدِيثِ «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ؛ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الخَيرِ شَيءٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا مُوسِرًا -وَكَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ-، وَكَانَ يَامُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ المُعْسِرِ، فَقَالَ اللهُ ﷿ لِمَلائِكَتِهِ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ؛ تَجَاوَزُوا عَنْهُ» (^١).
" لَكِنْ إِذَا كَانَ الحَقُّ لَكَ؛ فَالتَّيسِيرُ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ لِغَيرِكَ فَالتَّيسِيرُ مُسْتَحَبٌّ، مِثَالُ ذَلِكَ: رَجُلٌ يَطْلُبُ شَخْصًا أَلْفَ رِيَالٍ -وَالشَّخْصُ مُعْسِرٌ؛ فَهُنَا يَجِبُ التَّيسِيرُ عَلَيهِ لِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٠]، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَطْلُبَهُ مِنْهُ، وَلَا أَنْ تُعَرِّضَ بِذَلِكَ، وَلَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِهِ عِنْدَ القَاضِي لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ وَمِنْ هُنَا نَعْرِفُ خَطَأَ أُولَئِكَ القَومِ الَّذِينَ يُطَالِبُونَ المُعْسِرِينَ، وَيَرْفَعُونَهُم لِلقَضَاءِ، وَيُطَالِبُونَ بِحَبْسِهِم! وَإِنَّ هَؤُلَاءِ -وَالعِيَاذُ بِاللهِ- قَدْ عَصَوا اللهَ ﷿ وَرَسُولَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ " (^٢).
- قَولُهُ: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا»: السَّترُ لَهُ حَالَانِ:
١ - سَتْرٌ مَادِّيٌّ: بِإِعْطَائِهِ كِسْوَةً تَسْتُرُ عَورَتَهُ.
٢ - سَتْرٌ مَعْنَوِيٌّ: وَهُوَ سَتْرُ عَيبِهِ وَمَا وَقَعَ بِهِ مِنْ مَعْصِيَةٍ.
- السَّتْرُ عَلَى العَاصِي فِيهِ تَفْصِيلٌ:
١ - إِنْ كَانَ الوَاقِعُ فِي المَعْصِيَةِ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ، أَو كَانَ مَسْتُورًا لَا يُعْرَفُ بِشَيءٍ مِنَ المَعَاصِي؛ فَإِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ هَفْوَةٌ أَو زَلَّةٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ كَشْفُهَا وَلَا هَتْكُهَا وَلَا التَّحَدُّثُ بِهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ غِيبَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ النُّصُوصُ.
_________________
(١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (١٣٠٧) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣١٥٩).
(٢) شَرْحُ الأَرْبَعِينَ لِابْنِ عُثَيمِينَ (ص: ٣٥٩).
[ ٣٩٢ ]
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النُّور: ١٩]، وَالمُرَادُ: إِشَاعَةُ الفَاحِشَةِ عَلَى المُؤْمِنِ المُسْتَتِرِ فِيمَا وَقَعَ مِنْهُ، أَوِ اتُّهِمَ بِهَا وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْهَا، كَمَا فِي قِصَّةِ الإِفْكِ.
وَفِي الحَدِيثِ «أَقِيلُوا ذَوِي الهَيئَاتِ عَثَراتِهِمْ إِلَّا الحُدُودَ» (^١)، وَلَو تَابَ أَحَدٌ مِنَ أَهْلِ هَذَا النَّوعِ كَانَ الأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَتُوبَ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ اللهِ تَعَالَى، وَيَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ.
قُلْتُ: وَأَمَّا حَدِيثُ «ادْرَؤُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ (^٢)، لَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ إِجْمَالًا، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي سُنَنِ البَيهَقِيِّ الكُبْرَى مَوقُوفًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ " ادْرَؤُوا الجَلْدَ وَالقَتْلَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ" وَهُوَ أَثَرٌ حَسَنٌ (^٣).
٢ - مَنْ كَانَ مُشْتَهِرًا بِالمَعَاصِي، مُعْلِنًا بِهَا، لَا يُبَالِي بِمَا ارْتَكَبَ مِنْهَا وَلَا بِمَا قِيلَ لَهُ فِيهَا؛ فَهَذَا هُوَ الفَاجِرُ المُعْلِنُ، وَلَيسَ لَهُ غِيبَةٌ، وَمِثْلُ هَذَا لَا بَاسَ بِالبَحْثِ عَنْ أَمْرِهِ لِتُقامَ عَلَيهِ الحُدُودُ، وَلِيَنْكَفَّ شَرُّهُ وَيَرْتَدِعَ بِهِ أَمْثَالُهُ، وَيَكُونُ السُّكُوتُ
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٣٧٥) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٦٣٨). وَ«ذَوِي الهَيئَاتِ» الَّذِينَ تُقَالُ عَثَرَاتُهُم: «هُمُ الَّذِينَ لَيسُوا يُعْرَفُونَ بِالشَّرِّ؛ فَيَزِلُّ أَحَدُهُم الزَّلَّةَ». نَقَلَهُ البَيهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى (٨/ ٥٨٠) عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى. وَ«إِلَّا الحُدُودَ»: المَعْنَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَو أُخِذَ بِجَرِيمَتِهِ وَلَمْ يَبْلُغِ الإِمَامَ؛ فَإِنَّهُ يُشْفَعُ لَهُ حَتَّى لَا يَبْلُغَ الإِمَامَ، أَمَّا إِذَا بَلَغَ الإِمَامَ فَلَا شَفَاعَةَ وَلَا إِقَالَةَ.
(٢) رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي التَّارِيخِ (٢٣/ ٣٤٧)، اُنْظُرِ الإِرْوَاءَ (٢٣١٦).
(٣) سُنَنِ البَيهَقِيِّ الكُبْرَى (١٧٠٦٤) مَوقُوفًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَاُنْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثِ الضَّعِيفَةِ (٢١٩٨)، وَلَفْظُهُ هُنَاكَ (الحَدُّ) بَدَلُ (الجَلْدِ) كَمَا هُوَ عِنْدَ البَيهَقِيِّ وَفِي الإِرْوَاءِ (٢٣٥٥).
[ ٣٩٣ ]
عَنْهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُعِينُهُ عَلَى مُنْكَرِهِ.
قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ ﵀: " مَنْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ أَذًى لِلنَّاسِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مِنْهُ زَلَّةٌ؛ فَلَا بَاسَ أَنْ يُشْفَعَ لَهُ مَا لَمْ يَبْلُغِ الإِمَامَ، وَأَمَّا مَنْ عُرِفَ بِشَرٍّ أَو فَسَادٍ؛ فَلَا أُحِبُّ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ أَحَدٌ، وَلَكِنْ يُتْرَكُ حَتَّى يُقَامَ عَلَيهِ الحَدُّ" (^١).
- قَولُهُ: «سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»: بِأَلَّا يُعَاقِبَهُ عَلَى مَا فَرَّطَ بِهِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ تَتَبَّعَ أَخَاهُ وَفَضَحَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَفْضَحُهُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ؛ لَا تَغْتَابُوا المُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَورَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَورَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللهُ عَورَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَورَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَو فِي جَوفِ بَيتِهِ» (^٢).
- قَولُهُ: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا» هَذَا الطَّرِيقُ نَوعَانِ:
١ - طَرِيقٌ مَادِّيٌّ: وَهُوَ المَشْيُ بِالأَقْدَامِ إِلَى مَجَالِسِ العِلْمِ.
٢ - طَرِيقٌ مَعْنَوِيٌّ: كَالحِفْظِ وَالمُذَاكَرَةِ وَالمُطَالَعَةِ وَالتَّفَهُّمِ.
- قَولُهُ: «يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا»: أَي: يَطْلُبُ عِلْمًا شَرْعِيًّا قَاصِدًا بِهِ وَجْهَ اللهِ تَعَالَى، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنَّ يَكُونَ سَبَبُ طَلَبِهِ هُوَ وَجْهُ اللهِ تَعَالَى؛ وَإِلَّا كَانَ وَبَالًا عَلَى صَاحِبِهِ!
وَفِي الحَدِيثِ «مَنْ طَلَبَ العِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ العُلَمَاءَ، أَو لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ،
أَو لِيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيهِ؛ فَهُوَ في النَّارِ» (^٣).
وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: " وَإِنْ كَانَ هَذَا شَرْطًا فِي كُلِّ عِبَادَةٍ؛ لَكِنَّ عَادَةَ
_________________
(١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٢٩٣) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.
(٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٨٨٠) عَنِ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٩٨٤).
(٣) حَسَنٌ. ابْنُ مَاجَه (٢٥٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢١٦٠).
[ ٣٩٤ ]
العُلَمَاءِ يُقَيِّدُونَ هَذِهِ المَسْأَلَةَ بِهِ -أَي: الإِخْلَاصِ- لِكَونِهِ قَدْ يَتَسَاهَلُ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ، وَيَغْفَلُ عَنْهُ بَعْضُ المُبْتَدِئِينَ وَنَحْوهِم" (^١).
- قَولُهُ: «سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَىَ الجَنَّةِ»: التَّسْهِيلُ تَسْهِيلَانِ:
١ - أَنَّ ذَلِكَ العِلْمَ يَكُونُ سَبَبًا مُوصِلًا لَهُ إِلَى الجَنَّةِ.
٢ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُسَهِّلُ طَرِيقَ الجَنَّةِ الحِسِّيَّ لَهُ يَومَ القِيَامَةِ وَهُوَ الصِّرَاطُ.
- قَولُهُ: «فِي بَيتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ»: هِيَ المَسَاجِدُ.
وَيُلْحَقُ بِالمَسْجِدِ -فِي تَحْصِيلِ هَذِهِ الفَضِيلَةِ- الاجْتِمَاعُ فِي مَدْرَسَةٍ وَرِبَاطٍ وَنَحْوِهِمَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى (^٢)، وَيَدُلُّ عَلَيهِ لَفْظٌ لِمُسْلِمٍ «لَا يَقْعُدُ قَومٌ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا حَفتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» (^٣)، فَيَكُونُ القَيدُ فِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ قَدْ خَرَجَ عَلَى الغَالِبِ؛ فَلَا يَكُون لَهُ مَفْهُومٌ يُعْمَلُ بِهِ.
- إِنَّ اجْتِمَاعَ النَّاسِ عَلَى تِلَاوَةِ كِتَابِ اللهِ ﷿ لَهُ ثَلَاثُ حَالَاتٍ:
١ - أَنْ يَقْرَؤُوا جَمِيعًا بِفَمٍ وَاحِدٍ وَصَوتٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ شَكْلَانِ:
أ- عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ: فَلَا بَاسَ بِهِ.
ب- عَلَى سَبِيلِ التَّعَبُّدِ: هُوَ بِدْعَةٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُؤْثَرْ عَنِ الصَّحَابَةِ وَلَا عَنِ التَّابِعِينَ (^٤).
_________________
(١) شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلْنَّوَوِيِّ (١٧/ ٢١).
(٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلْنَّوَوِيِّ (١٧/ ٢٢) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.
(٣) مُسْلِمٌ (٢٧٠٠).
(٤) وَعَدَّهُ الإِمَامُ الشَّاطِبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الاعْتِصَامُ) (١/ ٣٥) مِنَ البِدَعِ الإِضَافِيَّةِ، وَهُوَ أَحَدُ أَسْبَابِ تَالِيفِهِ لِلكِتَابِ. وَقَالَ ﵀: "فَتَارَةً نُسِبْتُ إِلَى القَولِ بِأَنَّ الدُّعَاءَ لَا يَنْفَعُ وِلَا فَائِدَةَ فِيهِ -كَمَا يَعْزِي إِلَيَّ بَعْضُ النَّاسِ- بِسَبَبِ أَنِّي لَمْ أَلْتَزِمِ الدُّعَاءَ بِهَيئَةِ الاجْتِمَاعِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَاةِ حَالَةَ الإِمَامَةِ! وَسَيَاتِي مَا فِي ذَلِكَ مِنَ المُخَالفَةِ لِلسُّنَّةِ وَلِلسَّلَفِ الصَّالَحِ وَالعُلَمَاءِ".
[ ٣٩٥ ]
٢ - أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُهُم وَيُنْصِتَ الآخَرُونَ، ثُمَّ يَقْرَأَ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثُ وَهَكَذَا، سَوَاءً أَكَانَ لِنَفْسِ المَقْرُوءِ -الصَّفْحَةِ أَوِ الجُزْءِ- أَمْ غَيرِهِ (^١).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: " فَصْلٌ فِي الإِدَارَةِ بِالقُرْآنِ: وَهُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ جَمَاعَةٌ يَقْرَأُ بَعْضُهُم عُشْرًا أَو جُزْءًا أَو غَيرَ ذَلِكَ ثُمَّ يَسْكُتُ وَيَقْرَأُ الآخَرُ مِنْ حَيثُ انْتَهَى الأَوَّلُ ثُمَّ يَقْرَأُ الآخَرُ؛ وَهَذَا جَائِزٌ حَسَنٌ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالَ:
لَا بَاسَ بِهِ" (^٢).
٣ - أَنْ يَجْتَمِعُوا وَكُلُّ إِنْسَانٍ يَقْرَأُ لِنَفْسِهِ دُونَ أَنْ يَسْتَمِعَ لَهُ الآخَرُونَ.
- قَولُهُ: «السَّكِينَةُ»: هِيَ طُمَانِينَةُ القَلْبِ، وَانْشِرَاحُ الصَّدْرِ.
- «غَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ»: شَمَلَتْهُم مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَالمَعْنَى أَنَّ غَشَيَانَ الرَّحْمَةِ هَذِهِ تَسْتَوعِبُ كُلَّ ذَنْبٍ (^٣).
- قَولُهُ: «حَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ»: أَحَاطَتْ بِهِم بِحَيثُ لَا يَدَعُونَ لِلشَّيطَانِ فُرْجَةً يَتَوَصَّلُ مِنْهَا لِلذَّاكِرِينَ.
- قَولُهُ: «وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ»: أَثْنَى اللهُ عَلَيهِم أَمَامَ مَنْ عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ مِنَ
_________________
(١) وَهَذَا وَمَا بَعْدَهُ جَائِزانِ.
(٢) التِّبْيَانُ فِي آدَابِ حَمَلَةِ القُرْآنِ (ص: ١٠٣).
(٣) شَرْحُ الأَرْبَعِينَ لِابْنِ دَقِيق العِيد (ص: ١٢١). قُلْتُ: وَبِمَعْنَاهُ حَدِيثُ المَلَائِكَةِ الطَّوَّافِينَ عَلَى حِلَقِ الذِّكْرِ، وَفِيهِ «أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ»، وَسَيَاتِي.
[ ٣٩٦ ]
المَلَائِكَةِ.
- قَولُهُ: «مَنْ أَبْطَأَ»: أَي: مَنْ قَصَّرَ، وَذَلِكَ لِفَقْدِ بَعْضِ شُرُوطِ الصِّحَةِ
أَوِ الكَمَالِ (^١)، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَينَهُمْ يَومَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المُؤْمِنُون: ١٠١].
وَفِي الحَدِيثِ «إِنَّ أَولِيَائِي يَومَ القِيَامَةِ هُمُ المُتَّقُونَ -وَإِنْ كَانَ نَسَبٌ أَقْرَبَ مِنْ نَسَبٍ-، لَا يَاتِي النَّاسُ بِالأَعْمَالِ وَتَاتُونَ بِالدُّنْيَا تَحْمِلُونَهَا عَلَى رِقَابِكُمْ وَتَقُولُونَ:
يَا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ هَكَذَا -وَأَعْرَضَ فِي كِلَا عِطْفَيهِ-» (^٢).
- قَولُهُ: «لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»: لَمْ يُلْحِقْهُ بِرُتَبِ أَصْحَابِ الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ، لِأَنَّ المُسَارَعَةَ إِلَى السَّعَادَةِ وَالدَّرَجَاتِ العَالِيَةِ تَكُونُ بِالأَعْمَالِ لَا بِالأَحْسَابِ.
- فِي الحَدِيثِ فَوَائِدُ أُخَرُ مِنْهَا:
أَنَّ الجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ، وَأَنَّ يَومَ القِيَامَةِ فِيهِ كُرَبٌ عَظِيمَةٌ وَلَكِنَّهَا عَلَى المُسْلِمِ يَسِيرَةٌ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ يَومًا عَلَى الكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفُرْقَان: ٢٦]، وَأَنَّ المُؤْمِنِينَ يَخْتَلِفُ يُسْرُهُم بِحَسْبِ إِيمَانِهِم، وَفِي الحَدِيثِ «تَدْنُو الشَّمْسُ يَومَ القِيَامَةِ مِنَ الخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ، فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمالِهِمْ فِي العَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حِقْوَيهِ (^٣)، ومِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ العَرَقُ إِلْجَامًا» (^٤).
_________________
(١) قُلْتُ: كَكُفْرٍ أَو فِسْقٍ أَو ضَعْفِ عَمَلٍ.
(٢) حَسَنٌ. البُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفْرَدِ (٨٩٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٧٦٥).
(٣) "الحقْوُ -بِكَسْرِ الحَاءِ وَفَتْحِهَا-: هُوَ مَعْقِدُ الإِزَارِ". شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلْنَّوَوِيِّ (١٨/ ١٤٢).
(٤) مُسْلِمٌ (٢٨٦٤) عَنِ المِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ مَرْفُوعًا.
[ ٣٩٧ ]
- عِنْدَ ابْنِ مَاجَةَ زِيَادَةٌ بِلَفْظِ: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا؛ أَقَالَ اللهُ تَعَالَى عَثْرَتَهُ» (^١)، وَالمَعْنَى مَنْ وَافَقَ مُسْلِمًا عَلَى نَقْضِ البَيع أَوِ العَهْدِ «أَقَالَ اللهُ عَثْرَتَهُ» أَي: يُزِيلُ ذَنْبَهُ، وَيَغْفِرُ لَهُ خَطِيئَتَهُ.
- حَدِيثٌ جَلِيلٌ فِي فَضْلِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ:
عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «إِنَّ لِلَّهِ ﵎ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً -فُضُلًا- يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَؤوا مَا بَينَهُمْ وَبَينَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: فَيَسْأَلُهُمُ اللهُ ﷿وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ-: مِنْ أَينَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الأَرْضِ، يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ، قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لَا؛ أَي رَبِّ، قَالَ: فَكَيفَ لَو رَأَوا جَنَّتِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ، قَالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي؟ قَالُوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوا نَارِي؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكَيفَ لَو رَأَوا نَارِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيتُهُمْ مَا سَأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا، قَالَ: فَيَقُولُونَ: رَبِّ؛ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ، إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ! قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ؛ هُمُ القَومُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» (^٢).
_________________
(١) صَحِيحٌ. ابْنِ مَاجَه (٢١٩٩)، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الأَوسَطِ (٨٨٩) بِلَفْظِ «مَنْ أَقَالَ أَخَاهُ بَيعًا». الصَّحِيحَةُ (٢٦١٤).
(٢) البُخَارِيُّ (٦٤٠٨)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٨٩).
[ ٣٩٨ ]
مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ:
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: إِذَا كَانَ أَحَدُهُم قَارِئًا وَالآخَرُونَ مُسْتَمِعِينَ؛ هَلْ لِلمُسْتَمِعِ الثَّوَابُ أَيضًا؟
الجَوَابُ: نَعَم، وَدَلَّ لِذَلِكَ أُمُورٌ:
١ - أَنَّهُ يُشْرَعُ لِلمُسْتَمِعِ لِقِرَاءَةِ القَارِئِ إِذَا سَجَدَ القَارِئُ أَنْ يَسْجُدَ أَيضًا مَعَهُ.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ قَالَ: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَينَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ؛ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوضِعَ جَبْهَتِهِ" (^١).
٢ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَ بِزِيَادَةِ الإِيمَانِ لِمُسْتَمِعِ القُرْآنِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأَنْفَال: ٢].
٣ - فِي قِصَّةِ مُوسَى وَهَارُونَ -عَلَيهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- جَاءَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يُونُس: ٨٩] مَعَ أَنَّ الدَّاعيَ هُوَ مُوسَى ﵇ وَحْدَهُ! وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ هَارُونُ ﵇ يُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِهِ كَانَ دَاعِيًا مِثْلَهُ.
قَالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ ﵀ عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيتَ فِرْعَونَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يُونُس: ٨٨، ٨٩]: " فإنْ قَالَ قَائِلٌ: وكَيفَ نُسِبَتِ الإِجَابَةُ إِلَى اثْنَين وَالدُّعَاءُ إِنَّمَا كَانَ مِنْ وَاحِدٍ؟! قِيلَ: إِنَّ الدَّاعِيَ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا؛ فَإِنَّ الثَّانِيَ كَانَ مُؤَمِّنًا وَهُوَ هَارُونُ؛ فَلِذَلِكَ نُسِبَتِ الإِجَابَةُ إِلَيهِمَا؛ لِأَنَّ المُؤَمِّنَ دَاعٍ" (^٢).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (١٠٧٥)، وَمُسْلِمٌ (٥٧٥).
(٢) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٥/ ١٨٥).
[ ٣٩٩ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ يَدَّعِي الإِعْسَارَ مَنْ لَيسَ بِمُعْسِرٍ! فَمَا السَّبِيلُ مَعَهُ؟
الجَوَابُ: إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ الرَّجُلَ صَاحِبُ حِيلَةٍ؛ وَأَنَّه مُوسِرٌ لَكِنِ ادَّعَى الإِعْسَارَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُمَاطِلَ بِحَقِّكَ! فَهُنَا لَكَ الحَقُّ أَنْ تُطَالِبَهُ.
[ ٤٠٠ ]