عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المُؤْمِنُون: ٥١]، وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ؛ أَشْعَثَ أَغْبَرَ؛ يَمُدُّ يَدَيهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ؛ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ؟!». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
- فِي الحَدِيثِ الأَمْرُ بِالأَكْلِ مِنَ الطَّيِّبِ، وَأَنَّهُ سِمَةُ المُرْسَلِينَ وَسِمَةُ المُؤْمِنِينَ بِالمُرْسَلِينَ، وَأَثَرُ ذَلِكَ الأَكْلِ الطَّيِّبِ مِنَ الحَلَالِ عَلَى عِبَادَةِ المَرْءِ، وَعَلَى قَبُولِ اللهِ تَعَالَى لِعَمَلِهِ وَلِدُعَائِهِ.
فَفِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المُؤْمِنُون: ٥١] بَيَانُ أَنَّ الأَجْرَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ مُرَتَّبٌ عَلَى أَمْرَينِ هُمَا: الأَكْلُ الطَّيِّبُ، وَالعَمَلُ الصَّالِحُ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَالمُرَادُ بِهَذَا أَنَّ الرُّسُلَ وَأُمَمَهُمْ مَامُورُونَ بِالأَكْلِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ الَّتِي هِيَ الحَلَالُ، وَبِالعَمَلِ الصَّالِحِ، فَمَا دَامَ الأَكْلُ
_________________
(١) مُسْلِمٌ (١٠١٥).
[ ١٦٥ ]
حَلَالًا فَالعَمَلُ الصَّالِحُ مَقْبُولٌ، فَإِذَا كَانَ الأَكْلُ غَيرَ حَلَالٍ؛ فَكَيفَ يَكُونُ العَمَلُ مَقْبُولًا؟ وَمَا ذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الدُّعَاءِ؛ وَأَنَّهُ كَيفَ يُتَقَبَّلُ مَعَ الحَرَامِ! فَهُوَ مِثَالٌ لِاسْتِبْعَادِ قَبُولِ الأَعْمَالِ مَعَ التَّغْذِيَةِ بِالحَرَامِ" (^١).
- قَولُهُ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى طَيِّبٌ»: يَعْنِي أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ وَالعُيُوبِ، وَهُوَ بِمَعْنَى اسْمِ القُدُّوسِ (^٢)؛ فَلَهُ أَنْوَاعُ الكَمَالَاتِ فِي القَولِ وَالفِعْلِ، فَكَلَامُهُ أَطْيَبُ الكَلَامِ، وَأَفْعَالُهُ كُلُّهَا أَفْعَالُ خَيرٍ وَحِكْمَةٍ.
- الطَّيِّبُ ضِدُّ الخَبِيثِ، كَمَا قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾
[المَائِدَة: ١٠٠]،
فَإِذَا وُصِفَ بِهِ اللهُ تَعَالَى فَمَعْنَاهُ: المُنَزَّهُ عَنِ النَّقَائِصِ،
وَإِذَا وُصِفَ بِهِ العَبْدُ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ الخَالِي مِنْ رَذَائِلِ الأَخْلَاقِ وَقَبَائِحِ الأَعْمَالِ،
وَإِذَا وُصِفَ بِهِ المَالُ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ حَلَالٌ مِنْ خِيَارِ الأَمْوَالِ،
وَإِذَا وُصِفتْ بِهِ الأَعْيَانُ أُرِيدَ بِهَا الصَّلَاحُ وَعَدَمُ النَّجَاسَةِ،
وَإِذَا وُصِفتْ بِهِ العَقَائِدُ أُرِيدَ بِهَا الصِّحَّةُ،
وَإِذَا وُصِفَ بِهِ الطَّعَامُ أُرِيدَ بِهِ اللَّذَّةُ وَالنَّظَافَةُ وَعَدَمُ النَّجَاسَةِ،
وَإِذَا وُصِفَ بِهِ الكَلَامُ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ حَسَنٌ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: " وَالطَّيِّبَاتُ جَمْعُ طَيِّبَةٍ، وَهِيَ تُطْلَقُ عَلَى المُسْتَلَذِّ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ، وَعَلَى النَّظِيفِ، وَعَلَى مَا لَا أَذًى فِيهِ، وَعَلَى الحَلَالِ" (^٣).
_________________
(١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ٢٦٠).
(٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلْنَوَوِيِّ (٧/ ١٠٠). وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: "وَالطَّيِّبُ هُنَا: مَعْنَاهُ الطَّاهِرُ". جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ٢٥٨).
(٣) فَتْحُ البَارِي (٩/ ٥١٨).
[ ١٦٦ ]
- قَولُهُ: «لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا»: أَي: لَا يَرْضَى إِلَّا الطَّيِّبَ، وَالطَّيِّبُ مَا كَانَ حَلَالًا.
- الطَّيِّبُ يَعُمُّ الأَقْوَالَ (^١) وَالاعْتِقَادَاتِ وَالأَفْعَالَ، فَالطَّيِّبُ مِنَ الأَعْمَالِ: مَا كَانَ خَالِصًا للهِ؛ مُوَافِقًا لِلشَّرِيعَةِ، وَالطَّيِّبُ مِنَ الأَمْوَالِ: مَا اكْتُسِبَ عَنْ طَرِيقٍ حَلَالٍ.
- إِنَّ العَبْدَ إِذَا التَزَمَ الطِّيبَ فِي القَولِ وَالعَمَلِ وَالاعْتِقَادِ صَارَ مِنَ الطَّيِّبِينَ، وَصَارَتْ لَهُ دَارُ الطَّيِّبِينَ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النَّحْل: ٣٢].
وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوا رَبَّهُمْ إِلَى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزُّمَر:٧٣]
وَكَمَا فِي الحَدِيثِ «إنّ المَيّتَ تحْضُرُه المَلائِكَةُ؛ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صالِحًا قالَ: اخْرُجِي أيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الجَسَدِ الطّيِّبِ، اخْرُجِي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوحٍ وَرَيحانٍ وَرَبٍّ غَيرِ غَضْبَانَ» (^٢).
- قَولُهُ: «لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا»: القَبُولُ يَخْتَلِفُ مَعْنَاهُ بِحَسْبِ سِيَاقِهِ وَقَرِينَتِهِ، فَقَدْ يُرَادُ بِهِ:
١ - الإِجْزَاءُ، كَحَدِيثِ «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ» (^٣).
_________________
(١) كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٤]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فَاطِر: ١٠]. وكحَدِيثِ «الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٩٨٩)، وَمُسْلِمٌ (١٠٠٩) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٢) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٤٢٦٢) عَنِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (١٩٦٨).
(٣) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٦٤١) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٨٥٣).
[ ١٦٧ ]
٢ - وَقَدْ يُراد بِهِ الثَّوَابُ، كَحَدِيثِ «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيءٍ؛ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيلَةً» (^١).
٣ - وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الرِّضَى بِالعَمَلِ؛ وَأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، كَحَدِيثِ «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ -وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ-؛ فَإنَّ اللهَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» (^٢)، وَعَلَى هَذَا الوَجْهِ حَدِيثُ البَابِ.
- فِي الحَدِيثِ ذِكْرُ عِدَّة صِفَاتٍ لِلدَّاعِي -هِيَ مَظِنَّةُ الإِجَابَةِ-، وَهِيَ:
١ - السَّفَرُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ: دَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ المُظْلُومِ، ودَعْوَةُ المُسَافِرِ» (^٣).
٢ - التَّوَاضُعُ حَالَ الدُّعَاءِ، لِقَولِهِ: «أَشْعَثَ أَغْبَرَ»، وَهِيَ تُظْهِرُ الخُشُوعَ وَالاسْتِكَانَةَ وَالتَّذَلُّلَ للهِ تَعَالَى (^٤).
٣ - رَفْعُ اليَدَينِ فِي الدُّعَاءِ، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ -عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ-، وَسَيَاتِي إِنْ شَاءَ اللهُ.
٤ - التَّوَسُّلُ بِأَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، كَمَا فِي قَولِهِ فِي الحَدِيثِ: «يَا رَبِّ» وَهُوَ أَكْثَرُ أَدْعِيَةِ الأَنْبِيَاءِ فِي القُرْآنِ.
- فِي الحَدِيثِ ذِكْرُ أَحَدِ مَوَانِعِ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ؛ وَهُوَ عَدَمُ التَّحَرُّزِ مِنَ
المَالِ الحَرَامِ.
_________________
(١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٢٣٠) عَنْ بَعْضِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ.
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٤١٠)، وَمُسْلِمٌ (١٠١٤) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٣) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (١٥٣٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٠٣٠).
(٤) وَمِنْ ذَلِكَ أَيضًا إِطَالَةُ السَّفَرِ؛ فَهُوَ أَدْعَى لِانْكِسَارِ النَّفْسِ وَتَوَاضُعِهَا وَرَجَائِهَا للهِ تَعَالَى.
[ ١٦٨ ]
وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ صِفَاتِ الدَّاعِي -الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ الإِجَابَةِ- مَعَ اسْتِبْعَادِ الإِجَابَةِ؛ هُوَ بَيَانُ أَثَرِ المَطْعَمِ الحَرَامِ فِي مَنْعِ الإِجَابَةِ رُغْمَ كَثْرَةِ أَسْبَابِهَا.
- قَولُهُ: «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ؟!»: اسْتِبْعَادٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُسْتَجَابَ دُعَاءُ مَنْ هَذَا حَالُهُ، وَلَكِنَّ هَذَا لَيسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ فِي عَدَمِ الوُقُوعِ؛ فَقَدْ يُسْتَجَابُ لَهُ لِعَارِضٍ آخَرَ، كَإِلْحَاحِهِ فِي الدُّعَاءِ، أَو إِخْلَاصِهِ عِنْدَ الاضْطِرَارِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العَنْكَبُوت: ٦٥] وَهُمْ أَصْلًا مُشْرِكُونَ!
وَهَذِهِ الإِجَابَةُ لِلمُشْرِكِينَ تَظْهَرُ فِيهَا رَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى العَامَّةُ بِعِبَادِهِ حَيثُ جَعَلَ لَهُم الإِجَابَةَ عِنْدَ الإِخْلَاصِ -فِي الشَّدَائِدِ- لِيَقْطَعَ عُرَى الشِّرْكِ مِنْ قُلُوبِهِم، وَتَقُومَ الحُجَّةُ عَلَيهِم فِي عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ -رُغْمَ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ مَوَانِعِ الاسْتِجَابَةِ-، فَسُبْحَانَ اللهِ مَا أَرْحَمَهُ بِعِبَادِهِ.
اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا بِرَحْمَتِكَ، وَأدْخِلْنَا بِفَضْلِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ.
- فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ مِنَ المَالِ المُحَرَّمِ كَسْبًا -كَالمَالِ المَسْرُوقِ-، أَوِ المُحَرَّمِ لِعَينِهِ -كَالخَمْرِ وَالمَيتَةِ- لَا يَقْبَلُهُ اللهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَيسَ بِطَيِّبٍ، بَلْ هُوَ خَبِيثٌ.
- فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ شُكْرَ النِّعْمَةِ يَكُونُ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ، لِقَولِهِ تَعَالَى لِلرُّسُلِ: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وَقَالَ لِلمُؤْمِنِينَ: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّه﴾ فَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى العَمَلَ الَّذِي فِي الآيَةِ الأُولَى شُكْرًا فِي الآيَةِ الثَّانِيَةِ، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سَبَأ: ١٣].
[ ١٦٩ ]
- فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ الخَبَائِثِ، لِأَمْرِهِ تَعَالَى لِلرُّسُلِ بِالأَكْلِ ﴿مِنْ الطَّيِّبَاتِ﴾ وَلِلمُؤْمِنِينَ ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، لَكِنَّ مَدَارَ الخُبْثِ لَا يَقَعُ عَلَى مَا يَسْتَخْبِثُهُ النَّاسُ بِطِبَاعِهِم؛ فَكُلُّ إِنْسَانٍ لَهُ طَبْعُهُ، وَإِنَّمَا الخَبِيثُ مَا اسْتَخْبَثَهُ الشَّرْعُ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَدَّ هَذَا إِلَى عُقُولِ النَّاسِ! فَإِنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَكْرَهُ مَا لَا يَعْتَادُ أَكْلُهُ مَثَلًا.
- فِي الحَدِيثِ جَوَازُ تَوجِيهِ الأَمْرِ لِمَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِهِ، حَيثُ أَمَرَ اللهُ
تَعَالَى المُرْسَلِينَ بِمَا هُمْ فِيهِ أَصْلًا، وَهَذَا كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ﴾
[الأَحْزَاب:١]
وَالوَاحِدُ مِنَّا -وَنَحْنُ مُفَرِّطُونَ- إِذَا قِيلَ لَهُ: (اتَّقِ اللهَ) انْتَفَخَ غَضَبًا، وَلَو قِيلَ لَهُ: (هَدَاكَ اللهُ) لَقَالَ: وَمَا الَّذِي أَنَا وَاقِعٌ فِيهِ؟! ورَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَاطِبُهُ ربُّه بِقَولِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ﴾ [الأَحْزَاب: ١] (^١)!
_________________
(١) شَرْحُ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ لِلْعُثَيمِين (ص: ١٤٨).
[ ١٧٠ ]
مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ:
- مَسْأَلَةٌ: هَلْ رَفْعُ اليَدَينِ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ دُعَاءٍ؟
الجَوَابُ: هَذَا الرَّفْعُ يَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
١ - مَا نُقِلَ فِيهِ رَفْعُ اليَدَينِ -مِثْلُ دُعَاءِ الخَطِيبِ لِلاسْتِسْقَاءِ أَوِ الاسْتِصْحَاءِ-؛ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيهِ، وَالمَامُومُونَ كَذَلِكَ (^١)، وَمِثْلُهُ رَفْعُ اليَدَينِ فِي القُنُوتِ فِي النَّوَازِلِ أَو فِي الوِتْرِ (^٢)، وَكَذَلِكَ رَفْعُ اليَدَينِ عَلَى الصَّفَا وَعَلَى المَرْوَةِ (^٣)، وَفِي عَرَفَةَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَالرَّفْعُ فِيهِ مَشْرُوعٌ.
٢ - مَا لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ الرَّفعُ عِنْدَ ذِكْرِ صِفَةِ دُعَائِهِ ﷺ، كَالدُّعَاءِ حَالَ خُطْبَةِ الجُمُعَةِ -فِي غَيرِ الاسْتِسْقَاءِ وَالاسْتِصْحَاءِ-؛ فَلَو دَعَا الخَطِيبُ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ أَو لِنَصْرِ المُجَاهِدِينَ فِي خُطْبَةِ الجُمُعَةِ فَإِنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيهِ، وَلَو رَفَعَهُمَا لَأُنْكِرَ عَلَيهِ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيبَةَ أَنَّهُ رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ -وَهُوَ يَدْعُو فِي
_________________
(١) وحَدِيثهُ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ (١٠٢٩).
(٢) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي أَشْرِطَةِ فتاوى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش: ٣٩٥): "رَفْعُ اليَدَينِ فِي قُنُوتِ النَّوَازِلِ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَمَّا فِي صَلَاةِ الوِتْرِ؛ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ".
(٣) كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: "أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدَخَلَ مَكَّةَ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ طَافَ بِالبَيتِ، ثُمَّ أَتَى الصَّفَا فَعَلَاهُ -حَيثُ يَنْظُرُ إِلَى البَيتِ- فَرَفَعَ يَدَيهِ، فَجَعَلَ يَذْكُرُ اللهَ مَا شَاءَ أَنْ يَذْكُرَهُ وَيَدْعُوهُ. قَالَ: وَالأَنْصَارُ تَحْتَهُ. قَالَ هَاشِمٌ: فَدَعَا وَحَمِدَ اللهَ وَدَعَا بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ". صَحِيحٌ دُونَ قَولِهِ: (وَالأَنْصَارُ تَحْتَهُ). أَبُو دَاوُدَ (١٨٧٢). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (١٦٤٨). تَنْبِيهٌ: قَالَ صَاحِبُ (عَونُ المَعْبُودِ بِشَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُد) (٥/ ٢٢٨): "وَأَمَّا مَا يَفْعَلهُ العَوَامّ مِنْ رَفْع اليَدَينِ مَعَ التَّكْبِير عَلَى هَيئَة رَفْعهمَا فِي الصَّلَاة فَلَا أَصْل لَهُ".
[ ١٧١ ]
يَومِ جُمُعَةٍ-؛ فَقَالَ عُمَارَةُ: " قَبَّحَ اللهُ هَاتَينِ اليَدَينِ، لَقَدْ رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺوَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ- مَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ؛ يَعْنِي السَّبَّابَةَ الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ" (^١).
وَكَذَلِكَ رَفْعُ اليَدَينِ فِي دُعَاءِ الصَّلَاةِ كَالدُّعَاءِ بَينَ السَّجْدَتَينِ، وَالدُّعَاءَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَكُلُّ ذَلِكَ: الرَّفْعُ فِيهِ غَيرُ مَشْرُوعٍ.
٣ - مَا لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ الرَّفعُ وَلَا عَدَمُهُ (^٢)؛ فَالأَصْلُ الرَّفْعُ، لِأَنَّهُ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ وَمِنْ أَسْبَابِ الإِجَابَةِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ -إِذَا رَفَعَ إِلَيهِ يَدَيهِ- أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (^٣).
- تنبيه: وَأَمَّا مَسْحُ الوَجْهِ بِاليَدَينِ بَعْدَ الدُّعَاءِ فَقَدْ قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الإِرْوَاءِ: " قَالَ النَّوَوِيُّ فِي المَجْمُوعِ: لَا يُنْدَبُ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقَالَ: لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا جَاهِلٌ! وَمِمَّا يُؤَيِّدُ عَدَمَ مَشْرُوعيَّتِهِ أَنَّ رَفْعَ اليَدَينِ فِي الدُّعَاءِ قَدْ جَاءَ فِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرْةٌ صَحِيحَةٌ وَلَيسَ فِي شَيءٍ مِنْهَا مَسْحُهُمَا بِالوَجْهِ! فَذَلِكَ يَدُلُّ
-إِنْ شَاءَ الله- عَلَى نَكَارَتِهِ وَعَدَمِ مَشْرُوعِيَّتِهِ" (^٤).
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٨٧٤).
(٢) أَي لَمْ تَرِدْ فِيهِ صِفَةُ دُعَائِهِ ﷺ، كَالأَدْعِيَةِ المُطْلَقَةِ.
(٣) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٥٥٦) عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (١٧٥٧).
(٤) الإِرْوَاءِ (٢/ ١٨٢).
[ ١٧٢ ]