وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]، وَقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
• افتتح الإمام البخاري ﵀ كل كتاب من الكتب التي جعلها ضمن كتابه الجامع الصحيح ب (بسم الله الرحمن الرحيم)، وفي هذا موافقة منه لكتاب الله تعالى وللسنة الفعلية عن النبي ﷺ.
• بدأ الإمام البخاري كتابه الجامع الصحيح بكتاب (بدء الوحي)؛ لأنَّ الوحي هو أساس الإيمان وأصله، ثم ثَنَّى بكتاب (الإيمان)؛ إذ هو مقصود الوحي، وشرط قبول الأعمال، فلا يقبل عمل بلا إيمان، ثم ثلث بكتاب (العلم)؛ لأن الإيمان لا يسلم ويصح إلا بعلم.
• ذكر الإمام البخاري ترجمة الباب، ولم يذكر فيها حديثًا، وهذا وقع له في عدة مواضع من صحيحه، فما وجه ذلك؟
قيل: إنه ترك ذكر الأحاديث بعد ترجمة الباب سهوًا منه وهذا بعيد؛ لأنَّ كتابه الجامع قد قُرأ عليه أكثر من مرة.
وقيل: إنه اكتفى بالآيتين ففيهما كامل الدلالة على ما أراد.
وقيل: إنه لا يوجد فيه حديث على شرطه لذا اكتفى بالآيتين، وقيل غير ذلك.
[ ٩ ]
س: لماذا بدأ البخاري بفضل العلم، ولم يبدأ بتعريف العلم، والأصل أن تُبدَأ الكتب بالحدود؟
ج: أنَّ الشيء إذا كان معلومًا لا يحتاج إلى حد، فالحدود تكون عند عدم تميز الأشياء.
وقيل: إنَّ الإمام البخاري ﵀ لم يضع كتابه هذا للحدود والتعريفات، ولذلك لم يضع حدًّا للعلم، وبدأ بفضله أولًا.
س: لماذا بدأ الإمام البخاري ﵀ كتاب العلم بباب فضل العلم دون غيره من أبواب العلم؟
ج: إنَّ هذا للدلالة على أنَّ العلم عمل مضنٍ وشاق، فيحتاج إلى جهد وتعب ومشقة، فذِكْرُ الفضل والجزاء والثواب يكون دافعًا وحافزًا للعبد على ذلك العمل.
• قال علي ﵁: كفى بالعلم شرفًا أنه يدّعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نُسب إليه، وكفى بالجهل ضعة أن يتبرأ منه من هو فيه، ويغضب إذا نسب إليه (^١) (^٢).
_________________
(١) ربيع الأبرار ونصوص الأخيار للزمخشري (٤/ ٣٧) ط مؤسسة الأعلمي، تذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة ص ٤١ ط دار البشائر. ويُنسب أيضًا للإمام الشافعي كما عند أبي نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء (٩/ ١٤٦).
(٢) وقد نظم بعض المحدثين في هذا المعنى كما في معجم الأدباء لياقوت الحموي (١/ ١٦) ط دار الغرب الإسلامي فقال: كفى شرفًا للعلم دعواه جاهل … ويفرح أن يدعى إليه وينسب ويكفي خمولًا بالجهالة أنني … أراع متى أنسب إليها وأغضب
[ ١٠ ]
وقد بدأ البخاري ﵀ هذا الكتاب بآيتين كريمتين من كتاب الله ﷿:
الآية الأولى قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١].
ذكر الله ﵎ في الآية رفعه لصنفين من الناس، وهما: الذين آمنوا، والذين أوتوا العلم، وخص ربنا ﵎ الإيتاء بالعلم، مما يدل على أنَّ العلم هبة وعطاء من الله ﷿، أما الإيمان فإنه لازم للنجاة، ولكل مسلم منه نصيب؛ لذلك قال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
• وفي قوله تعالى ﴿مِنْكُمْ﴾ احتمالان فقيل: إنها عائدة على المؤمنين جميعًا فيكون مَنِ ازداد علمًا وإيمانًا فهو المرتفع.
وقيل: إنها تعود على الصحابة بخصوصهم، والأول أولى.
• وخص الله ﷿: العلماء بذلك لأنهم ورثة الأنبياء، فإنَّ أشرف المنازل هي منازل الأنبياء، والمنزلة التي تليها هي منزلة ورثتهم من العلماء.
• وسمي العلماء ورثة الأنبياء لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢].
• وأفضل من ورث هذا الميراث هم العلماء، ويدل على ذلك قولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «رَأَيْتُ كَأَنِّى أُتِيتُ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ فَأَعْطَيْتُ فَضْلِى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ». قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «الْعِلْمَ» (^١).
• والمراد هنا بيان فضيلة العلماء، وليس بيان فضيلة العلم بذاته فالله تعالى يرفع العلماء، وهذا الرفع يكون في الدنيا وفي الآخرة، فيكون في الدنيا بالبصيرة
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٢٥٥ ح ٨٣) ط التأصيل، ومسلم (٦/ ٢٣٤ ح ٢٤٦٩) ط التأصيل كلاهما من حديث ابن عمر ﵁.
[ ١١ ]
والنور والهداية، وبعُلُوِّ ذكرهم وقدرهم، وبجعل محبتهم في قلوب العباد، وإن كانت هذه الأمور ليست مرادة ابتداء لأهل العلم، ولكنها تحدث تبعًا، ويكون في الآخرة بالثواب والكرامة.
• قَدِمَ الرَّشِيْدُ الرَّقَّةَ، فَانْجَفَلَ النَّاسُ خَلْفَ ابْنِ المُبَارَكِ، وَتَقَطَّعَتِ النِّعَالُ، وَارتَفَعَتِ الغَبَرَةُ، فَأَشرَفَتْ أُمُّ وَلَدٍ لأَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ مِنْ بُرْجٍ مِنْ قَصْرِ الخَشَبِ، فَقَالَتْ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: عَالِمٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ قَدِمَ. قَالَتْ: هَذَا - وَاللهِ - المُلْكُ، لا مُلْكَ هَارُوْنَ الَّذِي لا يَجْمَعُ النَّاسَ إِلا بِشُرَطٍ وَأَعْوَانٍ (^١).
• ولذلك لم يأمر الله نبيه ﷺ في القرآن الكريم من طلب الاستزادة من شيء إلا من العلم، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
وقد قدم البخاري آية المجادلة على هذه الآية ليببن أنَّ أهل العلم في دجات عالية ومنزلة رفيعة عند الله تعالى، وعلى هذا فإنه لابد للإنسان أن يطلب من الله تعالى أن يرزقه العلم.
• قال الحافظ ابن حجر ﵀: وقوله ﷿ ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] واضحة الدلالة في فضل العلم؛ لأنَّ الله تعالى لم يأمر نبيه ﷺ بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم (^٢).
• وقد اعتبر الصحابة ﵃ تبليغ العلم من أعظم الأعمال، فكان أبو ذر ﵁ يقول: «لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ - ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا» (^٣) أي من الفرائض
_________________
(١) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٠/ ١٥٦) ط دار الغرب الإسلامي، سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٨٤) ط مؤسسة الرسالة، البداية والنهاية (١٣/ ٦١١) ط دار هجر.
(٢) فتح الباري لابن حجر العسقلاني (١/ ١٤١) ط دار المعرفة.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ (١/ ٢٤٤) ط التأصيل، والدارمي في سننه (١/ ١٩٧ ح ٥٦٠) ط دار البشائر موصولًا، وصححه ابن حجر كما في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية (١٢/ ٦٧٩) ط دار العاصمة. الصمصامة: السيف القاطع، والجمع: صماصم كما في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٣/ ٥٢) ط الكتب العلمية. تُجيزوا: تقتلوني وتنفذوا فيّ أمركم. كما في النهاية لابن الأثير (١/ ٣١٥).
[ ١٢ ]
ونحوها مما يحتاج إليه الناس لبلَّغتُها.
• وهذا يدل على أنَّ العالم يجوز له الأخذ بالعزيمة، وكذلك يجوز له أن يأخذ بالرخصة في البلاغ إن كانت هناك حاجة، ومن ذلك قول أبي هريرة: " حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ " (^١).
ومما يدل على فضل العلم أنَّ أصحابه وهم العلماء هم الواسطة بين الله وبين عباده، لذلك قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، فجعل الله شهادة العلماء شهادة معتبرة مرضية عنده، وقرن شهادتهم بشهادته ﷻ، وأنه تعالى لما قبل شهادتهم دل ذلك على رضاه عنهم وعن أقوالهم وأفعالهم؛ بل إنه عطف شهادتهم على شهادته ﷿ بنفس الفعل ولم يفردهم بالفعل، فلم يقل شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وشهد أولو العلم.
وكما أنهم هم ورثة الأنبياء، فهم شهداء الله تعالى على أَجَلِّ عمل ألا وهو التوحيد، والعظيم لا يستشهد على الأمر العظيم إلا العظماء من خلقه وهم أهل العلم.
• وهذه المقدمة من البخاري ﵀ شحذ للهمم في طلب العلم، وتحمل المشاق في طريق الطلب.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٢٨١ ح ١٢٤) ط التأصيل. البلعوم: مجرى الطعام.
[ ١٣ ]