لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فَبَدَأَ بِالعِلْمِ «وَأَنَّ العُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَرَّثُوا العِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ».
وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وَقَالَ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، وَقَالَ ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، وَقَالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، وَإِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ.
وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: «لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ - ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا»، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] " حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ، وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ ".
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ الأحاديث السابقة تكلمت عن حال المبلِّغ، والمبلَّغ إليه، وذلك من أجل العمل، فالعلم لابد أن يكون قبل القول والعمل.
• بعض معاني الكلمات:
(الصمصامة): هو السيف الصارم الذي لاينثني، وقيل: هو السيف الذي له حد واحد.
[ ٦٣ ]
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: تقدم العلم على العمل وذلك في الزمن والشرف، فمن ناحية الشرف فإنَّ العلم أشرف لأنه عمل القلب، وأما العمل فإنه عمل الجوارح، والقلب هو سيد الأعضاء وأشرفها، وفي زمنه فلابد للعلم أن يسبق العمل لأنه لا يكون العمل صحيحًا إلا بالعلم.
الفائدة الثانية: دليل على فضل العلماء، وأنهم ورثة الأنبياء.
وورث العلماء الأنبياء لأنهم تشبهوا بهم؛ لأن النبي على الراجح هو من أرسل إلى قوم موافقين له لتصحيح ما أخطأوا فيه، وكذلك العلماء يقومون في هذا الباب مقام الأنبياء.
الفائدة الثالثة: طريق العلم يسهل طريق الجنة، في الدنيا وفي الآخرة، وذلك لأن القليل من العلم يجلب للعبد الكثير من الحسنات، ويسهل عليه طريق الجنة.
الفائدة الرابعة: كما أنَّ العلم يسهل على طالبه الجنة فإن الله يسهل عليه العلم، فقد ورد عن بعض السلف قولهم: تعلمنا العلم لغير الله فأبى الله إلا أن يكون له، فمن تسهيل أبواب الخير أنَّ الله تعالى يصحح النيات بالعلم أيضًا.
الفائدة الخامسة: العلم كالطريق في أنه متدرج شيئًا فشيئًا، ولذلك شبهه النبي بذلك، فكلما أخذ الإنسان خطوة قطع شيئًا من هذا الطريق.
الفائدة السادسة: العلم طريق إلى غيره، فالعلم موصل لغيره وهو رضا الله تعالى والجنة، وأما في الدنيا فهو موصل للراحة والطمأنينة، والعبادة على يقين، وما إلى ذلك.
الفائدة السابعة: العلماء أخشى الناس لله تعالى، فكلما ازداد العبد علمًا ازداد خشية؛ ولذا قالوا: العلم الخشية.
الفائدة الثامنة: ارتباط العلم بالعمل، وكل منهما يتبع الآخر فالعمل بغير علم
[ ٦٤ ]
لا يصلح، وكذلك العلم بغير عمل لا نفع فيه؛ فالعلم بغير عمل علم غير مثمر ولا نفع فيه، والعمل بغير علم هو عمل غير صالح مشوب بالبدع والمنكرات.
• وهذا يدل على أنَّ الإنسان كلما كثر علمه ينبغي أن يكثر عمله.
• وكانت أم سفيان الثوري تقول: يا بني إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تزدك فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك (^١).
• فالعلم أصل العمل، والعمل ثمرة العلم.
• قال إسماعيل بن يحيى رآني سفيان وأنا أمازح رجلًا من بني شيبة عند البيت فتبسمت، فالتفت إلي، وقال: تبتسم في هذا الموضع، إن كان الرجل ليسمع بالحديث الواحد فنرى عليه ثلاثة أيام سمته وهديه (^٢).
_________________
(١) صفة الصفوة لابن الجوزي (٢/ ١١٠) ط دار الحديث.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (١/ ١٥٧) ط مكتبة المعارف.
[ ٦٥ ]