بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ كَيْ لَا يَنْفِرُوا
قال ﵀: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ «يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا».
وقال ﵀: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا».
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
كان الباب السابق في العلم، وهذا في التخول في العلم يعني من طرق التعليم أنَّ المعلم يتخول الناس بالموعظة كي لا ينفروا.
وكذلك في الباب السابق ختمه بقوله تعالى ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ " حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ، وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ ".
وكذلك من صفات العالم الرباني الفقيه أنه يتخول الناس بالموعظة، وألا ينفِّر الناس من العلم.
[ ٦٦ ]
• تراجم بعض الرواة:
(محمد بن يوسف): هو الإمام أبو عبد الله محمد بن يوسف بن واقد بن عثمان الضبى الفريابي، قال عنه زنجويه: ما رأيت أورع من الفريابى. توفي سنة ٢١٢ هـ.
(الأعمش): هو الإمام أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي الكوفي، قال ابن عيينة: سبق الأعمش أصحابه بأربع خصال: كان أقرأهم للقرآن، وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، وذكر خصلة أخرى، توفي سنة ١٤٧ هـ، وقيل: ١٤٨ هـ.
(أبو وائل): هو الإمام أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدى الكوفي، تعلم القرآن فى شهرين. توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقيل غير ذلك.
(محمد بن بشار): هو الإمام أبو بكر محمد بن بشار بن عثمان العبدى البصري، ولقبه بندار، كان إمام زمانه في الحديث، توفي سنة ٢٥٢ هـ.
(يحيى بن سعيد): هو الإمام أبو سعيد يحيى بن سعيد بن قيس الأنصارى المدني، قال عنه جرير بن عبد الحميد: لم أر من المحدثين إنسانًا كان أنبل عندى من يحيى بن سعيد الأنصارى. توفي سنة ١٤٤ هـ، وقيل: بعدها.
(شعبة): هو الإمام أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد العتكى البصري، أمير المؤمنين في الحديث، وقال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق، توفي سنة ١٦٠ هـ.
(أبو التياح): هو الإمام أبو التياح يزيد بن حميد الضبعى البصري، قال أبو إياس: ما بالبصرة أحد أحب إلىَّ أن ألقى الله عز وجل بمثل عمله من أبى التياح. توفي سنة ١٢٨ هـ، وقيل ١٣٠ هـ.
[ ٦٧ ]
• بعض معاني الكلمات:
(بِالْمَوْعِظَةِ) هي النصح والتذكير بالعواقب، والموعظة من العلم، ولكنه ذكرها هنا في الباب؛ لأنها منصوص عليها في الحديث بينما لم ينص على كلمة العلم؛ لأن العلم أعم والموعظة أخص.
(كَيْ لَا يَنْفِرُوا) أي لئلا يتباعدوا.
(يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ) أي يصلحنا ويقوم علينا.
(كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا) أي الملالة وهي مثل السآمة بناء ومعنى.
سؤال: ما سبب ذكر ابن مسعود لهذا الحديث؟
الجواب: أنَّ أبا وَائِلٍ شقيق بن سلمة، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ فقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، فذكره.
• وفي الباب فوائد منها:
• أولًا: الحديث الأول:
الفائدة الأولى: استحباب ترك المداومة في الجد والعمل الصالح إن كان يؤدي إلى الملالة.
الفائدة الثانية: التوسط والقصد، وهو أمر مقصود في الشرع، فالجد في العمل لا يذم إنما الذي يذم أن يؤدي هذا الجد إلى الملالة.
الفائدة الثالثة: مراعاة الجد والنشاط، فيتحين فرصه وأوقاته بشرط عدم الوصول إلى الملل، كما قال رسول الله (فليصل أحدكم نشاطه)، وكما أنكر النبي ﷺ على الثلاثة الذين جاءوا إلى داره ليسألوا عن عبادته وأرادوا الزيادة عليها.
الفائدة الرابعة: مراعاة القائد والعالم لأصحابه، فيتخولهم ويصلحهم ويقوم عليهم، وكان النبي ﷺ يتعهدهم بالموعظة والتعهد ليس بالتعليم
فقط، بل بالتعليم
[ ٦٨ ]
في الوقت المناسب، والترك في الوقت المناسب.
الفائدة الخامسة: رحمة النبي ﷺ بأمته، رغم أنَّ الصحابة كانوا يحبون ملازمته وأخذ العلم منه دائمًا، لكنه كان يخاف من ملالتهم.
الفائدة السادسة: العالم والفقيه الرباني هو الذي لا ينفر منه الناس، وهذا أمر محظور أي التنفير حتى وإن كان التنفير بالعلم، فإن كان التنفير بالعلم امتنع عنه وقتًا كما كان هو فعل النبي ﷺ.
• ثانيًا: الحديث الثاني:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلا تُنَفِّرُوا».
• وذكر الحديث هنا بيان لصورة من صور الموعظة حتى لا ينفر الناس، والمعنى: أنَّ الناس قد ينفرون من العلم والموعظة بكثرة التعليم، أو ينفرون من الموعظة والعلم بسبب التعسير والتشديد، ونهى النبي ﷺ عن الأمرين وعن غيرهما مما يُنَفِّر.
فهذان الأمران يقاس عليهما كل ما ينفر الناس عن هذا الدين، وإن كان من الممكن الإنذار والتخويف للناس، ولكن الغالب في الدعوة التيسير والتبشير.
• وفي هذا الحديث فوائد منها:
الفائدة الأولى: حسن بيانه ﷺ، وأنه أوتي جوامع الكلم، ففي الحديث أتى بالمترادفات والمتناقضات فقال (يسروا وبشروا، ولا تعسروا ولا تنفروا) وهذا يسمى جناس تام في ترتيب الألفاظ وفي الإتيان بشبيهها، والبلاغيون يعتبرونه زيادة في حسن الكلام وجماله.
[ ٦٩ ]
الفائدة الثانية: عبر النبي ﷺ بالمآل والمقصود لبيان خطره فقال: يسروا وضد التيسير التعسير، وقال بشروا وضد التبشير الإنذار، فقال لا تنفروا ولم يقل ولا تنذروا يعني ولا يغلب عليكم التخويف؛ لأن الزيادة في الإنذار والتخويف ينفر، فذكر النبي ﷺ المآل، فكأنه ذكر الشيء وعلته.
الفائدة الثالثة: التلطف بالمدعو سواء كان المدعو صغيرًا أو كبيرًا مسلمًا أو كافرًا، فهذه صورة عامة للدعوة، والتلطف ليس معناه ترك الزجر مطلقا، ولكن الرفق واللين، والله تعالى جعل لنشر الدين سُبُلًا وطُرُقًا، ومن أهمها الدعوة والجهاد، وهذان السبيلان مختلفان، فقال تعالى في الدعوة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال في الجهاد ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣].
• فالأصل في الجهاد القوة والغلظة، والأصل في الدعوة الحكمة والموعظة الحسنة، فلا يجوز تبديل هذا مكان هذا.
الفائدة الرابعة: يسر الدين، فالنبي ﷺ أمر باليسر والتيسير.
مسألة هامة:
ليس معنى اليسر الأخذ بالأخف، فالأصل أنَّ كل الدين يسر، قال النبي ﷺ (إنَّ الدين يسر) (^١)، ولكن المعنى إذا خُيِّر الإنسان بين أمرين والشرع يسع الأمرين يختار الأيسر منهما.
الفائدة الخامسة: اختيار الوقت المناسب للنذارة، وأنَّ بداية التعليم تكون بالتبشير، لأن البداية لو كانت بالنذارة أدت إلى النفور.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ١٦) ح ٣٩.
[ ٧٠ ]
الفائدة السادسة: في الحديث دليل على التدرج في التعليم، فالبداية بالتبشير، ثم الانتقال إلى الإنذار.
الفائدة السابعة: في الحديث الجمع بين خيري الدنيا والآخرة، فالتيسير في الأحكام والتعليم من خير الدنيا، والتبشير بالجزاء والثواب والعواقب هذا من خير الآخرة.
[ ٧١ ]