قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ؟
قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا " (^١).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
الباب السابق كان عنوانه (مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ كَيْ لا يَنْفِرُوا)، فالتخول بالموعظة يكون لعدم الملل، وفي هذا الباب شيء زائد وهو إقبال الناس على العلم وطلبهم له.
فطلبة العلم لابد أن يتخولهم المعلم بالموعظة خوفًا عليهم من النفور والملل، وهذا ليس خاصًّا بعوام الناس فقط، ولكنه أمر عام، فالله ﵎ خلق النفوس وهو سبحانه يعلم ما يصلحها، والشرع الحنيف يراعي المآلات، فقد يخيل للإنسان في أول الأمر أنه لن يمل ولن يفتر ثم يمل بعد ذلك، فمن رحمة الله ﷿ أنه يحمي الإنسان من نفسه.
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
(٣) أنَّ رواته كلهم كوفيون.
[ ٧٢ ]
• تراجم بعض الرواة:
(عثمان بن أبي شيبة): هو الإمام أبو الحسن عثمان بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، سُئل ابن نمير عنه فقال: سبحان الله ومثله يسأل عنه، إنما يسأل هو عنا، توفي سنة ٢٣٩ هـ.
(جرير): هو الإمام أبو عبد الله جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي، كان كثير العلم يُرحل إليه، وكان من العباد، توفي سنة ١٨٨ هـ.
(منصور): هو الإمام أبو عتاب منصور بن المعتمر بن عبد الله الكوفي، فكان لا يروى إلا عن ثقة غالبًا، وكان أثبت أهل الكوفة، توفي ﵀ سنة ١٣٢ هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: رحمة الله ﷾ ولطفه بعباده، وأنَّ الشرع ينظر إلى المآلات ومراعاة النفوس، وأنَّ الله تعالى أعلم بالإنسان من نفسه.
الفائدة الثانية: ما كان عليه الصحابة ﵃ من الاقتداء بالنبي ﷺ والمحافظة على سنته، فلما طلبوا من ابن مسعود: أن يحدثهم كل يوم، لم يفعل ورأى أنَّ اتباع هدي النبي ﷺ ومنهجه هو خير الهدي.
الفائدة الثالثة: مراعاة الفقيه للمآلات وعدم النظر للحال فقط، وهذا يدل عليه فعل ابن مسعود، فمع همة من معه ونشاطهم وطلبهم المزيد، لكنه خشي عليهم الملل في المستقبل، وهذا يبين أهمية دور الفقيه والمعلم، فالفقيه ينبغي ألا ينظر إلى رغبات الناس، ولكنه ينظر إلى الحقائق والمآلات، فقد يطلب الإنسان أكثر من طاقته، ولكن الفقيه يكون أبصر بذلك فيجيبه على غير ما يريد، وقد كان النبي ﷺ يسأل عن بعض الأسئلة فيجيب عنها وزيادة كما في حديث أبي هُرَيْرَةَ وفيه: أنَّ رجلًا جاء إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
[ ٧٣ ]
ﷺ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (^١).
وكما ثبت عند البخاري أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي قَالَ: «فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ»، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ»، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ»، فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ».
فلما كبر كان يتمنى أن لو قبل رخصة النبي ﷺ، فإنَّ النبي ﷺ كان يرشده إلى ما هو أفضل وأصلح له في كل حال.
الفائدة الرابعة: على العالم والفقيه أن يراعي أحوال العامة وأن لا يراعي أحوال بعض الأفراد، كما في قول الرجل (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ؟) فهذا كلام لرجل واحد، وليس طلبًا عامًّا من الجميع.
الفائدة الخامسة: قول الرجل (لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ) يدل على حب التابعين للعلم، فالعلم عندهم له متعة وحلاوة، وهكذا كل طالب علم يجد للعلم لذة وحلاوة.
الفائدة السادسة: جواز تأخير بعض العلم للمصلحة، ومنها تأليف الناس وعدم نفورهم من العلم، ومنها ما ورد أنَّ النبي ﷺ أمر أبا هريرة فَقَالَ: «اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِط يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (١/ ٦٢) ط الرسالة العالمية، والترمذي في جامعه (١/ ١٢٥) ط الغرب الإسلامي، والنسائي في سننه (١/ ٥٠) ط مكتب المطبوعات، وابن ماجه في سننه (١/ ٢٥٠) ط الرسالة العالمية، وقد صحح هذا الحديث الأئمة منهم الترمذي، وابن خزيمة، وابن منده، والحاكم، وغيرهم.
[ ٧٤ ]
قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ»، ولكن عمر أبى ذلك مخافة أن يتكل الناس فقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ، مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَخَلِّهِمْ» (^١).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٥٩) ط إحياء التراث.
[ ٧٥ ]