قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ، خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» (^١).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
المناسبة واضحة بين هذا الباب والأبواب السابقة، فالأبواب السابقة جاءت في شأن من يُذَكِّر الناس ويعظهم ويعلمهم أمور دينهم، فهو ينفع الناس ولا يضرهم وليس هذا إلا شأن الفقيه، ومن الفقه والفهم وإرادة الخير بالعالم ألَّا يعظ الناس في كل وقت، وهذا هو سبب إيراد هذا الباب بعد الأبواب السابقة.
• قوله ﷺ: (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) قيل أنَّ المراد بالقسمة هنا: العلم، فالنبي ﷺ يبذل العلم والله يعطي الناس من الفهم والعلم بقدر، وقيل المراد قسمة المال بينهم، فالله هو الذي يقدر ويعطي، والنبي ﷺ هو الذي يقسمه بين الناس.
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث والعنعنة والسماع.
(٣) أنَّ رواته ما بين بصري وأيْليّ ومدني.
(٤) وفيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
[ ٧٦ ]
• تراجم بعض الرواة:
(سعيد بن عفير): هو الإمام أبو عثمان سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم الأنصاري المصري، قال عنه الحاكم: إنَّ مصر لم تخرج أجمع للعلوم منه، توفي سنة ٢٢٦ هـ.
(ابن وهب): هو الإمام أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم القرشى المصري، قال عنه ابن حبان جمع ابن وهب وصنف، وأثنى عليه الأئمة، توفي سنة ١٩٧ هـ.
(يونس): هو الإمام يونس بن يزيد بن أبى النجاد الأيلي، توفي سنة ١٥٩ هـ، وقيل ١٦٠ هـ.
(ابن شهاب): هو الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري المدني، قال إبراهيم بن سعد، عن أبيه: ما سبقنا ابن شهاب بشاء من العلم إلا أنه كان يشد ثوبه عند صدره، ويسأل عما يريد، وكنا تمنعنا الحداثة، توفي ١٢٥ هـ، وقيل قبلها.
(حميد بن عبد الرحمن): هو الإمام حميد بن عبد الرحمن بن عوف القرشى الزهرى المدني، اختلف في كنيته فقيل: أبو إبراهيم، وقيل: أبو عبد الرحمن، توفي سنة ١٠٥ هـ.
• وفي الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: فضل العلماء على سائر الناس، وأنهم هم الذين أراد الله بهم الخير.
الفائدة الثانية: فضل علم الفقه، وإن كان الفقه المذكور في الحديث يراد به عموم الفهم إلا أنَّ تسمية علم الفقه بالفقه يدل على عظم مكانته.
[ ٧٧ ]
الفائدة الثالثة: علاج النفوس وتطييبها مع الالتزام بالأوامر الشرعية، فليس معنى تطييب النفوس أن يترك الأمر الشرعي، ولا يعني تمسكه بالأمر الشرعي أن ينفر الناس، ولكن ينبغي أن يكونا جميعًا، ولذلك قال النبي ﷺ (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ والله يعطي)، ففيه تطييب لنفس من لم يأخذ، كما طيب نفوس الأنصار لما أعطى مسلمة الفتح، فقال لهم ﷺ «إِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ، وَتَرْجِعُوا إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَوَاللَّهِ مَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ»، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ رَضِينَا (^١).
الفائدة الرابعة: مدح الفقه والفهم في الدين كما قال ﷺ «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّين».
الفائدة الخامسة: الحث على طلب العلم والفهم فيه، فهو دليل لإرادة الخير بالعبد، ولو أراد الله بالعبد الخير تولى أمره، ووفقه ورعاه في أمور الدنيا والآخرة، والعلم طريق ذلك كله.
الفائدة السادسة: الأخذ بمفهوم المخالفة من هذا الحديث، فمن لم يرد الله به خيرًا لا يفقهه في الدين، ولذلك اعتبر العلماء أنَّ كل الدنيا ظلمات إلا مجالس العلم فهي المجالس التي تفتح للإنسان طريق الخير كما قال النبي ﷺ «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» (^٢).
الفائدة السابعة: يدل الحديث على أنَّ إرادة الله بالعبد درجات كما أنَّ الفقه درجات، فكلما علا قدر المرء في الفقه والعلم دل ذلك على أنَّ إرادة الخير به أكثر، وعطاء الله له أكبر.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ٩٤) ط طوق النجاة، ومسلم في صحيحه (٢/ ٩٧٠) ط إحياء التراث.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٠٧٤ ح ٢٦٩٩) ط إحياء التراث.
[ ٧٨ ]
الفائدة الثامنة: في قوله ﷺ: «وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ» دليل على عدم خلو العصر من مجتهد، وأنَّ العصر لا يخلو أبدًا من مجتهد قائم لله بالحجة، والقيام على أمر الله يكون بالفهم والعلم لا بالتقليد.
الفائدة التاسعة: في الحديث دليل على أنَّ بعض هذه الأمة يبقى على الحق أبدًا فالأمة لا تضل أبدًا، وقد اختلف في هذه الطائفة من تكون؟
• قال البخاري ﵀: هم أهل العلم (^١).
• وقال أحمد بن حنبل ﵀: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم (^٢).
• قال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذاهب أهل الحديث (^٣).
• قال الإمام النووي ﵀: يحتمل أنَّ هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين فمنهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير (^٤)، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض.
الفائدة العاشرة: يدل الحديث على أنَّ النبي محمدًا ﷺ هو خاتم النبيين، وذلك لأن الأنبياء يرسلون لإصلاح الأمم التي ضلت وحادت عن طريق الله تعالى، فهم يردون الناس إلى الدين، وأما هذه الأمة فإنها لن تضل كلها أبدًا، وأما من يضل منها فإنَّ العلماء يردونهم؛ لذا كان العلماء هم ورثة الأنبياء.
_________________
(١) شرح صحيح مسلم للنووي (١٣/ ٦٧) ط إحياء التراث.
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق.
(٤) المصدر السابق.
[ ٧٩ ]
الفائدة الحادية عشرة: العلم والفقه ينالان بأمرين:
• الأول: الاكتساب والجد.
• الثاني: فتح الله تعالى على المتعلم وإرادة الخير به.
الفائدة الثانية عشرة: تعظيم الخير الذي يناله أهل العلم كما قال ﷺ «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا».
فكلمة «خَيْرًا» جاءت نكرة في سياق الشرط وهي تفيد العموم (أي من يرد الله به كل خير)، وقد يكون التنكير هنا للتعظيم أي أراد الله به خيرًا عظيمًا، وهذا يدل على أنَّ الفقه في الدين من الخير العظيم والدرجات العلى التي لا يعطيها الله تعالى لكل أحد.
[ ٨٠ ]