وَقَالَ عُمَرُ: «تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا»، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «وَبَعْدَ أَنْ تُسَوَّدُوا وَقَدْ تَعَلَّمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي كِبَرِ سِنِّهِمْ».
قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» (^١).
وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ الباب السابق كان عن الفهم في العلم فأتى بعد الفهم بالاغتباط، فكلما زاد الفهم والعلم زادت الغبطة.
• تراجم بعض الرواة:
(إسماعيل بن أبي خالد): هو الإمام أبو عبد الله إسماعيل بن أبى خالد، كان من حفاظ الناس كما قال الثوري، وكان يسمى الميزان كما قال مروان بن معاوية، توفي سنة ١٤٦ هـ.
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث والسماع.
(٣) أنَّ فيه رواية ثلاثة من التابعين.
(٤) رواته ما بين كوفي ومكي.
[ ٨٣ ]
(قيس بن أبي حازم): هو الإمام قيس بن أبى حازم واسمه حصين البجلى الكوفي، مخضرم وقيل له رؤية، توفي بعد ٩٠ هـ، أو قبلها.
• مفردات الحديث:
(الِاغْتِبَاطِ) الغبطة: تمني حال المغبوط دون زوال ما عنده، وهذا الفارق بين الحسد والغبطة، فالحسد: هو تمني ما عند الغير، وتمني زوال النعمة عنه.
(قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا) أي قبل أن تطلبوا السيادة، أو قبل أن تصيروا سادة، فلا يلزم أن يطلب الإنسان السيادة، ولكنه قد يصير سيدًا دون أن يطلبها.
• وفي الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: العلم قد يكون سببًا للرياسة والسيادة وهذا مأخوذ من قول عمر ﵁ تفقهوا قبل أن تسودوا، والمعنى: تفقهوا واجتهدوا بالتفقه والفهم قبل أن تصيروا سادة في العلم، فتتصدرون قبل أن تتأهلوا، وقد يكون المعنى: تفقهوا قبل أن تصيروا سادة وورؤساء في الدنيا، فتشغلكم السيادة والرياسة عن العلم.
الفائدة الثانية: التعجيل بالعلم والتعلم قبل وجود الموانع والأشغال.
الفائدة الثالثة: لا مفهوم مخالفة من كلام عمر (تفقهوا قبل أن تسودوا)، وكذلك بعد أن يصير سيدًا فلابد كذلك من التفقه؛ ولذلك قال البخاري (وبعد أن تسودوا) دفعًا لهذا المفهوم المتوهم.
الفائدة الرابعة: استحباب البعد عما يمنع الإنسان من العلم كالسيادة والرئاسة.
الفائدة الخامسة: الانشغال بأمور الدنيا مؤثر في النفس ومؤثر في السير للآخرة، وكذلك السيادة والرئاسة.
[ ٨٤ ]
• قال يحيى بن معين ﵀: من عاجل الرئاسة فاته علم كثير (^١).
• قال الشافعي: إذا تصدر الحدث فاته علم كثير (^٢).
• قال مالك: إنَّ القاضي إذا عُزِلَ لا يرجع إلى مسجده الذي كان يتعلم فيه (^٣).
الفائدة السادسة: وفيه كما سبق دليل على أنَّ العلم قد يكون سببًا في السيادة، لكن هذا أمر تبع وليس أصليًّا، فالأصل في طالب العلم ألا يطلب ذلك، ولكنها تأتي دون أن يطلبها كالشهرة ونحوها.
• قَدِمَ الرَّشِيْدُ الرَّقَّةَ، فَانْجَفَلَ النَّاسُ خَلْفَ ابْنِ المُبَارَكِ، وَتَقَطَّعَتِ النِّعَالُ، وَارتَفَعَتِ الغَبَرَةُ، فَأَشرَفَتْ أُمُّ وَلَدٍ لأَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ مِنْ بُرْجٍ مِنْ قَصْرِ الخَشَبِ، فَقَالَتْ: مَا هَذَا؟
قَالُوا: عَالِمٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ قَدِمَ.
قَالَتْ: هَذَا - وَاللهِ - المُلْكُ، لا مُلْكَ هَارُوْنَ الَّذِي لا يَجْمَعُ النَّاسَ إِلا بِشُرَطٍ وَأَعْوَانٍ (^٤).
وأهل العلم ينالون الشهرة فتجدهم أشهر الناس في الأمة.
• قال سليمان بن عبد العلى: حدثني أبو زرعة، فقال له رجل: من أبو زرعة؟
_________________
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١/ ١٥٩) ط الرشد.
(٢) صفة الصفوة لابن الجوزي (١/ ٤٣٥) ط دار الحديث.
(٣) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١/ ١٥٩) ط الرشد بتصرف.
(٤) تقدم سابقًا.
[ ٨٥ ]
فقال: أبو زرعة أشهر من الدنيا في الدنيا (^١).
• وقال رجل للإمام أحمد هناك شاب بالري يدعى أبا زرعة.
فغضب أحمد وقال تقول شاب، ثم رفع يديه وظل يدعو له، ويقول: اللهم انصره على من بغى عليه، اللهم ارحمه، اللهم اعف عنه (^٢).
وتجد أهل العلم ينالون المحبة في قلوب كثير من الناس ولا يبغضهم إلا حاسد أو جاهل لا يعلم قدرهم.
فالعالم يعرف الجاهل؛ لأنه كان يومًا جاهلًا، أما الجاهل لا يعرف قدر العالم؛ لأنه لم يكن عالمًا.
• قال رجلٌ لابن تيمية: كيف أصبحت؟
قال: أصبحت بين نعمتين لا أدري أيهما أعظم، بين محبة في قلوب العباد لا يبلغها عملي، وذنوب سترها الله تعالى عليَّ فلم يطلعها على غيره (^٣).
الفائدة السابعة: استحباب المنافسة وتمني ما عند الغير من الخير دون تمني زوال ما عندهم.
الفائدة الثامنة: قهر النفس، فلابد للنفس أن تُقْهَر حتى يستطيع الإنسان أن يعمل الأعمال الصالحة؛ لذا قال ﷺ: ورجل آتاه الله مالًا فسُلِّط على هلكته في الحق.
الفائدة التاسعة: العلم والفهم هو الأصل لذلك قال سلط على هلكته في الحق،
_________________
(١) تاريخ دمشق لابن عساكر (٣٨/ ٢٨) ط دار الفكر، وسير أعلام النبلاء للذهبي (١٣/ ٧٤) ط الرسالة.
(٢) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (١/ ٢٣٧) ط دار الفكر.
(٣) الشكر لابن أبي الدنيا ص ١٨ ط المكتب الإسلامي.
[ ٨٦ ]
والتسليط عليه في الحق لا يكون إلا بفهم وعلم.
الفائدة العاشرة: فضيلة الحكمة (ورجل آتاه الله الحكمة) وهي وضع الشيء في موضعه، فالشدة في موضع الشدة، واللين في موضع اللين، قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩].
الفائدة الحادية عشرة: أهمية النية فالذي يغبط أهل العلم وأهل المال ولا يستطيع أن يفعل فعلهم قد يأجره الله تعالى على ذلك، وبين النبي ﷺ أنه محمود، فعن أَبي كَبْشَةَ الْأَنَّمَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ (^١).
الفائدة الثانية عشرة: من الفوائد أيضًا: أنَّ تبويب البخاري، وقول عمر ليس عامًّا، ولكنه باعتبار الغالب، فالسيادة تمنع العلم في كثير من الأحيان، وليس في كل الأحيان، فقد كان عبد الرزاق وأحمد والشافعي وغيرهم سادة، وما منعهم ذلك من التعلم، ولذلك قال البخاري: وقد تعلم أصحاب النبي ﷺ في كبر سنهم.
الفائدة الثالثة عشرة: فضيلة التعليم، فإنَّ الحكمة والعلم لا تغتبط إلا بالأثر، فالغبطة ليست بتعلم العلم فقط، بل وبتعليمه.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢٩/ ٥٦٢) ط الرسالة، والترمذي في جامعه (٤/ ١٤١) ط الغرب الإسلامي بإسناد حسن.
[ ٨٧ ]