فِي البَحْرِ إِلَى الخَضِرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]
قال البخاري ﵀: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى، الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لا، فَأَوْحَى اللَّهُ ﷿ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)، قَالَ: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ ﷿ فِي كِتَابِهِ» (^١).
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث والإخبار والعنعنة.
(٣) أنَّ فيه رواية صحابي عن صحابي.
(٤) أنَّ فيه رواية ثلاثة من التابعين يروي كل منهم عن الآخر.
(٥) فيه أربعة زُهريين وهم ابن غرير ويعقوب وأبوه وابن شهاب.
[ ٨٨ ]
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
المناسبة من عدة أوجه:
أولًا: أنَّ هذا الباب كالتطبيق العملي لما سبق، فقد كان في الباب السابق تفقهوا قبل أن تسودوا، والاغتباط في الحكمة والعلم، ثم جاء البخاري ﵀ بتطبيق عملي لسيد لم تمنعه السيادة من العلم وهو موسى ﵇.
ثانيًا: العلم مما يغتبط عليه، وهنا غبط موسى الخضر لما علم أنه عنده علم فتحمل المشقة والتعب لكي ينال هذا العلم.
ثالثًا: المغتبِط قد يكون من شأنه الاغتباط، فموسى يُغْتَبَط من أجل سيادته ونبوته وعلمه، ومع هذا فقد اغتبط هو الخضر، فليس المعنى أن من يُغتَبَط لا يَغتَبِط.
• ترجمة بعض الرواة:
(محمد بن غرير الزهري): هو الإمام محمد بن غرير بن الوليد الزهري المدني، اختلف في كنيته فقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، روى عنه البخاري خمسة أحاديث.
(يعقوب بن إبراهيم): هو الإمام أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشى الزهرى المدني، توفي سنة ٢٠٨ هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: جواز التماري والنقاش في مسائل العلم بشرط عدم الجدال والمشاحنة والبغضاء، فابن عباس تمارى هو والحر بن قيس في صاحب موسى.
[ ٨٩ ]
وقد ورد ذلك عن السلف والعلماء فقد كانوا يتناظرون ويتناقشون ويتمارون في مسائل دون الوصول إلى المشاحنة والبغضاء.
فَحِكَايَةُ أَبِي يُوسُفَ مَعَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ، لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ مِقْدَارِ الصَّاعِ وَالْمُدِّ، فَأَمَرَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يَأْتُوهُ بِصِيعَانِهِمْ حَتَّى اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا حَضَرَ أَبُو يُوسُفَ قَالَ مَالِكٌ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ: مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا الصَّاعُ؟
قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يُؤَدِّي بِهِ صَدَقَةَ الْفِطْرِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَقَالَ الْآخَرُ: حَدَّثَتْنِي أُمِّي عَنْ أُمِّهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَدِّي بِهِ - يَعْنِي صَدَقَةَ حَدِيقَتِهَا - إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَقَالَ الْآخَرُ نَحْوَ ذَلِكَ، وَقَالَ الْآخَرُ نَحْوَ ذَلِكَ.
فَقَالَ مَالِكٌ لِأَبِي يُوسُفَ: أَتَرَى هَؤُلَاءِ يَكْذِبُونَ؟
قَالَ: لَا، وَاَللَّهِ مَا يَكْذِبُ هَؤُلَاءِ.
قَالَ مَالِكٌ: فَأَنَا حَرَّرْت هَذَا بِرِطْلِكُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ فَوَجَدْته خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا.
فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لِمَالِكٍ: قَدْ رَجَعْت إلَى قَوْلِك يَا أَبَا عَبْدَ اللَّهِ، وَلَوْ رَأَى صَاحِبِي مَا رَأَيْت لَرَجَعَ كَمَا رَجَعْت (^١).
• وحدث ذلك بين الشافعي ومحمد بن الحسن في مسألة من الأعلم بالقياس هل هو مالك أم أبو حنيفة؟
فقال الشافعي لمحمد بن الحسن: بالإنصاف أم بالمكابرة؟
فقال: بل بالإنصاف.
_________________
(١) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (١/ ٢٢٣).
[ ٩٠ ]
فقال الشافعي: أنشدك الله أصاحبنا أعلم بكتاب الله أم صاحبكم؟
فقال: بل صاحبكم أي مالك.
قال الشافعي: أنشدك الله أصاحبنا أعلم بسنة النبي ﷺ أم صاحبكم؟
فقال: بل صاحبكم.
قال الشافعي: أنشدك الله أصاحبنا أعلم بآثار السلف أم صاحبكم؟
فقال: بل صاحبكم.
فقال الشافعي: من كان أعلم بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، وآثار السلف كان أعلم بالقياس (^١).
الفائدة الثانية: الرجوع إلى أهل العلم للترجيح عند الخلاف، فلما تمارى ابن عباس ﵄ مع الحر رجعا إلى أبي بن كعب ﵁ يسألانه عن ذلك.
الفائدة الثالثة: الأدب عند الجدال والمناظرة، ويظهر ذلك في قول ابن عباس لأبيٍّ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى، فعبر عنه بالصاحب.
وذلك لأن الأصل أنَّ المناقشة والمماراة في الحق تكون من أجل الوصول للحق، وليس من أجل الانتصار للنفس.
• قال الشافعي: ما ناظرت أحدًا قط على الغلبة إلا على الحق (^٢).
• وقال أيضًا: ما ناظرت أحدًا قط إلا أحببت أن يُوَفَّق ويُسَدَّد ويُعَان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ (^٣).
_________________
(١) مناقب الشافعي للبيهقي (١/ ١٨٤) ط دار التراث، حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني (٦/ ٣٢٩).
(٢) آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم ص ٦٨، سير أعلام النبلاء للذهبي (١٠/ ٢٩) ط الرسالة.
(٣) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم (٩/ ١١٨).
[ ٩١ ]
• وقال أيضًا: ما ناظرت أحدًا ولم أبال بيَّن الله الحق على لساني أو لسانه (^١).
الفائدة الرابعة: جواز حمل الظاهر على غير ظاهره إن وجدت قرائن على ذلك، فَفَهْمُ ابن عباس وحسن أدبه كان معروفًا جليًّا؛ لذا وجه العلماء مقالته حيث إنه دعا أبيًّا، قالوا "فدعاه" ليست على ظاهرها، ولكن المعنى أنه قام إليه وسأله، وذلك لما يعرف عن ابن عباس في باب الأدب الشيء الكثير، فقد كان ابن عباس إذا رأى أُبيًّا يسير على ناقة كان يمسك بخطامها، فيقال له أتفعل هذا برجل من الأنصار وأنت ابن عم رسول الله ﷺ، فيقول: إنه ينبغي للحبر أن يعظم ويشرف (^٢).
• وكان إذا رأى زيد بن ثابت يأخذ بناقته فيقال له: تفعل ذلك وأنت ابن عم رسول الله ﷺ فيقول: هكذا أمرنا أن نصنع بعلمائنا (^٣).
الفائدة الخامسة: حسن المسألة، فحسن المسألة نصف العلم كما سبق مرارًا، وذلك أنه لم يقل له ما تقول في كذا؟ بل قال هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟
فكأنه يسأله عن المسألة ودليلها.
الفائدة السادسة: استحباب نسبة العلم والفضل والخير لله تعالى والاعتراف بذلك من الشكر، فقد أوحى الله إلى موسى أنَّ هناك من هو أعلم منك لما سئل: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ " قَالَ مُوسَى: لا، فَأَوْحَى اللَّهُ ﷿ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، وإن كان الخضر ليس أعلم من موسى في كل شيء؛ ولكنه عنده علم ليس عند موسى.
_________________
(١) المصدر السابق. وقال أيضًا: وددت أنَّ الخلق يتعلمون هذا العلم ولا ينسب إلي منه شيء.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (١/ ١٨٨). الحبر - بالفتح -: هو العالم، وأيضًا يجوز قول الحِبر - بالكسر -.
(٣) المصدر السابق.
[ ٩٢ ]
الفائدة السابعة: بيان لمعنى العبودية وعظم فضلها، فقد كان النبي ﷺ يُذكَر بالعبودية في المقامات العالية، مثل ذكره عند الإسراء قال تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، وعند الوحي: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]، وعند نزول الكتاب ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وغير ذلك؛ لذلك قال بلى عبدنا خضر.
الفائدة الثامنة: الهمة في طلب العلم والإسراع وعدم التسويف، فسأل موسى ربه لقاء الخضر، والفاء تدل على الترتيب والتعقيب.
الفائدة التاسعة: التشويق في البحث عن العلم، فلم يخبر الله موسى بأنَّ الخضر في مكان كذا، ولكن جعل له آية وهي الحوت ليجعله الله تعالى مترقبًا لأحوال الحوت وطلب الخضر دائمًا.
الفائدة العاشرة: قوله (فتاه) والفتى بمعنى العبد أو الخادم، ولم يكن عبدًا لموسى؛ ولكن سماه الله عبدًا لأنه متتلمذ على يديه.
• يقول أبو بكر النحوي: إِذَا تَعَلَّمَ الْإِنْسَانُ مِنَ الْعَالِمِ، وَاسْتَفَادَ مِنْهُ الْفَوَائِدَ، فَهُوَ لَهُ عَبْدٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ [الكهف: ٦٠] وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَلَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ مُتَتلْمِذًا لَهُ، مُتَّبِعًا لَهُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ فَتَاهُ لِذَلِكَ (^١).
• قال شعبة: إذا سمعتُ الحديث من الرجل صرتُ له عبدًا ما حيي (^٢).
_________________
(١) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (٢/ ١٩٧) ط دار ابن الجوزي. أبو بكر النحوي = هو الإمام المقرئ النحوي المفسر أبو بكر محمد بن علي الادفوي، توفي سنة ٣٨٨ هـ.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١/ ١٩١)، وتذكرة السامع والمتكلم (ص ٩٩).
[ ٩٣ ]
الفائدة الحادية عشرة: لا بأس بخدمة المفضول للفاضل وخدمة المتعلم للمعلم، وليس هذا ثمنًا للعلم.
الفائدة الثانية عشرة: الدنيا لا تساوي شيئًا بجوار الدين والعلم؛ فموسى ﵇ طلب الطعام من غلامه، وكان ذلك بعد شدة ومشقة قال تعالى ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]، فلما علم أنه فقد الحوت نسي أنه كان جائعًا قال تعالى ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] أي مسرعين، فالتعب والنصب تبدل إلى نشاط وحيوية وإسراع.
الفائدة الثالثة عشرة: الرحلة لطلب العلم وتحمل المشاق؛ لأجل ذلك فإنَّ موسى رحل وتحمل المشاق من أجل أن يصل للخضر.
الفائدة الرابعة عشرة: التواضع في طلب العلم، فموسى مع مقامه ومكانته تواضع للخضر وتعلم منه.
الفائدة الخامسة عشرة: لا يحيط أحد بالعلم ولو كان نبيًّا مكلمًا.
الفائدة السادسة عشرة: عدم التكبر في طلب العلم، وأنَّ الأعلى والأكبر قد يطلب العلم من الأدنى، كما قال ابن عيينة: لا يكون الرجل من أهل الحديث حتى يأخذ عمن فوقه، وعمن هو دونه، وعمن هو مثله (^١).
الفائدة السابعة عشرة: الصبر لأجل العلم أمر لازم؛ ولذلك هو أول ما نبه الخضر إليه موسى قال: "إنك لن تستطيع معي صبرًا".
الفائدة الثامنة عشرة: مقام التعليم لا بد أن يلازمه شيء من الدأب والخضوع والمعاناة في الطلب.
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي للخطيب (٢/ ٢١٨). وكذلك رويت عن الإمام البخاري وقد رأينا تطبيقه له فروى عن مشايخه وعن أقرانه وعن تلاميذه.
[ ٩٤ ]
• قَالَ الخطيب البغدادي: إَنَّ فِيمَا عَانَاهُ مُوسَى مِنَ الدَّأَبِ وَالسَّفَرِ وَصَبَرَ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالْخُضُوعِ لِلْخضرِ بَعْدَ مُعَانَاةِ قَصْدِهِ مَعَ مَحِلِّ مُوسَى مِنَ اللَّهِ وَمَوْضِعِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ، وَشَرَفِ نُبُوَّتِهِ دَلَالَةٌ عَلَى ارْتِفَاعِ قَدْرِ الْعِلْمِ، وَعُلُوِّ مَنْزِلَةِ أَهْلِهِ، وَحُسْنِ التَّوَاضُعِ لِمَنْ يَلْتَمِسُ مِنْهُ وَيُؤْخَذُ عَنْهُ، وَلَوِ ارْتَفَعَ عَنِ التَّوَاضُعِ لِمَخْلُوقٍ أَحَدٌ بِارْتِفَاعِ دَرَجَةٍ، وَسُمُوِّ مَنْزِلَةٍ لَسَبَقَ إِلَى ذَلِكَ مُوسَى، فَلَمَّا أَظْهَرَ الْجَدَّ وَالِاجْتِهَادَ، وَالِانْزِعَاجَ عَنِ الْوَطَنِ وَالْحِرْصِ عَلى الِاسْتِفَادَةِ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِالْحَاجَةِ إِلَى أَنْ يَصِلَ مِنَ الْعِلْمِ إِلَى مَا هُوَ غَائِبٌ عَنْهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهَ لَيْسَ فِي الْخَلْقِ مَنْ يَعْلُو عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، وَلَا يَكْبُرُ عَنْهَا (^١).
الفائدة التاسعة عشرة: يعطى العبد من العلم على قدر صبره، فإنَّ موسى أخذ من العلم بقدر ما صبر.
الفائدة العشرون: وفيه أدب المتعلم مع المعلم، وهو أدب موسى مع الخضر.
الفائدة الحادية والعشرون: جواز تعنيف المعلم للمتعلم إن خالف أمره حتى وإن كان المتعلم فاضلًا.
الفائدة الثانية والعشرون: ينبغي الاعتذار عن الخطأ وخاصة من المتعلم للمعلم إن خالف أمره.
الفائدة الثالثة والعشرون: إنكار المنكر الظاهر، فقد أنكر موسى على الخضر القتل وإفساد الأموال.
الفائدة الرابعة والعشرون: قد يفعل المنكر لدفع منكر أعظم، وهو ما يسميه الأصوليون ب"تزاحم المحرمات"، ويسمى في القواعد الفقهية ب"تزاحم المفاسد".
_________________
(١) الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي (ص ١٠٢) ط دار الكتب العلمية.
[ ٩٥ ]
الفائدة الخامسة والعشرون: في قوله (أعلم منك) فيه دليل على مناسبة الحال فإنَّ الخضر ليس بأعلم من موسى في كل شيء، ولكن الله تعالى أطلق هذه العبارة حتى يصل بأنبيائه إلى الدرجات العلى؛ لأن موسى لما سئل قال: لا أحد أعلم مني، فكان ينبغي له أن ينسب الأمر لله تعالى.
الفائدة السادسة والعشرون: يجب على العالم ألا يكتفي بما عنده، بل إن وجد علمًا عند غيره رحل إليه، واستزاد منه.
الفائدة السابعة والعشرون: حمل الزاد وإعداده للسفر، وأنَّ الأخذ بالأسباب من الدين، وهو أيضًا من شريعة من قبلنا.
الفائدة الثامنة والعشرون: العمل بخبر الواحد الثقة فقد سأل ابن عباس أُبيًّا فقط، وأخذ منه الحديث.
الفائدة التاسعة والعشرون: جواز ركوب البحر في طلب العلم، وهذا ليس فيه إهلاك للنفس.
الفائدة الثلاثون: فضيلة المعلم وأنها تكون بفضل تلامذته، وفي هذا الحديث دليل على فضل الخضر حيث قدر الله له من تتلمذ على يديه وهو موسى ﵇.
الفائدة الحادية والثلاثون: مهما أوتي العبد من العلم لم يؤت إلا القليل.
الفائدة الثانية والثلاثون: العلم هو الهداية والرشاد قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦].
[ ٩٦ ]