قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ» (^١).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
في الباب السابق كان فيه غلبة ابن عباس للحر بن قيس في تماريهما لصاحب موسى لما رجع إلى أبي بن كعب ﵁، وأيد قول ابن عباس في قوله، وذاك من كثرة علمه وغزارة فهمه، فإنَّ الغلبة كثيرًا ما تدل على غزارة العلم والفهم.
وفي هذا الباب إشارة إلى سبب هذا العلم، وأنَّ هذا العلم الغزير والفهم والفضيلة كانت ببركة دعاء النبي ﷺ.
وأيضًا مناسبة أخرى، وهي أنَّ الباب السابق فيه استفادة المتعلم وهو موسى من المعلم وهو الخضر، وهنا استفاد ابن عباس من النبي ﷺ، ولكن في الأولى استفاد موسى من علم الخضر مباشرة، وأما هنا فقد استفاد ابن عباس من دعوة النبي ﷺ ففتح له أبواب العلم.
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
(٣) أنَّ رواته بصريون ما عدا ابن عباس وعكرمة وقد سكناها.
(٤) فيه رواية تابعي عن مثله.
[ ٩٧ ]
• تراجم بعض الرواة:
(أبو معمر): هو الإمام أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبى الحجاج واسمه ميسرة التميمى البصري المعروف بالمقعد، توفي سنة ٢٢٤ هـ.
(عبد الوارث): هو الإمام أبو عبيدة عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمى العنبرى البصري، قال عنه أبو عمر الجرمى النحوى: ما رأيت فقيهًا أفصح من عبد الوارث، توفي سنة ١٨٠ هـ.
(خالد): هو الإمام أبو المنازل خالد بن مهران الحذاء البصري، قال فهد بن حيان وكان رجلًا مهيبًا لا يجتراء عليه أحد. اختلف في وفاته، فقيل ١٤٢ هـ، وقيل غير ذلك.
(عكرمة): هو الإمام أبو عبد الله عكرمة القرشى الهاشمى المدني مولى عبد الله بن عباس قال له ابن عباس: انطلق فأفت الناس، وأنا لك عون. توفي ١٠٤ هـ، وقيل غير ذلك.
• من فوائد الباب:
الفائدة الأولى: فضل ملازمة أهل الفضل والصلاح وأنه به يكثر العطاء والمنن، فسبب هذه الدعوة أنَّ ابن عباس كان ملازمًا للنبي ﷺ من صغره فوفق الله له دعاء النبي.
الفائدة الثانية: أسباب نيل العلم، فالعلم قد ينال بسبب الدعاء فقال تعالى ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] سواء كان هذا الدعاء من المتعلم نفسه أو من غيره له.
الفائدة الثالثة: الحض على تعليم القرآن والدعاء لذلك لقوله ﷺ: اللهم علمه الكتاب؛ لأن القرآن هو أصل كل العلوم.
الفائدة الرابعة: جواز ضم الصغير بشرط أن يكون بغير شهوة لقول ابْنِ عَبَّاسٍ:
[ ٩٨ ]
(ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
الفائدة الخامسة: في الحديث دليل على منقبة لابن عباس وقربه من النبي ﷺ، ليس نسبًا فقط، ولكن تَعَلُّمًا وملازمة، ففتح الله له أبواب العلم من أجل ذلك، فنال بعد ذلك ابن عباس ألقابًا منها حبر الأمة، وبحرها، ورئيس المفسرين، وترجمان القرآن.
الفائدة السادسة: الحديث يدل على أهمية انتباه المتعلم، وأنه بمتابعته للمعلم قد يُجْلَب له كثير من الخيرات كما يقول ابن عباس: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى الْخَلَاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: «مَنْ وَضَعَ هَذَا؟» قيلَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «اللهُمَّ فَقِّهْهُ».
الفائدة السابعة: في الحديث فائدة ارتباط الأمور القدرية بالعطاء الشرعي، فالله ﷿ أعطى ابن عباس فهمًا وعلمًا وحكمة فارتبط ذلك بأمور قدرية وهي أنه كان موجودًا في وقت دخل فيه النبي ﷺ الخلاء، ووفق الله ابن عباس في وضع الماء للنبي ﷺ، ففاز بدعوته.
[ ٩٩ ]