قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ» (^١).
وقال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: «عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ» (^٢).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ دعوة النبي ﷺ في الباب السابق لابن عباس كانت له وهو غلام، والمذكور هنا حال الغلام عند السماع هل يؤخذ بسماعه وتحمله أم لا.
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد، وفيه العنعنة.
(٣) أنَّ رواته كلهم مدنيون.
(٤) فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
(٥) من لطائف هذا الإسناد:
(٦) أنَّ فيه التحديث بالجمع والإفراد.
(٧) أنَّ رواته إلى الزهري شاميون.
(٨) وهذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم.
[ ١٠٠ ]
كذلك القضية هنا وفي الباب السابق كانت لابن عباس، وفيهما دلالة على فهم ابن عباس وعلمه.
وفي الباب حديثان الأول لابن عباس والثاني لمحمود بن الربيع وهما يدلان على معنى واحد.
• ترجمة بعض الرواة:
(أبو مسهر): هو الإمام أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى الدمشقي، قال عنه ابن معين: ما رأيت منذ خرجت من بلادى أحدًا أشبه بالمشيخة الذين أدركتهم من أبى مسهر، توفي سنة ٢١٨ هـ.
(محمد بن حرب): هو الإمام أبو عبد الله محمد بن حرب، المعروف بالأبرش (كاتب الزبيدى)، قال عنه خشنام بن الصديق: كان من خيار الناس. توفي سنة ١٩٢ هـ، وقيل ١٩٤ هـ.
(الزبيدي): هو الإمام أبو الهذيل محمد بن الوليد بن عامر الزبيدى، وكان أعلم أهل الشام بالفتوى كما قال ابن سعد. اختلف في وفاته فقيل: سنة ١٤٦ هـ، وقيل سنة ١٤٧ هـ، وقيل سنة ١٤٩ هـ.
• من فوائد الحديث الأول:
الفائدة الأولى: جواز سماع الصغير وضبطه للسنن.
الفائدة الثانية: جواز شهادة الصبيان بعد أن يكبروا بشرط أن يكونوا قد علموه وميزوه في الصغر، كما ورد في حديث محمود بن الربيع، وقد ورد ذلك في رواية عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كُنْتُ يَوْمَ الأَحْزَابِ جُعِلْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي النِّسَاءِ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا أَنَا بِالزُّبَيْرِ عَلَى فَرَسِهِ يَخْتَلِفُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، فَلَمَّا رَجَعْتُ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ، رَأَيْتُكَ تَخْتَلِفُ؟ قَالَ: أَوَهَلْ رَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ يَأْتِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَيَأْتِينِي بِخَبَرِهِمْ، فَانْطَلَقْتُ، فَلَمَّا
[ ١٠١ ]
رَجَعْتُ، جَمَعَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَوَيْهِ، فَقَالَ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي (^١).
قيل: أنَّ عمره آنذاك ثلاث سنوات أو أربع لكنه كان مميزًا.
سؤال: لماذا لم يذكر البخاري ﵀ حادثة ابن الزبير؟
الجواب: قد استدرك بعضهم على البخاري ذلك حيث إنهم رأوا أنَّ هذه الحادثة أولى من حادثة ابن عباس وابن الربيع؛ ولكن أجيب عن ذلك فقيل:
أولًا: أنَّ البخاري أراد أن ينقل سننًا نبوية، لا ينقل أحوالًا وجودية.
فابن الزبير يحكي أمرًا حدث بينه وبين أبيه، بينما ابن عباس وابن الربيع ينقلان سنة.
ثانيًا: ذكر حديث محمود بن الربيع أولى، وإن كان أكبر من ابن الزبير لأنه تحدث به فضيلة لمحمود بن الربيع وهي الصحبة.
الفائدة الثالثة: يدل الباب على أهمية التعامل مع الأطفال وأنه ربما يكون الطفل مغمورًا بأحداث الصبا والصغر كما سبق، ولكنه قد يظهر نبوغه إن فتش فيه عن ذلك، فقد كان النبي يتفقد الصبيان الصغار في الغزوات ويردهم، وقد تعاهد ابن عباس، فكان يقول له "يا غلام احفظ الله يحفظك" (^٢).
• عن أحمد بن النضر الهلالي قال: سمعت أبى يقول: كنت في مجلس سفيان بن عيينة فنظر الى صبي دخل المسجد، فكأنَّ أهل المجلس تهاونوا به لصغر سنه، فقال سفيان: كذلك كنتم من قبل فمَنَّ الله عليكم، ثم قال: يا نضر لو رأيتني ولى عشر سنين، طولى خمسة أشبار، ووجهى كالدينار، وأنا كشعلة نار،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٥/ ٢١ ح ٣٧٢٠)، ومسلم في صحيحه (٤/ ١٨٧٩ ح ٢٤١٦).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٤٠٩ ح ٢٦٦٩) ط مؤسسة الرسالة، والترمذي في جامعه (٤/ ٢٤٨) ط الغرب الإسلامي.
[ ١٠٢ ]
ثيابي صغار، وأكمامى قصار، وذيلى بمقدار، ونعلى كآذان الفار، أختلف إلى علماء الأمصار مثل الزهرى وعمرو بن دينار، أجلس بينهم كالمسمار، محبرتى كالجوزة، ومقلمتي كالموزة، وقلمى كاللوزة، فإذا دخلت المجلس قالوا: أوسعوا للشيخ الصغير، قال: ثم تبسم ابن عيينة، وضحك (^١).
• وقد أورد الخطيب ﵀ من طريق أبي عاصم قال: ذهبت بابني إلى ابن جريج وهو ابن ثلاث سنين فحدثه (^٢).
الفائدة الرابعة: إن فعل الصحابي شيئًا بين يدي النبي ﷺ وسكت عنه النبي فهو حجة، فسكوت النبي ﷺ عن ترك ابن عباس الأتان يدل على جوازه، ولكن هذا يستلزم أن يكون النبي ﷺ رآه وسكت عنه؛ واعتُرِض بأنَّ ابن عباس أرسل الأتان بين يدي الصف ولم ير النبي ﷺ ذلك.
وأجاب بعضهم: بأنَّ الله رأى ذلك، ولو كان خطأ لأعلمه نبيه ﷺ، ونبهه عليه.
الفائدة الخامسة: جواز الركوب إلى صلاة الجماعة، فهذا لا يعارض السكينة والمشي لصلاة الجماعة.
الفائدة السادسة: فيه جواز الصلاة لغير سترة، قال ابن عباس ورسول الله يصلي إلى منى بغير جدار، وعند البزار قال: والنبي ﷺ يصلي المكتوبة ليس لشيء يستره (^٣)، فرواية البزار تنفي الجدار وغير الجدار.
ونَفْيُ ابن عباس للأمر يدل على أنه ليس معتادًا، فغالب حاله ﷺ أنه كان يصلي إلى سترة.
• وهذا يؤيد من قال بأنَّ السترة سنة وليست واجبة.
_________________
(١) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (١/ ٦١) ط المكتبة العلمية.
(٢) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (١/ ٦٤).
(٣) أخرجه البزار في مسنده (١١/ ٢٠١ ح ٤٩٥١) ط مكتبة العلوم والحكم.
[ ١٠٣ ]
الفائدة السابعة: وفيه جواز التحمل قبل البلوغ.
الفائدة الثامنة: استدل البعض بهذا الحديث على أنَّ المرأة لا تقطع الصلاة وهو مأخوذ من قوله حمار أتان، والأتان هي أنثى الحمار، فمن باب أولى أنَّ المرأة إذا مرت فهي لا تقطع الصلاة؛ لأنها لا شك أشرف من الأتان، وهذا قياس مع الفارق؛ لأن العلة في المرأة أنها ترتبط بها شهوة بخلاف أنثى الحمار.
الفائدة التاسعة: قوله "ناهزت الاحتلام" يدل على أنَّ عدم الإنكار للجواز، وإلا لو كان صغيرًا لكان عدم الإنكار لصغره، وهذا من فقهه ﵁.
الفائدة العاشرة: جواز تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة الخفيفة، فالمفسدة الخفيفة هنا هي المرور بين يدي الصف، وأما المصلحة فهي إدراك الصلاة.
الفائدة الحادية عشرة: عدم الإنكار دليل على الجواز أو الرضا.
• من فوائد الحديث الثاني:
الفائدة الأولى: الحديث أوضح في الباب من حديث ابن عباس في الدلالة على جواز سماع الصغير.
الفائدة الثانية: يدل على سن التحمل، وضابطه هو التمييز حيث قال "عقلت مجة".
الفائدة الثالثة: إباحة مج الماء في وجه الصغير وخاصة إذا كان ذلك من باب المداعبة، وليس من باب الإيذاء.
الفائدة الرابعة: دليل على تواضع النبي ﷺ، إن كان فعل ذلك مازحًا.
الفائدة الخامسة: دليل على رحمته بأمته إن كان المج يريد به البركة.
الفائدة السادسة: طهارة ريق المسلم، فإن قيل أنَّ هذا كان خاصًّا بالنبي ﷺ،
[ ١٠٤ ]
يجاب أن الأصل في الأحكام أنها عامة، فكل حكم للنبي ﷺ هو حكم للأمة ما لم يرد دليل بالتخصيص.
الفائدة السابعة: فيه أيضًا جواز إحضار الصبيان لمجالس الحديث والعلم.
الفائدة الثامنة: فيه دليل على زيارة الإمام لأصحابه في دورهم وملاعبة صبيانهم.
الفائدة التاسعة: تفقد الإمام للرعية واهتمامه بهم.
[ ١٠٥ ]