وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ.
قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَاضِي حِمْصَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَاوَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: " بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟
قَالَ مُوسَى: لا، فَأَوْحَى اللَّهُ ﷿ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، قَالَ مُوسَى: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ".
ذكر البخاري ﵀ حديث ابن عباس في أكثر من باب، وسبقت الفوائد منه.
[ ١٠٦ ]
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق:
والمناسبة أنَّ ابن عباس أقبل على رسول الله ﷺ، ودخل معه في الصلاة، وكأنه استحضر في ذلك معنى طلب العلم، فكأنه يتعلم من النبي ﷺ الصلاة.
وقد ذكر في هذا الباب أثر جابر وقد وصله البخاري ﵀ في الأدب المفرد، وأنه رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد، وهو أراد أن يذكر أنَّ هذا واقع حال لجابر ﵁ لكي يأخذ حديثًا واحدًا.
وثبت أيضًا أنَّ أبا أيوب ﵁ رحل إلى عقبة بن عامر الجهني من المدينة إلى مصر ليسأله عن حديث واحد، فقد أخرج عبد الرزاق عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ مَسْلَمَةَ بنِ مُخَلَّدٍ أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ نَجَّى مَكْرُوبًا، فَكَّ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ».
قَالَ ابْنُ جُرَيجٍ: وَرَكِبَ أَبو أَيُّوبَ إِلَى عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ بِمِصْرَ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ أَمْرٍ لَمْ يَبْقَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلا أَنَا وَأَنْتَ، كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: فِي سَتْرِ المُؤْمِنِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَتَرَ مُؤْمِنًا فِي الدُّنْيَا عَلَى عَوْرَةٍ، سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَرَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ وَمَا حَلَّ رَحْلَهُ».
• وهذا يدل على قيمة العلم حتى وإن كان علمًا قليلًا لكنه يركب إليه ويرحل له.
• وذكر البخاري حديث ابن عباس مع الحر بن قيس وذكر قصة موسى والشاهد فيها: أنَّ موسى ﵇ رحل إلى الخضر ليتعلم منه.
هذه فائدة الباب ومناسبته بما قبله، وقد ذكرنا باقي الفوائد المتعلقة بالحديث في الأبواب السابقة.
[ ١٠٧ ]
• تراجم بعض الرواة:
(أبو القاسم خالد بن خلي): هو الإمام أبو القاسم خالد بن خلى الكلاعى الحمصي.
(الأوزاعي): هو الإمام أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن أبى عمرو الأوزاعي، هو إمام أهل الشام في زمانه، قال عنه ابن مهدى: ما كان بالشام أحدٌ أعلم بالسنة من الأوزاعى توفي سنة ١٥٧ هـ.
[ ١٠٨ ]