قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» (^١).
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ المَاءَ، قَاعٌ يَعْلُوهُ المَاءُ. وَالصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ.
• وجه المناسبة بين الباب والباب الذي قبله:
الأبواب السابقة كانت في بيان حال العالم والمتعلم، وهذا الباب يذكر فضلهما، وفضل العلم والتعليم.
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
(٣) رواته كلهم كوفيون.
[ ١٠٩ ]
• تراجم بعض الرواة:
(محمد بن العلاء): هو الإمام أبو كريب محمد بن العلاء بن كريب الكوفي، قال عنه ابن نمير ما بالعراق أكثر حديثًا من أبى كريب الهمدانى، ولا أعرف بحديث بلدنا منه، توفي سنة ٢٤٧ هـ.
(حماد بن أسامة): هو الإمام أبو أسامة حماد بن أسامة بن زيد القرشي الكوفي قال عن نفسه: كتبت بأصبعى هاتين مئة ألف حديث، توفي سنة ٢٠١ هـ.
(بُريد بن عبد الله): هو الإمام أبو بردة بُريد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي.
(أبو بردة): هو الإمام أبو بردة بن أبى موسى الأشعرى، قيل اسمه عامر بن عبد الله بن قيس أو الحارث الكوفي، توفي سنة ١٠٤، وقيل غير ذلك.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: قسم بعض العلماء العلم إلى قسمين وقسمها آخرون إلى ثلاثة أقسام:
فالقسم الأول من القسمين هو محل انتفاع وهو ينقسم إلى قسمين:
أ) قسم ينتفع بنتائج مائه النازلة فيه وثمراته لا بعين الماء.
ب) قسم ينتفع منه بعين الماء.
فالأولى الأرض النقية التي طوت الماء وأنبتت الكلأ، والثانية هي الأرض الأجادب التي أمسكت الماء، فكلاهما نافع، لكنه لا ينتفع بأحدهما بعينه، ولكن ينتفع بالأثر الذي أخرجته، وأما الثانية فينتفع بعين الماء، فالذي ينتفع بالثمرة هؤلاء هم أهل الاجتهاد والعلم ينتفع الناس منهم بالثمرة، وهو ما استنبطوه من أحكام، وما ينتفع بمائه هم أهل الرواية نقلة الأحاديث، وسبق أنَّ النبي ﷺ قال: رب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه، فهذا حامل للماء فقط،
[ ١١٠ ]
ولكنه ينتفع به أيضًا.
الفائدة الثانية: الوحي يشبه الماء في التطهير، فالماء يطهر البدن، والوحي والعلم يطهران القلوب والنفوس، ولذلك شبه النبي ﷺ الهدى والعلم بالغيث.
الفائدة الثالثة: تشبيه الوحي بالماء في كمال التنظيف فكما أنَّ الماء يطهر من الخبائث ونحوها، كذلك الوحي فإنه يطهر القلب من الذنوب والمعاصي.
الفائدة الرابعة: من الأمور التي يشبه الوحي الماء فيها أنَّ كلًّا منهما نازل من العلو.
الفائدة الخامسة: الوحي والعلم عطاء وإيتاء لا يؤتاه كل الناس، وكذلك المطر قد يفضل الله تعالى أناسًا عن أناس، وفي الحديث "اسق حديقة فلان".
الفائدة السادسة: استحباب ضرب الأمثلة، وأنها وسيلة من وسائل التعليم.
الفائدة السابعة: قبول الهدي متوقف على نقاء القلوب وصفائها قال ﷺ (كان منها نقية قبلت الماء)، فلما قبلت الماء أتم الماء نظافتها وطهارتها.
الفائدة الثامنة: بعض القلوب متهيئة للعلم، لكن ليس لها رسوخ فيه، فهي تأخذه وتقبله، ولكنها تمسكه حتى يأتي متعطش ويروى منها ويأخذ منها هذا العلم ويستنبط منها الأحكام.
الفائدة التاسعة: شبه النبي ﷺ العلم بالغيث والغيث هو المطر، وللمطر أسماء متعددة؛ ولكن اختار النبي ﷺ اسم الغيث حيث إنَّ العلم غيث للناس من الجهل والضلال كما أنَّ المطر غيث للناس من الظمأ والعطش والهلاك.
الفائدة العاشرة: العلم يشبه الغيث في أنَّ الغيث يسمى غيثا إذا أتى والناس محتاجون إليه، فكأن الله أغاث الناس بالوحي والعلم، وقد دعا النبي ﷺ في الاستسقاء فقال: اللهم أغثنا ثلاثًا، كذلك العلم فإنه يأتي إغاثة للناس من ظلمات
[ ١١١ ]
الجهل والضلال حيث إنَّ الإنسان الأصل فيه الجهل قال تعالى ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] فهو إغاثة للناس في كل وقت.
الفائدة الحادية عشرة: العلم حياة عامة كالمطر فكما أنَّ المطر يحيي الله به البلاد، فكذلك العلم يحيي الله به القلوب.
الفائدة الثانية عشرة: قبول الحق والعمل به عزة للناس ورفعة للرأس قال النبي ﷺ "، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا "، فاعتبر النبي ﷺ من فقه في الدين كأن الله تعالى أعزه ورفع رأسه بخلاف الآخر.
الفائدة الثالثة عشرة: الأخذ بالعلم والانتفاع به مراتب وليس كل الناس على درجة واحدة فيه، فمنهم من يحتفظ به لغيره، ومنهم من يستخرج منه ويستنبط لينتفع الناس به، ثم إنَّ من يستخرج ويستنبط يختلف أيضًا، فعلى قدر أخذه للماء أي للعلم يكون إخراج الأثر والانتفاع به.
الفائدة الرابعة عشرة: فائدة العلم بالعمل وعلى قدر أخذ العلم على قدر نضوج ثمرته أي: أنه من نتائج العلم العمل.
وهذا مستفاد من قوله (فأنبتت الكلأ والعشب الكثير) فإنها لما أخذت الماء الكثير أنبتت العشب والكلأ الكثير، وكذلك كلما استفاد الإنسان من العلم استفاد من الفهم والأثر والنتائج.
[ ١١٢ ]