قال البخاري ﵀: وقَالَ رَبِيعَةُ: «لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ».
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنه بالضد تتميز الأشياء، فالأبواب السابقة كانت في العلم وفضله وفضل التعليم، ثم جاء هنا بالضد لكي يتميز فضل العلم ويظهر، وفيه التحذير من الجهل وذمه.
قوله (وقَالَ رَبِيعَةُ) هو ابن أبي عبد الرحمن فروخ شيخ مالك رحمهما الله تعالى، والمتوفى سنة ١٣٦ هـ، وهو فقيه مدني، وكان معروفًا بالرأي لكثرة استخدامه للاجتهاد، ولذلك كانوا يقولون ربيعة الرأي.
• ليس في رواة الكتب الستة من اسمه ربيعة بن أبي عبد الرحمن ولا ابن فروخ سواه.
• من فوائد الأثر:
في قول ربيعة «لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ» يُحمل على أمور منها:
أولًا: إن كان للإنسان فهم فلا ينشغل بأمور الدنيا فيضيع نفسه؛ لأن ترك سبيل الآخرة من أجل الدنيا ضياع، وذلك هو سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] حيث إنًّ بعض الأنصار أرادوا أن يتركوا الجهاد وينشغلوا
[ ١١٣ ]
بأموالهم فنزلت الآية.
ثانيًا: المراد الحث على نشر العلم في أهله لئلا يموت العالم قبل ذلك فيؤدي إلى رفع العلم، فيكون العالم قد ضيع نفسه بتضييعه للعلم، فلابد من نشر العلم بين أهله قبل أن يموت العالم فيرفع العلم بموته.
ثالثًا: لابد للعالم أن يشهر نفسه حتى يتصدى للأخذ عنه لئلا يضيع علمه، فليس هذا من باب الرياء ولا طلب الشهرة، فقد يوجد علماء ولا يعرفهم الناس، فلا مانع من أن يظهر العالم نفسه ويبين للناس أنه من أهل العلم حتى يأخذ الناس عنه، فهو بذلك يمنع انتشار الجهل ورفع العلم.
رابعًا: توقير العلم وتعظيمه، فعلى الإنسان أن لا يهين نفسه بأن يجعل هذا العلم عرضا للدنيا، فيضيع العلم بسبب ذلك.
قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا» (^١).
• تراجم بعض الرواة:
(عمران بن ميسرة): هو الإمام أبو الحسن عمران بن ميسرة المنقرى البصري، توفي سنة ٢٢٣ هـ.
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
(٣) أنَّ رواته كلهم بصريون.
(٤) أنه من رباعيات المصنف.
[ ١١٤ ]
• من فوائد الحديث:
الفائدة الأولى: رفع العلم يكون بموت أهل العلم.
الفائدة الثانية: ظهور الجهل قرين رفع العلم، وهذه مسألة عامة، فإذا رفع العلم ظهر الجهل.
الفائدة الثالثة: العلم حماية من ظهور أئمة الجهل والضلال وإضلال الأمة؛ لأن هذا مترتب على ما قبله.
الفائدة الرابعة: بقاء العلم بقاء للدنيا، فإذا ارتفع العلم قامت الساعة قال النبي ﷺ (إنَّ من أشراط الساعة ).
الفائدة الخامسة: غياب العلم يكون سببًا في انتشار الكبائر والمحرمات كشرب الخمر وظهور الزنا؛ لذا قرن النبي ﷺ بينهما.
قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ» (^١).
• قول أنس ﵁: (لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي) لأنه آخر من مات بالبصرة من الصحابة، أو ربما أنه يقصد الصحابة عامة سواء في البصرة أو في غيرها؛ لأنه يعلم أن لا أحد من الصحابة يعلم هذا الحديث غيره؛ لأنه حدَّث به في
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
(٣) أنَّ رواته كلهم بصريون.
[ ١١٥ ]
آخر حياته وقبل موته.
• من فوائد الحديث:
الفائدة الأولى: المانع من الفتن هو إظهار العلم، فإذا رفع العلم كثرت الفتن، وترتب على ذلك موت الرجال وقلتهم.
الفائدة الثانية: رفع العلم يؤدي إلى الإخلال بضرورات الدين وأنها مرتبطة مع بعضها البعض، والضرورات الخمس هي حفظ الدين والعقل والعرض والمال والنفس، فذكر النبي ﷺ هذه الضرورات الخمس وعلى رأسها الدين فالدين يحدث الخلل فيه بسبب رفع العلم، والعقل يخل به شرب الخمر، والعرض يخل به الزنا، والنفس والمال كثرة الفتن تخل بهما، ففيه إشارة إلى أنَّ الضرورات الخمسة تختل في آخر الزمان، وكل ذلك بسبب اختلال العلم اولًا ورفعه.
الفائدة الثالثة: فيه إيذانٌ بأنَّ اختلال الضرورات الخمسة يؤذن بخراب العالم وقيام الساعة.
الفائدة الرابعة: الناس لا يُتركون سدىً ولا هملًا، فإذا حاد الناس عن الطريق أتاهم العقاب والنهايات وقامت الساعة قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦].
[ ١١٦ ]