قال الإمام البخاري ﵀: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ» قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «العِلْمَ» (^١)
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ في كلٍّ صفةً من صفات العلم، ففي السابق رفعه، وفي هذا فضله، ومعني الفضل هنا قيل هو الفضيلة، وقيل بمعني الزيادة أي: ما فضل عنه ﷺ، لقوله ﷺ «ثم أعطيت فضلي عمر»، والفضل الذي تقدم في أول الكتاب هو بمعني الفضيلة فلا تكرار إذًا.
• تراجم بعض الرواة:
(عقيل): هو الإمام أبو خالد عقيل بن خالد بن عقيل الأيلى الأموي، توفي سنة ١٤٤ هـ، وقيل غير ذلك.
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والسماع.
(٣) أنَّ فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
(٤) أنَّ رواته مابين مصري ومدني.
[ ١١٧ ]
(حمزة بن عبد الله بن عمر): هو الإمام أبو عمارة حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشى المدني، وهو من فقهاء المدينة.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: أهمية الرؤى، وأنَّ الرؤى جزء من ست وأربعين جزءًا من النبوة لذلك كان النبي ﷺ يرعيها اهتمامه.
والرؤى لها ضوابط شرعية منها:
أولًا: أنها وحي، ومعني أنها وحي أي لا يجوز الإستهزاء بها، ولا يجوز الفتوى فيها بغير علم؛ لذلك سأل الصحابة النبي ﷺ فما أولته يا رسول الله؟
ثانيًا: لابد من إثبات أنها رؤيا فلا تكون من الشيطان، أو حديث نفس، وهذا يعلمه أهل الفن والخبرة.
ثالثًا: لا تُقَصُّ إلا علي عالم أو ناصح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح " (^١).
رابعًا: لا يؤخذ منها أحكام، بل هي بشارات أو نذارات للعبد.
الفائدة الثانية: وفيه أيضًا أنَّ النبي ﷺ يصور للصحابة الأمر؛ لأن هذا أدعي للفهم؛ لذلك استعمل النبي ﷺ المضارع فقال " يخرج من أظفاري ".
الفائدة الثالثة: كذلك فيه عظم ما أعطي الله تعالى نبيه من العلم مع قوله ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، فإنَّ النبي ﷺ أُعطي من العلم كما أُعطي الإنسان الذي يشرب اللبن ويملأ جوفه وأعضاءه حتي يصل إلي أظفاره.
الفائدة الرابعة: فيه فضيلة لعمر ﵁ وبيان لسعة علمه، وهذا من جهة أنه أخذ فضل النبي ﷺ في العلم، وهذا يدل علي أنَّ هذا العلم هو علم الشرع، وأنَّ عمر
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه (٢٢٨٠)، وصححه الألباني.
[ ١١٨ ]
أُعْطِى علمًا عظيمًا.
الفائدة الخامسة: فيه بيان فضيلة العلم إذ هو فضل الأنبياء ومايتبقى منهم للأمة، وهو يدل أنَّ «العلماء ورثة الأنبياء، فإنَّ الأنبياء لم يورثوا دهمًا ولا دينارًا إنما ورثوا العلم» (^١).
الفائدة السادسة: فيه دليل علي أنَّ العلم يشبه اللبن، والعلم يشبه اللبن في أمور كثيرة:
أولًا: أنَّ اللبن تقوم به حياة الأبدان، والعلم تقوم به حياة القلوب لذلك أوَّل النبي ﷺ العلم باللبن.
ثانيًا: اللبن خُلق من بين فرث ودم واستُخلِص من بينهما، وكذلك العلم فإنه يخلص المعرفة من بين الشك والجهل، ويبعد الإنسان عن الشبهات والظلمات، فاللبن سبب معاش الانسان وقوة بدنه، وكذلك العلم سبب لصلاح دنياه وآخرته، وهو حياة الروح.
ثالثًا: اللبن يدل علي الخير كله؛ لأنه يدل علي الحمل، ويدل علي الإنجاب، ويدل علي ظهور الأسرار والخفايا، ويدل أيضا علي العطاء، كذلك قد يكون اللبن دواءً كما في الإبل، وقد يكون غذاءً كما في البقر، كل ذلك أيضا يوجد في العلم، فالعلم هو خير، وإنجاب للروح؛ لأن الولادة كما سبق نوعان:
• ولادة يخرج بها العبد من بطن أمه.
• وولادة الروح والقلب من مشيمة الظلمة والضلالات، وهذه الولادة تتم عن طريق العلم.
وكذلك العلم فيه إظهار الأسرار والخفايا التي يمن الله ﵎ بها علي
_________________
(١) أخرجه الترمذي في جامعه (٤/ ٣٤٦) ط دار الغرب الإسلامي، وابن ماجه في سننه (١/ ١٥١) ط الرسالة، والحديث حسن لغيره.
[ ١١٩ ]
من يشاء من عباده.
وكذلك العلم هو دواء للقلوب من الفتن والجهل.
وأيضًا هو يشبه اللبن في أنه غذاء للروح من الجهل والوحشة.
وهو دليل أيضًا علي منة الله وعطائه.
رابعًا: اللبن يدل على الإنجاب الذي هو امتداد لصاحبه بإنتاج نسله، وكذلك العلم فهو امتداد لصاحبه في حياته وبعد مماته بالعلم النافع للناس من بعده.
خامسًا: وكذلك فإنه ليس شيء من الغذاء يجزئ إلا اللبن، كذلك العلم إذا أخذه الإنسان من محله ومن أهل العلم، وتجنب الآفات فإنه يكون فيه الخير كله.
وغير ذلك من أوجه الشبه بين العلم واللبن لذا أول النبي ﷺ اللبن بالعلم.
الفائدة السابعة: أنَّ العلم النافع الذي يسري في جوارح العبد ويظهر فيها، وهذا يدل علي أنَّ الإيمان قول وعمل، وأنَّ العلم أثره ونتائجه العمل، ولذلك شرب النبي ﷺ اللبن ثم انتشر في أعضائه حتي رآه في أظفاره.
الفائدة الثامنة: أنَّ المراد بالعلم هنا علم الدين لأنه فضل الأنبياء وميراثهم.
الفائدة التاسعة: فيه أيضًا جواز اختبار المعلم لتلامذته ففي رواية أخرى قال لهم النبي ﷺ أولوها قالوا: يا نبي الله هذا علم أعطاكه الله فملأك منه ففضلت منه فضلة فأعطيتها عمر، قال: أصبتم (^١)، قال الحافظ ﵀ ويُجمع بينهما بأن هذا وقع أولًا، ثم احتُمل عندهم أن يكون في تأويلها زيادة علي ذلك، فقالوا يا رسول الله: فما أولتَها؟ - أي فما أولتَها أنت؟ - فقال إنما أولتُه بكذا وكذا بما يوافق قولهم وتأويلهم.
_________________
(١) فضائل الصحابة للإمام أحمد (١/ ٢٥٣) ط مؤسسة الرسالة، صحيح ابن حبان (١٥/ ٢٦٩) مؤسسة الرسالة.
[ ١٢٠ ]