قال الإمام البخاري ﵀ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: «اذْبَحْ وَلا حَرَجَ»، فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلا حَرَجَ»، فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» (^١).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ السابق عن العلم وفضله، وهذا عن الفتيا، والفتيا من العلم.
• تراجم بعض الرواة:
(عيسى بن طلحة بن عبيد الله): هو الإمام أبو محمد عيسى بن طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي، وهو من الحكماء العقلاء، وكان صديقًا لعروة بن الزبير، توفي ﵀ سنة ١٠٠ هـ.
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة.
(٣) أنَّ رواته كلهم مدنيون.
(٤) أنَّ فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
[ ١٢١ ]
• في الحديث فوائد منها:
الفائدة الأولى: رفق المعلم بالمتعلم وإن كان له حاجة وقف له، وأقبل عليه لتلقي الأسئلة والجواب عنها، وما أعظم حاجات الناس فى الدين والعبادات؛ لذلك لما كان النبى ﷺ فى حجة الوداع علم أنَّ الناس يحتاجون السؤال عن أمور حجهم، والأخذ عن الله وعن رسوله ﷺ وقف ﷺ للجواب عن أسئلتهم.
الفائدة الثانية: فيه أيضًا دلالة على يسر الشريعة ورفع الحرج؛ لذلك ما سُئل النبى ﷺ عن شاء قدم ولا أخر فى هذا اليوم إلا قال افعل ولا حرج.
الفائدة الثالثة: أنَّ الأمر فى قوله «افعل ولا حرج» للجواز لأن هذا أمرٌ لما يتوهم حظره، والقاعدة الأصولية تقول " إذا كان الأمر جوابًا لما يتوهم حظره فلا يكون للوجوب " بل يكون للإباحة، وتوهم الوجوب لأن النبى ﷺ قال " خذوا عنى مناسككم "، والقاعدة الأصولية تقول " الفعل إذا خرج مخرج الامتثال والتفسير لقول سابق له حكمه " وهذا أمر، والأمر يقتضى الوجوب لكن هذا الأمر لما خالفه بعض الصحابة بمخالفة الترتيب الذى رتبه النبى ﷺ سألوا النبى ﷺ فأجابهم بقوله " افعل " فيكون الأمر للإباحة؛ لأن هذا الجواب لما يتوهم حظره.
الفائدة الرابعة: يدل على أنه لا كفارة على فاعل ذلك ولا إثم، وذلك لقوله «افعل ولا حرج»، فرفع الحرج يقتضى رفع الإثم، ويقتضى أيضًا عدم الكفارة.
الفائدة الخامسة: أنه يجوز سؤال العالم راكبًا وماشيًا، ويستفاد منه جواز سؤال العالم وهو مشغول لأن النبى ﷺ كان بحجة الوداع وهى فيها من الشغل فى أعمال الحج والدعاء والتسبيح وما إلى ذلك، والجمع بين هذه الأدلة والأدلة التي تنهى عن القضاء والفتوى عند انشغال الفكر: أنَّ لا يكون الشغل شغلًا كثيرًا يؤثر في الفتوى لذلك قال ﷺ «لا يقضى القاضى وهو غضبان» لأن الغضب يشغله، وقيس
[ ١٢٢ ]
عليه أنه لا يقضى وهو حاقن، ولا يقضى وهو جوعان، وغير ذلك من الأمور، وأيضًا لا يقضى وهو مشغول، لكن الشغل الذي يؤثر فى الفتوى والقضاء.
الفائدة السادسة: أيضًا من الفوائد أنَّ النبى ﷺ أخذ حكم المجاورة فقوله وهو واقف على الدابة، وهذا يعنى أنَّ الدابة كانت واقفة والنبى ﷺ كان جالسًا عليها، وأخذ النبى ﷺ حكم القيام بمجاورته القائم وهى الدابة.
[ ١٢٣ ]