عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الإِيمَانَ وَالعِلْمَ، وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ.
وقَالَ مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ».
قال البخاري: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَنِ الوَفْدُ أَوْ مَنِ القَوْمُ؟» قَالُوا: رَبِيعَةُ، فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِالقَوْمِ أَوْ بِالوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى» قَالُوا: إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ ﷿ وَحْدَهُ، قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ المَغْنَمِ» وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالحَنْتَمِ وَالمُزَفَّتِ " قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا قَالَ: «النَّقِيرِ» وَرُبَّمَا قَالَ: «المُقَيَّرِ» قَالَ: «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ».
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ الباب السابق: بَابُ مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْسِ، فالباب عبارة عن سؤال وجواب وهما لا يخلوان غالبًا من التحريض لأنهما تعليم وتعلُّم، فبعد أن ذكر باب الفتيا والسؤال والجواب والتعلم ذكر باب التحريض؛ حيث إنَّ العلم والتعلم يحتاج إلى تحريض.
[ ١٢٨ ]
• تراجم بعض الرواة:
(غندر): هو الإمام أبو عبد الله محمد بن جعفر الهذلي البصري ولقبه غندر، وهو أثبت الناس في شعبة، اختلف في وفاته فقيل: ٢٩٣ هـ، وقيل: ٢٩٤ هـ.
(أبو جمرة): هو الإمام أبو جمرة نصر بن عمران بن عصام الضبعي البصري، قال عنه ابن عبد البر: أجمعوا على ثقته. توفي سنة ١٢٨ هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: فيه أنَّ أعمال الإسلام تُسَمَّى إيمانًا، فقال النبي ﷺ لهم: هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ ثم ذكر لهم بعض الأعمال، وهذا يدل على أنَّ العمل من الإيمان.
الفائدة الثانية: وفيه أيضًا من الفوائد الترحيب بالوفود التي أقبلت لطلب العلم، فقال النبي ﷺ: مرحبًا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى.
الفائدة الثالثة: فيه استحباب اختيار من يلقى الأكابر والعظماء؛ لأن الوفد هم الجماعة المختارة للتقدم ليلقوا العظماء، فهم اختاروا وفدًا من عظمائهم ليلقى النبي ﷺ، أيضًا هذا الوفد كانوا كما جاء في الروايات أربعة عشر، وكان قائدهم الأشجّ ﵁، وهو الذي قال له النبي ﷺ: إنَّ فيك خصلتين يحبها الله وهما الحلم والأناة (^١)، فهذا دليل على أنهم اختاروا العظماء من قومهم وأرسلوهم كوفد، واختاروا أفضلهم وأحلمهم قائدًا وهو الأشجُّ ﵁.
الفائدة الرابعة: قول النبي ﷺ: مَنِ القوم؟ فيه دليل على استحباب سؤال القاصد أو الذي يأتي للتعلم عن نفسه، والسبب في ذلك ليعرف منزلته فينزله منزلته.
الفائدة الخامسة: فيه جواز التعبير بالكل عن البعض فإنهم قالوا ربيعة، وهم
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٤٨ ح ١٧).
[ ١٢٩ ]
ليسوا كل ربيعة.
الفائدة السادسة: فيه دليل على استحباب تأنيس القادم وكان هذا هو فعل النبي ﷺ في الترحيب بهم وتأنيسهم ليهدأ روعهم ويطمئنوا لذلك، وهذا أدعى للتعلم وأخذ ما جاءوا له.
الفائدة السابعة: فيه فضل من يُسلم طواعية ويُمدَح لذلك؛ لذلك قال النبي ﷺ: غير خزايا ولا ندامى، غير خزايا يعني أسلموا طوعًا من غير حرب أو سبي يخزيهم ويفضحهم.
الفائدة الثامنة: أيضًا فيه التبشير لمن عمل الصالحات، فقال النبي ﷺ: ولا ندامى؛ لأنكم لن تندموا على إسلامكم ولا على ما فعلتم من الصالحات، بل إنَّ عليكم أن تستبشروا بذلك وتنتظروا العاقبة الخير إن شاء الله تعالى.
الفائدة التاسعة: أيضًا فيه دليل على جواز الثناء على العبد أمام نفسه إن أُمِنَت الفتنة، أو كانت هناك مصلحة راجحة، وهذا يجمع بين أحاديث النهي والفعل الوارد في ذلك.
الفائدة العاشرة: أيضًا في قولهم: يا رسول الله دليل على أنهم كانوا مسلمين قبل أن يأتوا إليه.
الفائدة الحادية عشرة: قولهم شقة بعيدة، والشقة البعيدة دليل المشقة، وهو دليل على أنهم تحملوا المتاعب والمشقة للتعلم، ولجلب الخير لأنفسهم ولأهليهم.
الفائدة الثانية عشرة: أيضًا فيه دليل على أنَّ الغُنْمَ بالغُرْمِ والأجر على قدر النصب، فإنَّ أول جمعة جُمِعَت مع مسجد النبي ﷺ هي مسجد عبد القيس كما قال ابن عباس ﵁ (^١)، وأصبحوا يُذكَرون بذلك، فهذه مكافأة من الله تعالى لأنهم
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٢/ ٥) ط طوق النجاة.
[ ١٣٠ ]
أسلموا طواعية، ولأنهم بادروا بالإسلام وأتوا إلى النبي ﷺ من شقة بعيدة ليتعلموا فكافأهم الله ﵎ أن يكون مسجدهم أول مسجد تُقام فيه الجمعة بعد مسجد النبي ﷺ.
الفائدة الثالثة عشرة: فيه أيضًا دليل على أنَّ حسن المسألة نصف العلم، والمراد هنا العدل والقصد والبيان فكان سؤالهم سؤالًا مختصرًا واضحًا بينًا.
الفائدة الرابعة عشرة: فيه أيضًا دليل على أنَّ الأعمال الصالحة تُدخل الجنة إذا قُبِلَت؛ لذلك طلبوا من النبي ﷺ أعمالًا يتعلمونها، ويعلمونها قومهم، ويدخلون بها الجنة، فدلهم على أركان الإسلام والأعمال الصالحة.
الفائدة الخامسة عشرة: أيضًا فيه دليل على أهمية الصلاة، وأنها أول الأوامر وأهم الأوامر، وربما ذكر النبي ﷺ هنا الشهادتين للتبرك بهما؛ ولأنهما أول أركان الإسلام مع أنَّ القوم كانوا مسلمين.
الفائدة السادسة عشرة: فيه أيضًا التشويق وتَشَوُّف النفس، فذِكْرُ العدد قبل التفسير يجعل في النفس شوقًا للبيان الذي يأتي بعد ذلك، وهذا من حسن بيان النبي ﷺ.
الفائدة السابعة عشرة: فيه أيضًا جواز إطلاق المحل وإرادة الحال في قوله: الحنتم، والحنتم هي الجرّة، والمراد ما يُنبَذ في الحنتم، وكذلك الأمور الأخرى.
الفائدة الثامنة عشرة: فيه أيضًا دليل لباب سد الذرائع، فالنهي عن هذه الأشياء ليس لذاتها، بل لأن الإسكار يُسرع إليها، وإن كان النبي ﷺ أذن بعد ذلك فيها، ونهى عن كل مسكر.
الفائدة التاسعة عشرة: فيه دليل على قبول خبر الواحد؛ لذلك أمرهم النبي ﷺ أن يخبروا بهن من وراءهم.
[ ١٣١ ]