قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، فَقَالَ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: لا أَدْرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: «لا»، فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ (^١).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
الباب السابق هو باب الرحلة فى المسألة النازلة وتعليم أهله، وهنا باب التناوب فى العلم، والمناسبة هى الحرص على العلم واتخاذ الوسائل للتعلم، ففي
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث والإخبار والعنعنة.
(٣) أنَّ فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
(٤) أنَّ فيه رواية صحابي عن صحابي مثله.
(٥) فيه (ح) تحويل الإسناد.
[ ١٣٤ ]
الباب السابق رحل عقبة فى العلم، وفى هذا الباب كان عمر ﵁ مع الأنصارى يتناوبان فى العلم، كل ذلك لتحصيل العلم، وتحمل مشاقه، والبحث عن طرق التعلم، فإن كان طريق التعلم بالرحلة يرحل، أو بالتناوب يتناوب، وهكذا.
• تراجم بعض الرواة:
(أبو اليمان): هو الإمام أبو اليمان الحكم بن نافع البهرانى الحمصي، أثنى عليه الأئمة، توفي سنة ٢٢٢ هـ.
(شعيب): هو الإمام أبو بشر شعيب بن أبى حمزة واسمه دينار الحمصي، كان من كبار الناس، توفي سنة ١٦٢ هـ، أو بعدها.
(يونس): هو الإمام أبو يزيد يونس بن يزيد بن أبى النجاد، قال عنه الإمام أحمد بن صالح المصري: نحن لا نقدم فى الزهرى على يونس أحدًا، توفي سنة ١٥٩ هـ.
• وفي الحديث فوائد منها:
الفائدة الأولى: الحرص على طلب العلم بدليل التناوب، فهو يتعلم يومًا بنفسه ويومًا بواسطة.
الفائدة الثانية: أنَّ الصحابة كانوا يقولون قال رسول الله ﷺ ويخبر بعضهم عن بعض، وهذا مشهور عن الصحابة؛ لأنهم كانوا لا يكذب بعضهم بعضًا، فكان عمر ﵁ من الممكن أن يقول قال رسول الله ﷺ وهو لم يسمعه من النبي ﷺ مباشرةً، وإنما سمعه من الأنصارى الذى بلغه عن النبي ﷺ، وهذا دليل على انتشار الصدق والأمانة والدين فى هذا الزمان.
[ ١٣٥ ]
الفائدة الثالثة: الحديث فيه روايات أخرى تبين سبب الفزع الذى أصاب عمر لما قال " فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ "، وسبب هذا الفزع أنهم كانوا يسمعون أنَّ بنى الأصفر وهم الروم، يجمعون للإتيان إلى المدينة، فلما رأى طرق الباب وصاحبه الأنصاري يسأل عنه، ففزع عمر ﵁ وظن أنَّ الروم قد أتوا إلى المدينة.
الفائدة الرابعة: جواز ضرب الباب، وضرب الباب يعنى الطرق بشدة، وإن كان هذا على خلاف الأصل، لكنه قد يكون هناك داعٍ إلى ذلك، وأنه يدل على أنَّ هناك أمرًا عظيمًا، وهذا هو السبب الذى جعل عمر يفزع.
الفائدة الخامسة: جواز دخول الأب على ابنته دون إذن الزوج، فقد أتى عمر ﵁ ودخل على حفصة وكان النبي ﷺ غائبًا، وهذا من الأمور التى يتسامح فيها الشرع.
الفائدة السادسة: الحديث فيه دليل على أنَّ على الأب التفتيش والبحث عن حال ابنته ومراعاة أحوالها، لذلك فزع عمر لما علم باعتزال النبي ﷺ، وخشى أن يكون النبي ﷺ طلق النساء، وهذا أمرٌ عظيم على المسلمين، وأمرٌ عظيم على عمر أيضًا؛ لأن حفصة ابنته زوجة للنبي ﷺ، لذلك دخل على ابنته وسألها: هل طلقكن رسول الله ﷺ.
الفائدة السابعة: جواز السؤال قائمًا لذلك قال عمر ﵁: فقلت وأنا قائم أَطَلَّقْتَ نساءك، والسؤال وهو قائم لا يخالف الأدب، لكن الحال يستدعى ذلك، فكأنَّ عمر ﵁ كان متعجلًا لعظم المصيبة.
الفائدة الثامنة: استحباب التناوب فى طلب العلم، فيجوز للإنسان أن ينيب غيره ويأخذ منه العلم، بل يصبح ذلك أحيانًا واجبًا إن لم يتم العلم إلا به، من باب: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
[ ١٣٦ ]
الفائدة التاسعة: وفيه أيضًا دليل على الأخذ بخبر الواحد، ورد قول من يقول أنَّ أخبار الآحاد لا يؤخذ بها سواء كان ذلك فى العقائد أو فى غيرها؛ لأن عمر ﵁ كان يتناوب مع الأنصارى، ويبلغه الأنصاري ما قاله النبي ﷺ، ويبلغه عمر ما قاله النبي ﷺ، وهو فرد واحد، وبالطبع كانوا يتعلمون من النبي ﷺ العقائد وغيرها، فهذا يدل على أنَّ خبر الواحد يؤخذ به فى كل الدين طالما أنه منقول ثابت.
الفائدة العاشرة: فيه أيضًا أنَّ الطالب لا يغفل عن النظر فى أمر معاشه ليستعين به على طلب العلم وغيره، وليس معنى طلب العلم أن يترك الإنسان المعاش وما يكفله وما إلى ذلك، وعليه أن يجمع بين هذا وهذا، وإن كان ذلك بالتناوب فلا بأس.
الفائدة الحادية عشرة: يجب على الإنسان ألا ينشغل بالدنيا عن العلم، فعمر كان بحر العلم، وشرب فضلة اللبن من النبي ﷺ كما سبق فى الأبواب السابقة، وقد أَوَّلَ النبي ﷺ ذلك بالعلم مع أنَّ عمر كان يعمل يومًا، ويحضر مجلس العلم يومًا؛ لكن الله ﷿ يكافئ الإنسان ويفتح عليه.
الفائدة الثانية عشرة: لا يلزم إدراك العلم بسندٍ عالٍ وإن كان هو الأصل، فالأصل أنَّ الإنسان يتعلم من أقرب المصادر وأعلاها، فإن لم يتمكن من ذلك فيأخذ من الأدنى، لذلك كان عمر ﵁ يأخذ العلم بسندٍ عالٍ فى يوم من النبي ﷺ مباشرةً، واليوم الذى لا يستطيع أن يأخذه من النبي ﷺ لا يتركه، ولكن يأخذه بسندٍ أنزل.
الفائدة الثالثة عشرة: يجب التحرى فى نقل الوقائع، وأنَّ الأَوْلَى أن ينقل الإنسان الواقعة بحالها لا بفهمه، لذلك فإنَّ الصحابي الذى نقل الأمر إلى عمر ﵁ فى رواية أنه قال: طلق النبي ﷺ نساءه، وهذا لم يكن على الحقيقة، بل فهم
[ ١٣٧ ]
ذلك لأن النبي ﷺ اعتزلهن، لكن لما تبين عمر ﵁ علم أنَّ هذا الأمر ليس على الحقيقة.
الفائدة الرابعة عشرة: يجب التثبت من الأخبار وإن كان الناقل ثقة لا شك فيه إذا كان الحدث جللًا، ويترتب عليه أمور عظيمة فلا بد من التثبت، وليس ذلك طعنًا في الناقل.
الفائدة الخامسة عشرة: متابعة الصحابة لأخبار النبي ﷺ، وأنَّ المصاب فى أى أمر من حياة النبي ﷺ كان مصابًا للناس أجمعين.
الفائدة السادسة عشرة: وفيه جواز الخوف الجبلي؛ لذلك فزع عمر - وهو عمر - لكن فزع ظنًّا منه أنَّ بنى الأصفر قد هاجموا المدينة.
[ ١٣٨ ]