إذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رجل: يا رسول الله لا أكاد أدرك الصلاة مما يُطَوِّل بنا فلان، فما رأيت النبي ﷺ في موعظة أشد غضبًا من يومئذ، فقال " أيها الناس إنكم منفرون، فمن صلى بالناس فليخفف، فإنَّ فيهم المريض، والضعيف، وذا الحاجة " (^١).
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو العَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ المَدِينِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا، أَوْ قَالَ وِعَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ» قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، أَوْ قَالَ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: «وَمَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا»، قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: «لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ» (^٢).
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث والإخبار بصيغة الإفراد.
(٣) رواته ما بين كوفي وبصري.
(٤) فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
(٥) من لطائف الإسناد:
(٦) أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
(٧) أنَّ رواته ما بين بخاري وبصري ومدني.
(٨) أنَّ فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
[ ١٣٩ ]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: «سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ» قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ»، فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ»، فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ ﷿ (^١).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ هذه الأبواب تدور على صفات العلم، فقد سبق التحريض في العلم، والرحلة لطلب العلم، والتناوب في العلم، وهنا مسألة أخرى متعلقة بالمعلم وهي أنه يجوز الغضب على المتعلم إذا رأي منه ما يكره، والمعنى: ليس لأنه يرحل ويجتهد ويتناوب أنه لا يجوز للمعلم أن يغضب، لا. من الممكن أن يغضب عليه عند التعليم إذا فعل ما يُكرَه كأن يكون سؤاله غير مناسب.
• تراجم بعض الرواة:
(محمد بن كثير): هو الإمام أبو عبد الله محمد بن كثير العبدي البصري، توفي سنة ٢٢٣ هـ.
(ابن أبي خالد): هو الإمام أبو عبد الله إسماعيل بن أبى خالد الكوفي قال عنه الشعبي: إسماعيل يحسو العلم حسوًا، توفي سنة ١٤٦ هـ.
(عبد الله بن محمد): هو الإمام أبو جعفر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
(٣) أنَّ رواته كلهم كوفيون.
[ ١٤٠ ]
جعفر الجعفى البخاري المعروف بالمسندي، قال الحسن بن شجاع للبخاري: من أين يفوتك الحديث وقد وقعت على هذا الكنز، يعنى: المسندى. توفي سنة ٢٢٩ هـ.
(أبو عامر): هو الإمام أبو عامر عبد الملك بن عمرو القيسى العقدى البصرى، اختلف في سنة وفاته فقيل سنة ٢٠٤ هـ، وقيل: سنة ٢٠٥ هـ.
(سليمان بن بلال): هو الإمام سليمان بن بلال القرشى التيمى المدني، قال محمد بن سعد: كان بربريًّا جميلًا حسن الهيئة، عاقلًا، وكان يفتى بالبلد وولى خراج المدينة، وكان ثقة كثير الحديث. توفي سنة ١٧٧ هـ.
• في الباب فوائد منها:
• أولًا: من فوائد الحديث الأول:
الفائدة الأولى: فيه جواز التأخر عن صلاة الجماعة إذا عُلِم من عادة الإمام التطويل الزائد، لذلك عَدَّ بعض العلماء التطويل الزائد من الأعذار المبيحة لترك الجماعة، ومعنى لا أدرك الصلاة، لا أصلي صلاة الجماعة أي أتركها كلية بسبب تطويل فلان.
الفائدة الثانية: فيه من أبواب الأدب: عدم ذكر اسم الفاعل إن كان الشيء مذمومًا، فقال: مما يُطَوِّل بنا فلان، حيث كان في معرض الشكوى.
الفائدة الثالثة: فيه جواز الغضب لما يُنكَر من أمور الدين.
الفائدة الرابعة: فيه الإنكار على من فعل منهيًّا عنه، فأنكر النبي ﷺ على مَنْ طَوَّلَ في الصلاة.
الفائدة الخامسة: فيه التعزير لمن أطال في الصلاة؛ لأنه خالف بذلك السنة، والسنة هي مراعاة أحوال الناس ليست هي التطويل دائمًا، والتعزير في غضب النبي ﷺ.
[ ١٤١ ]
الفائدة السادسة: وفيه جواز التعزير بالكلام والتأنيب واللوم.
الفائدة السابعة: فيه دليل على الأمر بالتخفيف في الصلاة، وهذا أمر مطلوب شرعًا.
الفائدة الثامنة: فيه بيان أنَّ الدين يسر.
الفائدة التاسعة: فيه أيضًا دليل على وجوب مراعاة الواقع وأنَّ هذا هو السنة، فالنبي ﷺ كان يطيل في صلاته، لكنه أنكر هنا على من أطال؛ لأن الواقع مختلف، كما أنكر على معاذ في حديث آخر وقال له: أفَتَّان أنت! أفَتَّان أنت!.
الفائدة العاشرة: فيه دليل على البعد عن كل ما ينفر الناس وإن كان من العبادة.
الفائدة الحادية عشرة: أيضًا فيه التعريض عند الإنكار، فالنبي ﷺ أنكر إنكارًا عامًّا.
الفائدة الثانية عشرة: الحديث هنا من العام الذي أريد به الخصوص، فقول النبي ﷺ: أيها الناس، لا يراد بها كل الناس ولكن هذا عام أريد به فئة خاصة وهي الفئة الموجودة، لكنَّ الحكم عامٌّ لجميع الأمة.
الفائدة الثالثة عشرة: فيه أيضًا دليل أنَّ المشقة تجلب التيسير، فالنبي ﷺ بيَّن أنَّ فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة فهؤلاء أصحاب الحاجات، فأمر النبي ﷺ بالتيسير من أجلهم، وهو دليل على القاعدة الفقهية التي تقول " المشقة تجلب التيسير "، ولذلك في حديث آخر قال النبي ﷺ "أنت إمامهم واقتد بأضعفهم"، وهذا يدل على أنَّ الإمام إمام في الحركات والسكنات؛ لكن في المقدار هو مأموم مقتد بالأضعف.
الفائدة الرابعة عشرة: وفيه صحة قياس غير هؤلاء عليهم، فإذا كان هناك عارض غير هذه العوارض الثلاثة نقول أيضًا يقاس عليها، فالنبي ﷺ أوتي جوامع الكلم فأعطى قواعد عامة للتخفيف.
[ ١٤٢ ]
الفائدة الخامسة عشرة: أيضًا فيه دليل أنَّ الغضب والإنكار والتشديد في الموعظة قد يكون هو الحكمة، قال الله ﷿: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] قال بالحكمة وليس باللين، وإن كان اللين والرفق هو الأصل، لذلك غضب النبي ﷺ هنا، ومنه كما قال الله تعالى لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، لكن لما قال فرعون لموسى: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] قال له موسى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] يعني هالكًا؛ فهذا قول فيه شدة، لكن الحال يقتضي ذلك.
الفائدة السادسة عشرة: فيه دليل لقاعدة: تزاحم الواجب مع السنة (^١)، فإذا تزاحم الواجب مع السنة يُقدَّم الواجب كما يقول الأصوليون، وهنا الواجب هو عدم تنفير الناس وجمعهم في بيوت الله، وعدم إقامة الفتنة بينهم، وعدم تركهم لصلاة الجماعة، فكل هذه من الواجبات إذا تعارضت مع السنة وهي التطويل نقول يجب أن يُقدم الواجب وتُترك السنة.
الفائدة السابعة عشرة: فيه دليل على قاعدة مهمة وهي "أنَّ الأمر المتعلق بذات العبادة يقدم على الأمر المتعلق بأمر خارج"، فالخشوع أمر متعلق بذات العبادة بخلاف التطويل فالتطويل أمر زائد، فلو أدى التطويل للخروج عن الخشوع يكون الخشوع أولى.
الفائدة الثامنة عشرة: وفيه حسن بيان النبي ﷺ فإنه أوتي جوامع الكلم، فإنه أنكر على الصحابي وبين له الصواب وبين علة ما فعل، فإنه غضب عليه، وبين له سبب الغضب وهو نفور الناس، وعالج له الخطأ وأمره بالتخفيف، وبين له علة هذا الصواب، فإنَّ فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة.
_________________
(١) الإعلام في أصول الأحكام لشيخنا عبد الفتاح مصيلحي ص ٥٠ ط العلوم والحكم.
[ ١٤٣ ]
• ثانيًا: من فوائد الحديث الثاني:
الفائدة الأولى: فيه دليل على أنَّ مال المسلم حرام على أخيه إلا بحق؛ لذلك قال النبي ﷺ له اعرف كذا وكذا حتى إذا جاء ربها تردها إليه، فهذا دليل أنه يحرم عليه أن يستمتع بمال أخيه المسلم بغير وجه حق.
الفائدة الثانية: فيه الحفاظ على المال والانتفاع به ولا تعطل مصلحته؛ لذلك أجاز الشرع للمسلم أن ينتفع بهذا المال إن لم يجد صاحبه، فالمجتمع المسلم يحتاج أن ينتفع بهذا المال؛ لذلك أذن له النبي ﷺ إذا يئس من وجود صاحبه أن يستمتع بهذا المال.
الفائدة الثالثة: أيضًا فيه من الفوائد أنَّ الإسلام دين كامل، صالح لكل الأحوال والأزمنة والأمكنة، فالنبي ﷺ لما قرر هذا الحكم لم يقرره للصحابة فقط فهم أهل الصدق والدين والأمانة والورع، ولكن وضعه لكل الأزمنة ..
الفائدة الرابعة: وفيه أنَّ القياس لابد من اكتمال أركانه وإلا فهو قياس فاسد، وهذا يدل على أنَّ الصحابي الذي سأل النبي ﷺ عن ضالة الإبل وغضب النبي منه أراد أن يقيس الإبل على المال والغنم، فلم يقبله النبي ﷺ لأنه قياس مع الفارق.
الفائدة الخامسة: وفيه أنَّ الحكم يدور مع علته، ولهذا قال بعض العلماء فلو أنَّ الإبل خيف عليها من الضياع يكون حكمها حكم الغنم؛ لأن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا.
الفائدة السادسة: وفيه أيضًا دليل على سد الذرائع للمحرمات (^١)؛ لذلك أمره النبي ﷺ أن يعرف وكاءها وعفاصها، وهذا ليس طعنًا في المسلم، ولكن سدًّا للذرائع حتى لا يتهم المسلم، وكذلك حماية للملتقط من نفسه أن تميل.
_________________
(١) بحث سد الذرائع في كتاب الإعلام في أصول الأحكام لشيخنا عبد الفتاح مصيلحي ص ١٥٤ ط مكتبة العلوم والحكم.
[ ١٤٤ ]
الفائدة السابعة: أيضًا الحديث فيه دليل على جواز استخدام كلمة "رب" على البشر بشرط الإضافة مثل رب البيت، رب الإبل، وتكون بمعنى المالك لها والذي يقوم على أمورها.
الفائدة الثامنة: قول فُضالة إنشائي خبري، يعني إنشائي اللفظ لكنه خبري المعنى كأنه يقول وكذلك ضالة الإبل، وإلا لو أنه مجرد سؤال فلماذا يغضب النبي ﷺ عليه وهو يسأل، فعُلِم أنه ليس مجرد سؤال فقط، ولكنه تقرير منه لما فهمه.
الفائدة التاسعة: أيضًا فيه دليل على ارتباط الظاهر بالباطن، فالنبي ﷺ لما غضب احمر وجهه أو وجنتاه، والغضب أمر قلبي لكنه يظهر على الجوارح وهذا أيضًا يشهد لمسألة الإيمان، وأنه قول وعمل ليس بالاعتقاد فقط، ولا بقول اللسان فقط، ولا بالأعمال فقط؛ لأن المقرر في الشرائع وفي العقل أنَّ الظاهر لابد له من ارتباط بالباطن.
الفائدة العاشرة: الحديث فيه من الفوائد إظهار الود والمحبة والإخاء بين المجتمع المسلم لذلك قال النبي ﷺ هي لك أو لأخيك، فليس المراد أخاه من النسب، ولكن أخوة الإسلام، وهذا كثير في الألفاظ والعبارات في لسان الشرع ولسان الصحابة، كقول النبي ﷺ «المسلم أخو المسلم»، وكقول أبي قتادة لكبشة زوجة ابنه أتعجبين يا ابنة أخي (^١)، وغير ذلك.
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٢ ح ١٣) ط إحياء التراث، وأخرجه أبو داود في سننه (١/ ٥٦ ح ٧٥) ط الرسالة، والترمذي في جامعه (١/ ١٥٣) ط الحلبي، والنسائي في السنن الكبرى (١/ ٩٥ ح ٦٣) ط الرسالة، وابن ماجه في سننه (١/ ١٣١) ط إحياء التراث، وهذا الحديث صححه البخاري والعقيلي والدارقطني والبيهقي والحاكم والنووي.
[ ١٤٥ ]
• ثالثًا: من فوائد الحديث الثالث:
الفائدة الأولى: أنَّ من الأسئلة أشياء مكروهة وهي الأشياء التي لا فائدة فيها، أو الأشياء التي فيها التعنت، وهذا يبيح الغضب أحيانًا من المعلم أو المفتي.
الفائدة الثانية: وفيه من الفوائد عدم التعنت والتنطع في السؤال، فالإنسان لا يسأل عن أشياء متنطعًا متعنتًا فيها، بل يسأل عما يحتاج، ويسأل عما يستفيد به وينفعه في آخرته.
الفائدة الثالثة: وأيضًا فيه الحرص من غضب الأنبياء لأنه قد يجلب غضب الرب، والحرص أيضًا من غضب أهل العلم لأنه قد يحرم الإنسان من العلم والخير.
الفائدة الرابعة: فيه أيضًا أنَّ الغضب قد يحمل في طياته الرحمة أحيانًا، فالنبي ﷺ كان يخاف أن يُسأل عن أشياء فيحرَّم أشياء من أجلها، فكان غضبه على السائل رحمة به ورحمة بالأمة بعد ذلك.
الفائدة الخامسة: الحديث فيه دليل أنَّ الملازمة تفيد الفهم، فعندما قال النبي سلوني عما شئتم فهم بعض الناس أنه فتح لهم باب السؤال، لكن عمر فهم غير ذلك فهم أن مقولة النبي ﷺ سلوني عما شئتم غَضَبٌ منه؛ لذلك قام عمر ﵁ وقال إنا نتوب إلى الله، وفي رواية في الباب التالي: أنَّ عمر برك على ركبتيه وقال رضينا بالله ربًّا والإسلام دينًا، فسكن غضب النبي ﷺ بفعل عمر ﵁.
الفائدة السادسة: وفيه دليل على أنَّ الأمة تحتاج أهل العلم وأنهم مواضع النجاة بالنسبة لها، فعمر لم يخطئ ولم يرد في النص أنه سأل شيئًا، ولكن سؤال الناس سبَّبَ غضب النبي، وقد يجلب ذلك غضب الرب، فقام عمر مستجيرًا من ذلك، ولذلك قال نعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، قالوا فسكن غضب النبي، فرفع الله تعالى عنهم غضب النبي ﷺ بسبب وجود عمر ﵁.
[ ١٤٦ ]
الفائدة السابعة: فيه جواز النيابة في الاعتذار كما فعل عمر ﵁.
الفائدة الثامنة: وأيضًا فيه دليل على قبول اعتذار النائب.
الفائدة التاسعة: فيه دليل أنَّ خطأ البعض قد يجلب الغضب على الناس، ويجلب الضرر والعاقبة لذلك قام عمر معتذرًا من أجل ذلك؛ لأن الغضب قد يعم في بعض هذه المسائل عياذًا بالله تعالى.
الفائدة العاشرة: فيه دليل على الفرق بين الموعظة والتعليم وبين الفتوى والقضاء فالنبي ﷺ علمهم ووعظهم وهو غضبان، لكنه عند القضاء قال ﷺ: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (^١)، لأن هناك فرقًا بين القضاء والتعليم.
الفائدة الحادية عشرة: أيضًا فيه أنَّ النبي ﷺ بُعِث لبيان الشرعيات لا الأمور الدنيوية، فإذا سئل عن غيرها كان يغضب؛ لذلك
لما سئل من أبي من أبي؟ غضب ﷺ.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٩/ ٦٥ ح ٧١٥٨) ط طوق النجاة، ومسلم في صحيحه (٣/ ١٣٤٢ ح ١٧١٧) ط إحياء التراث.
[ ١٤٧ ]