قال البخاري: حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ»، ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: «سَلُونِي»، فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، فَسَكَتَ.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
هذا الباب كالتكملة للباب السابق، وبين البابين مناسبة، وهي أنَّ الباب السابق كان [بَابُ الغَضَبِ فِي المَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ، إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ] أي غضب العالم على السائل لعدم جريه على موجب ما يليق وينبغي؛ لأنَّ النبي ﷺ غضب لما أكثر الناس له السؤال.
وأما في هذا الباب فإنه يذكر أدب المتعلم عند العالم خاصة إذا غضب، فهناك البخاري ﵀ قصد فعل النبي ﷺ وهو أنه غضب في الموعظة حال التعليم، وهنا يقصد ما فعله عمر ﵁ وهو أدب المتعلم عند العالم وبروكه على ركبتيه عنده.
• في الباب فوائد منها:
الحديث فيه فوائد سبق منها بعض الفوائد في الباب السابق ونزيد عليها ما يأتي:
الفائدة الأولى: أنَّ مخالفة الأدب قد يكون سببًا للعقوبة؛ لذلك برك عمر ﵁ على ركبتيه خوفًا من هذه العقوبة، فكما أنَّ الأدب يجلب الخير والنعم، كذلك مخالفة الأدب قد يكون سببًا في العقوبات؛ قال ﷺ: " كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ
[ ١٤٨ ]
يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ، فَدَعَتْهُ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي، ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِسَاتِ، وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: لَأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلامًا فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ، وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، فَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الغُلامَ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلامُ؟ قَالَ: الرَّاعِي، قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: لا، إِلَّا مِنْ طِينٍ "
• قال ابن القيم:
وأدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره، فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب.
فانظر إلى الأدب مع الوالدين:
كيف نجى صاحبه من حبس الغار حين أطبقت عليهم الصخرة، والإخلال به مع الأم تأويلًا وإقبالًا على الصلاة كيف امتُحِن صاحبه بهدم صومعته، وضرب الناس له، ورميه بالفاحشة، وتأمل أحوال كل شقي ومغتر ومدبر: كيف تجد قلة الأدب هي التي ساقته إلى الحرمان (^١).
الفائدة الثانية: المخطئ إذا اعتَذَر أو اعتُذِر عنه، فعلى الإمام أو العالم أن يقبل.
الفائدة الثالثة: كما أنَّ مخالفة الأدب قد يكون سببًا للعقوبة، كذلك فإنَّ الأدب قد يكون سببًا في رفع البلاء، لذلك تأدب عمر ﵁ وأظهر الإذعان والأدب والرضا حتى يرفع ذلك، فسكن النبي ﷺ بعدما كان غَاضِبًا.
الفائدة الرابعة: الرضا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا يقتضي التسليم لما جاء به النبي ﷺ، وعدم التعنت في السؤال.
_________________
(١) مدارج السالكين لابن القيم (٢/ ٣٩١).
[ ١٤٩ ]