قال الإمام البخاري ﵀: حَدَّثنا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: " وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ " مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (^١).
• مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله:
ترجم البخاري ﵀ للباب السابق بقوله: «بَابُ مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ، فَأَتَمَّ الحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ»، وترجم لهذا الباب بقوله: «بَابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالعِلْمِ»، ومناسبة هذا الباب لما قبله هي: أنَّ العالِم قد يحتاج في إجابته لرفع صوته حتى يعقل المتعلم، أو لأنه لما ذكر فضل العلم، ثم أدب طلب العلم، ذكر تبليغ العلم، والتبليغ قد يحتاج إلى رفع الصوت للفهم، أو لكثرة الحاضرين فيلزم ذلك حتى يصل الصوت إليهم، وقد كان النبي ﷺ يرفع صوته بالموعظة كأنه منذر جيش (^٢)، وأصل العلم والموعظة لا يكون برفع الصوت إلا إذا احتيج لذلك.
_________________
(١) من لطائف هذا الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث أي قوله (حدثنا)، وكذلك العنعنة أي قوله (عن).
(٣) أنَّ رواته ما بين بصري وواسطي ومكي.
(٤) أخرج مسلم في صحيحه (٢/ ٥٩٢ ح ٨٦٧) من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَان رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَاخَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلا صَوْتُهُ، واشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ.
[ ٢١ ]
• قال ابن رشيد: في هذا التبويب رمز من المصنف إلى أنه يريد أن يبلغ الغاية في تدوين هذا الكتاب بأن يستفرغ وسعه في حسن ترتيبه وكذلك فعل ﵀ (^١).
• تراجم بعض الرواة:
(أبو النعمان عارم بن الفضل): هو الإمام أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي البصري يلقب بعارم، توفي سنة ٢٢٤ هـ.
(أبو عوانة): هو الإمام أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكرى الواسطي، توفي سنة ١٧٥، وقيل ١٧٦ هـ.
(أبو بشر): هو الإمام أبو بشر جعفر بن إياس واسمه أبو وحشية اليشكرى الواسطي، كان ساجدًا خلف المقام حين مات. توفي سنة ١٢٣ هـ، وقيل غير ذلك.
(يوسف بن ماهك): هو الإمام يوسف بن ماهك بن بهزاد الفارسى المكى، توفي سنة ١١٣ هـ، وقيل غير ذلك.
• بعض مفردات الحديث:
قول الصحابة ﵃: (وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلاةُ) (^٢) أي تأخرنا عنها، وهذا يدل على أنَّ تأخير الصلاة عند الصحابة ﵃ كان أمرًا صعبًا عليهم، ومرهقًا لنفوسهم.
• سبب تأخير الصحابة للصلاة: قيل كان ذلك لعدم وجود النبي ﷺ معهم، فأخروا الصلاة انتظارًا لإتيانه ﷺ، فإنه ليس من دأب الصحابة ﵃ تأخير الصلاة بدون عذر.
_________________
(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (١/ ١٤٣) ط دار المعرفة.
(٢) هي صلاة العصر: كما جاء مصرحًا بها في البخاري ومسلم وغيرهما، وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
[ ٢٢ ]
قولهم ﵃: (فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا) المراد بالمسح هنا الغسل الخفيف؛ لأنَّ الأمر في الآية (^١) بالغسل، وكذلك كان فِعْلُ النبي ﷺ دائما هو الغسل، ولا ضَيْرَ فقد يطلق المسح على الغسل، ويقصد به الغسل الخفيف.
وقوله ﷺ (ويل): قيل: وادٍ في جَهَنَّمَ، وقيل: عذاب أليم، وقيل: صديد أهل النار.
• واستند العلماء إلى أنَّ المسح المراد به الغسل إلى رواية الإمام مسلم منْ حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁، قَالَ: رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَتَوَضَّؤُوا وَهُمْ عِجَالٌ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ فَقَالَ رَسُولُ ﷺ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ» (^٢).
فلو كانوا يمسحون لأمرهم بالغسل؛ إنما قال: «أسبغوا» فهذا يدل على أنهم كانوا يغسلون، ولكنه ليس غسلًا مُسْبِغًا.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: جواز الإنكار من العالِم على الناس إن رأى منهم تضييع الفرائض والواجبات، فالنبي ﷺ لما رأى أنهم لم يتموا شرطًا من شروط الصلاة وهو الوضوء نادى بأعلى صوته «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».
الفائدة الثانية: تكرار القول والكلام إن احتيج إلى ذلك، وفي الحديث قال النبي ﷺ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» مرتين أو ثلاثًا.
_________________
(١) قوله تعالى في سورة المائدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (آيه: ٦).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٢٢) في عدة مواضع منها ح ٦٠، ٩٦، ١٦٣، ومسلم في صحيحه (١/ ٢١٤ ح ٢٤١، ٢٤٢).
[ ٢٣ ]
وهذا يكون لسبب من الأسباب منها:
• التكرار لإفهام المستمع.
• التكرار لإسماعه إذا احتُمل عدم السماع لبعد ونحوه.
• التكرار لاحتمال أن يكون السامع منشغلًا.
• التكرار لأهمية الأمر وخطورته، وذلك كقول النبي ﷺ في الحديث «أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ»، وكرر ذلك (^١).
الفائدة الثالثة: جواز رفع الصوت بالعلم للحاجة، وهذا يدل على أنَّ الأصل في التعليم خفض الصوت، والتؤدة والسكينة، والرفق واللين.
الفائدة الرابعة: الحديث يدل على وجوب غسل الرِّجل، فقد علق النبي ﷺ العقاب على عدم الإسباغ في الوضوء، فكيف لو اكتفى المتوضئ بالمسح.
• وهنا قاعدة: إنَّ الفعل إذا علق عليه عقاب دل على أنه محرم.
• وهنا شبهة:
قد زعم الروافض أنَّ المسح على القدمين جائز واستدلوا برواية شعبة عن عاصم والتي قرأ كلمة أرجلكم بالكسر في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].
فقالوا: إن هذا يعود على الممسوحات أي وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٣/ ٢٦ ح ١٩٠٣، ٥٩٧٦، ٥٩٧٧) ط طوق النجاة، ومسلم في صحيحه (١/ ٩١ ح ١٤٣، ١٤٤) ط إحياء التراث.
[ ٢٤ ]
• الجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
• أنَّ الجر قد يكون على الجوار، فقد تكون الكلمة مرفوعة، ولكنها لما جاورت مجرورا جرت، ومنه قول العرب: (هذا جحرُ ضَبٍّ خَرِبٍ) (^١) فكلمة (خربٍ) صفة لكلمة (جحرُ) وليست صفة لكلمة (ضبٍ)، وهي مرفوعة، لكنها لما جاورت المجرور جُرَّت.
• قد يكون المراد هنا الغسل الخفيف؛ لأنه يطلق عليه مسح، وقد يكون هذا لفائدة وهي: أنَّ الرِّجْلَ قد يُستخدم لغسلها ماء كثير، فنبه الشرع بذلك على عدم الإسراف في الماء فأمر بالغسل الخفيف.
• قد يكون المراد بالمسح هنا المسح على الخفين.
والأصل عندنا حمل المتشابه على المحكم، والمحكم يبينه فعل النبي ﷺ وهو غسل الرجلين دائمًا، هذا إذا اعتبرناه متشابهًا.
الفائدة الخامسة: وجوب تعميم الأعضاء بالماء، وإن كان النص خاصًّا في الرِّجلين إلا أنَّ باقي الأعضاء تقاس عليهما، وقد ثبت ذلك أيضًا بالأدلة الأخرى.
الفائدة السادسة: وجوب تعليم الجاهل؛ لأنَّ فعل الصحابة ﵃ يدل على عدم علمهم، وصور التعليم تختلف باختلاف الحال فهنا رفع النبي صوته، وبين لهم عقاب هذا الفعل.
الفائدة السابعة: في قوله ﷺ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» دليل على أنَّ الجسد يعذب في النار.
_________________
(١) الكتاب لسيبويه (١/ ٦٧) ط الخانجي، والمذكر والمؤنث لأبي بكر الأنباري (١/ ٤٢٧) ط مجلس الشؤون الإسلامية - مصر.
[ ٢٥ ]
مسألة:
يقول علماء الأصول: إنَّ الجزء إذا أطلق وأريد به الكل، دل على أنَّ هذا الجزء ركن (^١)، فهل العقب ركن في الجسد؟ وإن لم يكن ركنًا، كيف أطلقه النبي ﷺ وأراد به الجسد؟
الجواب: أنَّ العقب ليس بركن من أركان الجسد؛ لكنه السبب الأصلي في وقوع العذاب على سائر الجسد بسبب ترك غسله في الوضوء، فاعتبر من أجل ذلك ركنًا، وهو من باب إطلاق السبب، والمراد به صاحب السبب، فأطلق النبي ﷺ العقب؛ لأنه هو السبب في ذلك العقاب.
الفائدة الثامنة: مراعاة العالِم للناس وخوفه عليهم، كما كان النبي ﷺ يراقب أصحابه ﵃ ويراعي أعمالهم وأحوالهم.
الفائدة التاسعة: احتج بالحديث من قال بوجوب تخليل الأصابع؛ لأنَّ النبي ﷺ رتب العقاب على ترك العقب، والعقب جزء خفي لأنه في الخلف، بينما الأصابع جزء ظاهر، فقالوا أنَّ ما بين الأصابع أولى بالغسل والتخليل لأنه شيء ظاهر.
الفائدة العاشرة: أدب الصحابة ﵃ ولين جانبهم، فلما عنفهم النبي ﷺ، ورتب العقاب على ما فعلوه، لم يعترضوا ولم يتضجروا، ولم يعتذروا بعدم القصد والعمد، ولكنهم امتثلوا أمره ﷺ.
الفائدة الحادية عشرة: فضل الاستعداد للعبادة، ويدل على ذلك أنهم ﵃ لما أرهقتهم الصلاة تعجلوا لإدراكها، فحدث لهم بسبب تعجلهم عدم الإسباغ للوضوء، وهذا يدل على أنه يجب على الإنسان أن يستعد للعبادة، ويتأهب لها،
_________________
(١) الإعلام في أصول الأحكام لشيخنا عبد الفتاح بن محمد مصيلحي (ص ١٩) ط مكتبة العلوم والحكم.
[ ٢٦ ]
وأن يجعل بينه وبين وقت الفرض وقتًا مناسبًا حتى يأتي بالفرائض والشروط والأركان على وجهها.
الفائدة الثانية عشرة: في هذا الحديث دليل على أنَّ الذي يترك شرطًا من الشروط ليس معذورًا طالما أنَّ الوقت لم يخرج؛ لأنَّ الغالب في ترك الشروط يكون من باب التفريط وعدم التأني، ومع أنَّ الصحابة فعلوا ذلك عن طريق الخطأ إلا أنَّ النبي ﷺ علق عليه العقاب.
[ ٢٧ ]