قال البخاري: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «خَرَجَ وَمَعَهُ بِلالٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُرْطَ وَالخَاتَمَ، وَبِلالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ: إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
• مناسبة هذا الباب للذي قبله:
أنَّ الباب السابق كان في تعليم الرجل أهله وهذا باب خاص، وأما هنا فالتعليم لعامة النساء.
• تراجم بعض الرواة:
(سليمان بن حرب): هو الإمام أبو أيوب سليمان بن حرب بن بجيل الأزدى الواشحى البصري، أثنى عليه الأئمة، توفي سنة ٢٢٤ هـ.
(عطاء): هو الإمام أبو محمد عطاء بن أبى رباح واسمه أسلم القرشى المكي، مناقبه لا تحصى، وأثنى عليه الأئمة، توفي سنة ١١٤ هـ، على المشهور، وقيل: بعدها.
[ ١٥٤ ]
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: يجب على الإمام تفقد الرعية وتعليمهم ووعظهم سواء كانوا رجالًا أو نساءً.
الفائدة الثانية: فضل العمل بما يتعلق به من الواقع والحاجة، فلقد أمر النبي ﷺ النساء بالصدقة خاصة؛ لأنه كان في وقت حاجة إلى مواساةٍ، والصدقة في وقت الحاجة قد تكون من أفضل البر.
الفائدة الثالثة: عبادة الوقت هي العبادة الأفضل.
الفائدة الرابعة: الاهتمام بالنساء ووعظهن وتعليمهن، فليس الأمر قاصرًا على الرجال فقط.
الفائدة الخامسة: الموعظة تختلف بحسب حال المدعو؛ فهنا كانت الموعظة بالترغيب والترهيب، لذلك قال ﷺ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» (^١)، فهذا من باب الترغيب والتخويف، التخويف من النار، والترغيب فى الصدقة.
الفائدة السادسة: الصدقة تقي من النار قال ﷺ «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ».
الفائدة السابعة: جواز تصدق المرأة من مالها بدون إذن زوجها.
الفائدة الثامنة: وفيه التطبيق العملي لقول الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، فالنساء فهمن ذلك فتصدقن بالحلى - الذهب ونحوه-.
الفائدة التاسعة: الحديث فيه دليل على أنَّ لفظ الشهادة ليس للطعن فى الذى يخبر الخبر، ولكن هو لتأكيد الوقوع؛ لذلك شهد ابن عباس على نفسه أنه سمعه
_________________
(١) رواية أبي سعيد الخدري كما عند البخاري في صحيحه (٢/ ١٢٠) ح ١٤٦٢ ط طوق النجاة، ومسلم في صحيحه (١/ ٨٦) ح ١٣٢ ط إحياء التراث.
[ ١٥٥ ]
من النبي ﷺ، فهذا ليس تشكيكًا فى ابن عباس، لكن ليبين أنَّ هذا الأمر مهم، وأنه واقع وموثوق به.
الفائدة العاشرة: في الحديث علاقة بين الوعظ والأمر، فالوعظ يرقق القلب ويخيفه ويهيئه، ثم يأتي الأمر بعد ذلك.
• شبهة:
ثبت فى الروايات أنَّ هذا الحديث كان فى يوم عيد، وقد طعن بعض من يدَّعي العلم فى هذه الرواية من الناحية العقلية، فقال إنَّ العيد يوم فرح وأكل وشرب ومرح، ولا يليق بالنبي ﷺ صاحب الأخلاق والمروءة أن يذهب إلى النساء ويقول لهن يا معشر النساء إنكن أكثر أهل النار، كيف يقول ذلك فى هذا اليوم؟
والجواب عن هذا من وجوه:
١) أنَّ هذا قد ثبت فيجب التسليم به.
٢) أنَّ النبي ﷺ ذكر ذلك ليس لإدخال الهم والحزن على النساء، ولكن من أجل الصدقة ودفعهن إلى الطاعة والعبادة فى هذا اليوم المبارك.
٣) أنه ليس عندنا وقت نبتعد فيه عن العبادة والذكر لذلك بيّن النبي ﷺ أنها أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى، فالتذكير بالله وبالآخرة حتى فى أيام العيد لا إشكال فيه، لذلك فرق الله ﷿ بين السعي للآخرة والسعي للدنيا فقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، فعند العبادة تُتْرَك الدنيا، وأما عند الفراغ منها فلا بأس أن يطلب الناس معاشهم وأرزاقهم قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، فإذا ابتغيتم الدنيا فاذكروا الله كثيرًا، وإذا جئت إلى الجمعة فذر البيع، فلا إنكار إذًا في فعل النبي ﷺ ذلك.
[ ١٥٦ ]