وكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهَابَ العُلَمَاءِ، وَلا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلْتُفْشُوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لا يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا.
حَدَّثَنَا العَلاءُ بْنُ عَبْدِ الجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ: بِذَلِكَ، يَعْنِي حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، إِلَى قَوْلِهِ: ذَهَابَ العُلَمَاءِ.
قال البخاري ﵀ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».
قَالَ الفِرَبْرِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
التنبيه على الاهتمام بتحصيل العلوم مع الحرص عليها لأنه مما يقبض ويرفع، فلابد للإنسان أن يستدرك هذه الغنيمة قبل فواتها.
[ ١٥٩ ]
• تراجم بعض الرواة:
(عمر بن عبد العزيز): هو أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبى العاص القرشى الأموى المدني ثم الدمشقي، كان من أئمة العدل وأهل الدين والفضل، مناقبه كثيرة، توفي سنة ١٠١ هـ.
(أبو بكر بن حزم): هو الإمام أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصارى الخزرجى، قال عنه الإمام مالك: لم يكن عندنا أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، توفي سنة ١٢٠ هـ، وقيل غير ذلك.
(عباس): هو الإمام أبو الفضل عباس بن عبد العظيم بن إسماعيل بن توبة العنبرى البصري، كان من سادات المسلمين توفي سنة ٢٤٠ هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: وجوب تتبع السنة وضبطها لذا أمر عمر بن عبد العزيز بذلك.
الفائدة الثانية: ينبغي نشر العلم وإذاعته.
الفائدة الثالثة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فطالما أنَّ السنة لا يحافظ عليها إلا بالكتابة فتجب الكتابة.
الفائدة الرابعة: لا ينزع الله العلم بعد أن يهبه، فالله يتعالى أن يسترجع ما وهب لعباده ما لم يحدثوا، وإنما يكون قبض العلم بالحرمان من التعلم، فلا يوجد من يخلف من مضى.
الفائدة الخامسة: فيه دلالة على أنَّ أول تدوين للحديث كان في عهد عمر بن عبد العزيز ﵀.
الفائدة السادسة: أهل الدين والعلم يحملون هم هذا الدين، ويخافون من ضياعه، ويأخذون بأسباب بقائه.
[ ١٦٠ ]
الفائدة السابعة: حمل الهم طريق المنة، ويدل عليه حديث عبد الله بن زيد في الأذان.
الفائدة الثامنة: فيه منقبة لعمر بن عبد العزيز أنه أول من جمع السنة وكتبها أي بأمره.
الفائدة التاسعة: ينبغي رفق أهل العلم بالمتعلم لقول عمر ﵁ (ولتجلسوا حتى يُعلَّم من لا يَعْلَم).
الفائدة العاشرة: عدم كتمان العلم حفاظًا عليه؛ لأن كتمان العلم ضياع للعلم.
الفائدة الحادية عشرة: الجزاء من جنس العمل، وعدم شكر النعمة يجعلها تتبدل، فلما لم يشكر الناس الله على العلم بالتعلم والحفاظ على العلماء يبدلهم الله تعالى رؤوسًا وعلماء ضلالًا يفتونهم فيضلونهم.
الفائدة الثانية عشرة: الفتوى بغير علم من صفات علماء السوء.
الفائدة الثالثة عشرة: خطورة الفتوى بغير علم لأنها ضلال وإضلال.
الفائدة الرابعة عشرة: تحذير الأمراء من تولية علماء السوء.
الفائدة الخامسة عشرة: موت العالم خسارة عظيمة.
الفائدة السادسة عشرة: محو العلم من الصدور وإن كان جائزًا في القدرة إلا أنَّ هذا الحديث دل على عدم وقوعه.
[ ١٦١ ]