قال البخاري ﵀: قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ: - وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ - ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ، أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ " فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ مَا قَالَ عَمْرٌو قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلا فَارًّا بِدَمٍ، وَلا فَارًّا بِخَرْبَةٍ (^١).
قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ
_________________
(١) من لطائف هذا الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث بصيغة الإفراد والجمع، وفيه العنعنة.
(٣) أنَّ رواته ما بين بصري ومدني.
(٤) أنَّه من رباعيات المصنف.
[ ١٦٦ ]
مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ - وَأَعْرَاضَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ».
وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، كَانَ ذَلِكَ «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» مَرَّتَيْنِ (^١).
• مناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
الباب السابق كان (بَابُ مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَفْهَمْهُ فَرَاجَعَ فِيهِ حَتَّى يَعْرِفَهُ) وفيه مراجعة المتعلم للعالم، وفيه معنى التبليغ من المُراجَع إلى المُراجِع، فكأنَّ المُراجِع كان كالغائب عند سماعه فلم يفهم ما سمعه.
• تراجم بعض الرواة:
(عبد الله بن عبد الوهاب): هو الإمام أبو محمد عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي البصري، اختلف في وفاته، فقيل توفي سنة ٢٢٨ هـ، وقيل ٢٢٩ هـ.
(حماد): هو الإمام أبو إسماعيل حماد بن زيد بن درهم الأزدى الجهضمى البصري، قال عنه ابن مهدي: ما رأيت أعلم من حماد بن زيد، ولا من سفيان، ولا من مالك توفي سنة ١٧٩ هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: الأدب مع أهل المنزلة، وإنزال الناس منازلهم.
الفائدة الثانية: اللين والرفق أدعى لقبول الدعوة والنصيحة لذلك قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤].
الفائدة الثالثة: التأكيد على العلم وتحقيقه، وليس ذلك للتهمة فقط، بل يكون
_________________
(١) من لطائف هذا الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
(٣) أنَّ رواته كلهم بصريون.
[ ١٦٧ ]
للأهمية ولبيان أنه سنة، وليس اجتهادًا.
الفائدة الرابعة: أدوات التعلم ثلاثة إذا اجتمعت فهي أقوى أنواع التعلم وأوكده، وهي السمع والبصر والقلب لذا جمعها.
الفائدة الخامسة: الدقة في النقل والوصف، فإنه لم ينقل محل الشاهد فقط، بل قال (حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ).
الفائدة السادسة: إذا تعلق الحكم بعين رجع عرفًا وشرعًا لما جعلت له هذه العين (^١)، فلابد من البيان، وهذا يظهر في قوله ﷺ: إن مكة حرمها الله … فماذا حرم فيها؟ فكان لابد من البيان وقد جاء البيان.
الفائدة السابعة: السنة وحي، فقوله ﷺ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ»، فالتحريم جاء على لسان النبي ﷺ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤].
الفائدة الثامنة: الإجمال قبل التفصيل أدعى للانتباه والتشويق، وأدعى للانقياد والقبول.
الفائدة التاسعة: قوله: «فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ» لا يؤخذ منه مفهوم المخالفة:
١) فليس المعنى أنَّ من فعل ذلك كفر بالله، ولكنها كبيرة من الكبائر.
٢) كذلك لا يدل على أنَّ من لا يؤمن بالله يجوز له القتل.
٣) وكذلك لا يحل القتل في غير مكة ولا سفك الدماء ولكن في مكة يزداد التحريم.
الفائدة العاشرة: قوله: «وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً» خص في بعض الأحاديث
_________________
(١) الإعلام في أصول الأحكام لشيخنا عبد الفتاح مصيلحي ص ٢٩ ط العلوم والحكم.
[ ١٦٨ ]
بالإذخر، وهو يرد قول من قال بجواز قطع الشوك قياسًا على الخمس الفواسق؛ لأنه خلاف النص.
الفائدة الحادية عشرة: أنَّ حل مكة كان خاصًّا للنبي ﷺ ولم يحل لأحد بعده، والتخصيص للنبي ﷺ فقط، وكذلك هو للنبي ﷺ في هذه الساعة فقط دون غيرها.
الفائدة الثانية عشرة: الأمر بإبلاغ الدعوة وأنه واجب، وكذلك فيه قبول خبر الواحد.
الفائدة الثالثة عشرة: جواز إخبار الشخص عن نفسه إن علم ثقته وضبطه لما سمعه.
الفائدة الرابعة عشرة: إنكار العالم على الحاكم فيما يغيره من الأمور الدينية.
الفائدة الخامسة عشرة: الخروج من عهدة التبليغ والصبر على المكاره.
الفائدة السادسة عشرة: قيل إنَّ هذا التبليغ كان عينًا على من حضره، وكفاية على من بعدهم.
الفائدة السابعة عشرة: في قول عمرو بن سعيد (أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ) ظاهره الحق لكنه أريد به باطل؛ لأنَّ ابن الزبير لم يرتكب حدًّا، ولا نحوه.
الفائدة الثامنة عشرة: في الحديث دليل على شرف مكة.
الفائدة التاسعة عشرة: تقديم الحمد والثناء على الله قبل القول.
الفائدة العشرون: المسلمون يتساوون مع النبي ﷺ في الأحكام إلا ما خصه الدليل.
الفائدة الحادية والعشرون: فيه دليل على وقوع النسخ.
[ ١٦٩ ]
الفائدة الثانية والعشرون: وفيه فضل أبي شريح.
الفائدة الثالثة والعشرون: تحليل المحرم لا يكون إلا بإذن الشرع.
هذا ما يتعلق بالحديث الأول من الفوائد، أما الحديث الثاني فقد سبق، ولله الحمد.
[ ١٧٠ ]