قال البخاري: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ، قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ» (^١).
وقال: حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلانٌ وَفُلانٌ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (^٢).
وقال: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، قَالَ أَنَسٌ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا، فَلْيَتَبَوَّأْ
_________________
(١) من لطائف هذا الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث والعنعنة والإخبار بصيغة الجمع والإفراد والسماع.
(٣) أنَّ رواته ما بين بغدادي وكوفي وواسطي ومدني.
(٤) أنَّ فيه رواية تابعي صغير عن تابعي كبير.
(٥) من لطائف الإسناد:
(٦) أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
(٧) أنَّ فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
(٨) أنَّ فيه رواية صحابي عن صحابي مثله.
(٩) أنَّ فيه رواية الابن عن أبيه عن جده.
(١٠) أنَّ هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم.
[ ١٧١ ]
مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (^١).
وقال: حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (^٢).
وقال: حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (^٣).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ السابق التبليغ للعلم، وفى هذا التحذير من الكذب فى التبليغ أى فى العلم.
_________________
(١) من لطائف هذا الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
(٣) أنَّ رواته كلهم بصريون.
(٤) أنه من رباعيات الإمام البخاري.
(٥) من لطائف هذا الإسناد:
(٦) أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
(٧) أنه من ثلاثيات البخاري وهو أول ثلاثي وقع فيه، ويبلغ جميعها أكثر من عشرين حديثًا.
(٨) وفيه فضل للإمام إذ هو يروي ويشارك شيوخه في الإمام مكي بن إبراهيم الذي هو من كبار أشياخ البخاري.
(٩) من لطائف هذا الإسناد:
(١٠) أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
(١١) أنَّ رواته ما بين كوفي وبصري وواسطي ومدني.
(١٢) أنَّ فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
[ ١٧٢ ]
• تراجم بعض الرواة:
(علي بن الجعد): هو الإمام أبو الحسن على بن الجعد بن عبيد الجوهرى البغدادي، قال عنه موسى بن داود: ما رأيت أحفظ من على بن الجعد، توفي سنة ٢٣٠ هـ.
(ربعي بن حراش): هو الإمام أبو مريم ربعى بن حراش بن جحش الغطفاني ثم العبسي الكوفي، قال عنه الحارث: فلقد أخبرنى غاسله أنه لم يزل متبسما على سريره ونحن نغسله حتى فرغنا. توفي سنة ١٠٠ هـ، وقيل غير ذلك.
(أبو الوليد): هو الإمام أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: أبو الوليد شيخ الإسلام، ما أقدم عليه اليوم أحدًا من المحدثين، توفي سنة ٢٢٧ هـ.
(جامع بن شداد): هو الإمام أبو صخرة جامع بن شداد المحاربى الكوفي، اختلف في وفاته فقيل ١٢٧ هـ، وقيل: ١٢٨ هـ.
(عامر بن عبد الله بن الزبير): هو الإمام أبو الحارث عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشى المدني، أثنى عليه الأئمة، اختلف في وفاته فقيل: ١٢١ هـ، وقيل: ١٢٤ هـ، وقيل ١٢٥ هـ.
(عبد العزيز): هو الإمام عبد العزيز بن صهيب البنانى الأعمي، توفي سنة ١٣٠ هـ.
(يزيد بن أبي عبيد): هو الإمام أبو خالد يزيد بن أبى عبيد الأسلمي، اختلف في وفاته فقيل: ١٤٢ هـ، وقيل غير ذلك.
(أبو حصين): هو الإمام أبو حصين عثمان بن عاصم بن حصين الكوفي، قال عنه ابن مهدي: لا ترى حافظًا يختلف على أبى حصين. توفي سنة ١٢٧ هـ، وقيل غير ذلك.
[ ١٧٣ ]
• في الباب فوائد منها:
• أولًا: فوائد الحديث الأول:
الفائدة الأولى: فيه حرمة الكذب على النبى ﷺ، ولا عذر ولا حجة لأحد في ذلك.
الفائدة الثانية: صيغة النهى تدل على التحريم، وهذه الصيغة قد ترد بالنهى، وقد ترد بالتوعد بالعقاب، والأسلوب هنا أسلوب إنشائى خبرى "فليلج النار"، والمعنى: فسوف يلج النار.
الفائدة الثالثة: أنَّ فيه تحذيرًا من الكذب على النبى ﷺ، وأيضًا من باب أولى الكذب على الله فهو أعظم، فإن قيل: الكذب على الناس حرام فما فائدة ذلك؟!، قيل لأنه أشد.
الفائدة الرابعة: لا يدل الحديث على أنَّ رواية الحديث بالمعنى تدخل في هذا النهي، لكن بشرط أن تكون للعالم بمواقع الخطاب ومعانى الألفاظ.
الفائدة الخامسة: أنَّ اللفظ هنا لفظ عام، فهو يدل على أنَّ الكذب ولو مرة واحدة يعتبر كذبًا.
الفائدة السادسة: كذلك الحديث يرد قول من قال أنَّ الكذب الذى هو للمصلحة جائز، حيث قالوا المحرم هو الكذب الذى يضل به الناس، واستدلوا بزيادة ضعيفة «من كذب علي ليضل به الناس» (^١) وهي زيادة ضعيفة، واستدلوا أيضًا بقوله تعالى ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وهذا خطأ لأنَّ المعنى في الآية أنَّ مآل أمره إلى الإضلال، أو هو من تخصيص بعض أفراد العام بالذكر فلا مفهوم له مثل قوله تعالى ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١/ ٣٧١ ح ٤١٨، ٤١٩، ٤٢٠) ط الرسالة بإسناد ضعيف، وقال الطحاوي: هذا حديث منكر.
[ ١٧٤ ]
أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، وقوله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]، فهذا ومثله لتأكيد الأمر لا لاختصاص الحكم.
الفائدة السابعة: الحديث يشمل كل أنواع الوضاعين سواء كانوا زنادقة وضعوا للتحريف، أو كانوا مرتزقة، أو كان السبب فى الكذب هو التعصب لمذهب معين، أو غير ذلك.
الفائدة الثامنة: الحديث يدل على حرمة الكذب عليه فى الأحكام، وكذلك فى الترغيب، وهذا بالإجماع، فكل هذا كذب محرم.
الفائدة التاسعة: وفيه وجوب تعلم العلوم الأخرى كعلوم اللغة وغيرها إن كان سيروى الحديث بالمعنى، وهذا من باب " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " أو تحت قاعدة " ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب "؛ لذلك قال الأصمعى: أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل فى قوله ﷺ «من كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» لأنه لم يكن لحانًا ولم يلحن في حديثه، فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه (^١).
• ثانيًا: من فوائد الحديث الثانى:
الفائدة الأولى: جواز حمل إطلاق العموم وإرادة الغالب لقول الزبير لم أفارقه، فهذا يُرَاد به الغالب.
الفائدة الثانية: التعبير عن الكلام بلازمه، فمراد الزبير من عدم المفارقة السماع، أي أنه سمع منه كثيرًا؛ حيث إنَّ لازم الملازمة السماع، ولازم السماع التحديث.
_________________
(١) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لأبي حاتم البُستي (ص ٢٣٣) ط الكتب العلمية، تاريخ دمشق لابن عساكر (٣٧/ ٨٠) ط دار الفكر، معجم الأدباء لياقوت الحموي (١/ ٢٩) ط دار الغرب الإسلامي، تهذيب الكمال للمزي (١٨/ ٣٨٨) ط الرسالة.
[ ١٧٥ ]
الفائدة الثالثة: العمل بقاعدة " ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب" (^١) فاعتبر الزبير أنَّ الإكثار قد يؤدى إلى الخطأ، والعمل بقول الثقة مع الخطأ يجعل الناس يعملون بما ليس فى الشرع.
الفائدة الرابعة: فيه شاهد أيضًا لقاعدة " سد الذرائع "، فاعتبر الزبير التحديث قد يؤدى إلى الخطأ فامتنع عن ذلك سدًّا لذريعة الخطأ فى الحديث.
الفائدة الخامسة: أنه يحمل قول من أكثر منهم أنهم كانوا واثقين بأنفسهم، وأنهم طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم، وأنهم خافوا من كتمان العلم.
الفائدة السادسة: فيه أنَّ من كان له عذر من الخوف من الخطأ أو الإثم ونحوه فامتنع لا يُعَدُّ كاتمًا للعلم.
• ثالثًا: من فوائد الحديث الثالث:
الفائدة الأولى: فيه أنَّ الإكثار لا يعنى عدم التحديث، ولكن الذى يُتَخَوَّفُ منه الإكثار.
الفائدة الثانية: وفيه أنَّ العمل قد يختلف باختلاف الواقع والحال فقد يكثر الإنسان لأنه طالت حياته واحتيج إليه فأكثر، أو أنه يثق في حفظه ونقله، والآخر تورع وعمل بباب سد الذرائع فامتنع، ولكل وجه.
• رابعًا: من فوائد الحديث الرابع:
الفائدة الأولى: فيه قوله ﷺ " مَنْ قال عَلَىَّ مالم أقل "، فيدخل فيه الفعل للأحاديث السابقة، فليس المراد مجرد القول، ولكن من قال فعل النبى ﷺ وهو لم يفعل، وهو يعلم ذلك، فهذا كذب على النبى ﷺ.
الفائدة الثانية: استدل البعض بالحديث على حرمة رواية الحديث بالمعنى،
_________________
(١) الإعلام في أصول الأحكام لشيخنا عبد الفتاح مصيلحي (ص ٥٦) ط العلوم والحكم.
[ ١٧٦ ]
وأجاز المجيزون ذلك بأنَّ المراد بالكذب يعنى الإتيان بلفظ يوجب تغيير الحكم، والإتيان باللفظ لا شك أولى.
• خامسًا: من فوائد الحديث الخامس:
الفائدة الأولى: حرمة الكذب على النبى ﷺ فى اليقظة والمنام.
الفائدة الثانية: حسن الترتيب فهو مطلوب عند اجتماع الأدلة وهنا البخارى ﵀ رتب الأحاديث ترتيبًا حسنًا كالتالي:
فبدأ بحديث علىٍّ الذى فيه مقصود الباب، وهو النهى عن تعمد الكذب وما إلى ذلك، ثم ثنى بحديث الزبير الذى فيه توقى الصحابة وتحرزهم عن الكذب عليه حتى أنهم يتركون التحديث من باب سد الذرائع، وهو يدل على التطبيق العملي للصحابة ﵃ وخوفهم من هذا الباب.
ثم ثلث بحديث أنس الدال على أنَّ امتناعه كان من الإكثار للخوف من وقوعه فى الخطأ لا من أصل التحديث.
وختم بحديث أبى هريرة الذى فيه الإشارة الى تحريم الكذب عليه سواء كان فى اليقظة أو فى المنام.
[ ١٧٧ ]