قال الإمام البخاري ﵀: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: «لا، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» (^١).
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ - عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ - بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ القَتْلَ، أَوِ الفِيلَ» - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كَذَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَاجْعَلُوهُ عَلَى الشَّكِّ الفِيلَ أَوِ القَتْلَ وَغَيْرُهُ يَقُولُ الفِيلَ - وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالمُؤْمِنِينَ، أَلا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ ".
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث والعنعنة والإخبار.
(٣) أنَّ رواته كلهم كوفيون سوى شيخ الإمام البخاري وقد دخلها.
(٤) وفيه رواية صحابي عن صحابي مثله.
[ ١٧٨ ]
فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «اكْتُبُوا لِأَبِي فُلانٍ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِلَّا الإِذْخِرَ إِلَّا الإِذْخِرَ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ: يُقَادُ بِالقَافِ فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الخُطْبَةَ (^١).
• وفيه (اكتبوا لأبي فلان): هو أبو شاه اليماني.
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلا أَكْتُبُ» (^٢). تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لا تَضِلُّوا بَعْدَهُ»، قَالَ عُمَرُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ، قَالَ: «قُومُوا عَنِّي، وَلا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ»، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ» (^٣).
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
(٣) أنَّ رواته ما بين كوفي وبصري ومصري ويماني.
(٤) من لطائف الإسناد:
(٥) أنَّ فيه التحديث والعنعنة والإخبار بالإفراد والسماع.
(٦) أنَّ وهب بن منبه لم يرو له البخاري غير هذا الحديث.
(٧) فيه ثلاثة من التابعين في طبقة متقاربة أولهم عمرو.
(٨) هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم.
(٩) من لطائف الإسناد:
(١٠) فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والإخبار والعنعنة.
(١١) فيه رواية تابعي عن مثله.
(١٢) رواته ما بين كوفي ومدني ومصري.
[ ١٧٩ ]
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ السابق فيه الحث على الاحتراز عن الكذب على رسول الله ﷺ، وفي هذا الحث على الاحتراز عن ضياع كلام رسول الله ﷺ ولا سيّما من أهل الزمان لقصور هممهم في الضبط وتقصيرهم في النقل.
• تراجم بعض الرواة:
(مطرف): هو الإمام مطرف بن طريف الحارثى الكوفي، قال عن نفسه: ما يسرنى أنى كذبت كذبة وأنَّ لى الدنيا وما فيها. توفي سنة ١٤١ هـ، وقيل بعد ذلك.
(شيبان): هو الإمام أبو معاوية شيبان بن عبد الرحمن التميمى المؤدب، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: شيبان ثبت فى كل المشايخ. توفي سنة ١٦٤ هـ.
(وهب بن منبه): هو الإمام أبو عبد الله وهب بن منبه بن كامل اليمانى الأبناوي، قال عنه المثنى بن الصباح: لبث وهب بن منبه أربعين سنة لم يسب شيئًا فيه الروح، ولبث عشرين سنة لم يجعل بين العشاء والصبح وضوءًا. اختلف في وفاته فقيل: ١١٤، وقيل: ١١٦ هـ، وقيل غير ذلك.
(أخيه): هو الإمام أبو عقبة همام بن منبه بن كامل اليمانى الأبناوي، اختلف في وفاته، فقيل: ١٣١ هـ، وقيل ١٣٢ هـ.
[ ١٨٠ ]
• في الباب فوائد منها:
• من فوائد الحديث الأول:
الفائدة الأولى: فيه إباحة كتابة العلم وتقييده.
الفائدة الثانية: وفيه أيضًا بيان لقاعدة (ما لا يتم الواجب به فهو واجب) (^١)، فحفظ العلم واجب فإن لم يتم حفظ العلم إلا بالكتابة والتقييد والتدوين يصبح التدوين والكتابة والتقييد واجبًا.
الفائدة الثالثة: فيه أنَّ تغير العمل قد يتغير بتغير الحاجة والحال؛ لذلك فإنَّ البعض نهى عن الكتابة وكرهها واعتلوا بأنها سبب ضياع الحفظ، والقول الآخر أيضًا أنه يجوز الكتابة، واستدلوا بكتابة المصحف، وهو أصل العلوم وإنما كُرِه ذلك لأنهم كانوا حُفَّاظًا، وليس كذلك مَنْ بعدهم، فلو لم يُكتب ما بقي منه شيء، لذلك قال الشعبي: (إذا سمعت شيئًا فاكتبه ولو في الحائط) (^٢).
الفائدة الرابعة: وفيه إبطال زعم الشيعة بأنَّ النبي ﷺ خص عليًّا وآل البيت بشيء من علوم الشريعة.
الفائدة الخامسة: فيه إرشاد أنَّ للعالم الفهم والاستنباط، وأنه يستخرج من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولًا.
الفائدة السادسة: فيه إباحة كتابة الأحكام وتقييدها.
الفائدة السابعة: وفيه جواز سؤال العالم فيما يتعلق بخاصيته.
الفائدة الثامنة: وفيه أنه لا يُقتل مسلم بكافر.
_________________
(١) الإعلام في أصول الأحكام لشيخنا عبد الفتاح بن محمد مصيلحي (ص ٤٥) ط العلوم والحكم.
(٢) كتاب العلم لأبي خيثمة النسائي (ص ٣٤) ط المكتب الإسلامي، الكنى والأسماء لأبي بشر الدولابي (٣/ ٩٣٣) ط ابن حزم، والمحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي (ص ٣٧٦) ط دار الفكر.
[ ١٨١ ]
الفائدة التاسعة: وفيه أنَّ الاختصاص بالفهم أو زيادة الفهم منة من الله وعطاء؛ ولذلك قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩].
• من فوائد الحديث الثاني:
الفائدة الأولى: وفيه جواز كتابة العلم أيضًا.
الفائدة الثانية: وفيه دليل أنَّ الخطبة تكون على موضع عالٍ منبر أو نحوه.
الفائدة الثالثة: واستدل به من قال أنَّ النبي ﷺ كان متعبدًا باجتهاده فيما لا نص فيه.
الفائدة الرابعة: وفيه أنَّ ولي القتيل بالخيار بين القصاص والدية.
الفائدة الخامسة: وفيه اهتمام النبي ﷺ بأمور المسلمين.
الفائدة السادسة: واستدل به من يقول أنَّ الاستثناء يجوز أن يكون منقطعًا، ولكن رُدَّ عليهم بأنَّ الاستثناء لا بد أن يكون متصلًا أو في حكم المتصل؛ لأن قوله " إلا الإذخر " في حكم المتصل.
الفائدة السابعة: وفيه مراعاة الشريعة لحاجة الناس، كرفعها الحرج بإباحة الإذخر لحاجة الناس إليه.
الفائدة الثامنة: وفيه أنَّ الحكم يكون بالمجاورة، وفضل مجاورة الأخيار والأماكن المقدسة حتى للشجر وللشوك وغيرها، فأكرمه الله ﵎ وحرم قطعه والاعتداء عليه.
• مناسبة فعل ابن عمر بالباب الذي قبله؟
الجواب: أنَّ عبد الله بن عمر من أفاضل الصحابة وكان يكتب ما يسمعه، ولو لم تكن الكتابة جائزة ما فعل ذلك ﵁.
[ ١٨٢ ]
• من فوائد الأحاديث الأخرى:
الفائدة الأولى: فيها فضل الكتابة وأنها تساعد في الإكثار من العلم.
الفائدة الثانية: وفيه أنَّ عبد الله بن عمرو أكثر أخذًا من أبي هريرة، لكن أبا هريرة أكثر رواية منه، وذلك لأمور:
١) كان عبد الله ﵁ منشغلًا بالعبادة أكثر من التعليم.
٢) وكان أكثر مقامه بمصر أو بالطائف والرحلة لهما لم تكن كالرحلة للمدينة.
٣) وقيل من أسباب ذلك أيضًا أنَّ عبد الله بن عمرو ظفر ببعض كتب أهل الكتاب فكان ينظر فيها، فتجنب بعض التابعين الأخذ عنه.
الفائدة الثالثة: وفيه بيان فضل طلبة العلم وحملهم للعلم لأنهم هم الذين حملوا علم أبي هريرة ﵁، وأيضًا السبب في ذلك ما اختص به أبو هريرة ﵁ من دعوة النبي ﷺ أنه لا ينسى ما حُدِّث به.
الفائدة الرابعة: وفي الحديث الرابع أيضًا جواز كتابة العلم وهو أصل الباب.
الفائدة الخامسة: وفيه أنَّ للإمام أن يوصي عند موته بما يراه مصلحة للأمة.
الفائدة السادسة: وفي ترك الكتابة إباحة الاجتهاد لأنه وكلهم لأنفسهم واجتهادهم.
الفائدة السابعة: وفيه أيضًا أنَّ فعل النبي ﷺ كان باجتهاده ولم يكن تشريعًا أو وحيًا، ولو كان تشريعًا أو وحيًا لما تركه النبي ﷺ لخلافهم.
الفائدة الثامنة: وفيه أيضًا عدم إنكار النبي ﷺ على عمر، فقال البعض أنه قد استصوب فعله، وقال البعض أنه سكت لأنه كثر النزاع عنده.
[ ١٨٣ ]
الفائدة التاسعة: وفيه استحباب الوصية والكتابة وقتها، وليس الوجوب لترك النبي ﷺ ذلك، وقد يُقال ترك النبي ﷺ ذلك من أجل التنازع.
الفائدة العاشرة: فيه اجتهاد الصحابة بحضرة النبي ﷺ، فلقد أمر النبي ﷺ بأمر لكن فهم عمر أنَّ هذا الأمر للإرشاد، وما أراد أن يشق على النبي ﷺ.
الفائدة الحادية عشرة: وفيه حب الصحابة للنبي ﷺ وخوفهم من المشقة عليه، ولو كان في ذلك تفويت مصلحتهم.
الفائدة الثانية عشرة: وأيضًا فيه أنَّ الاختلاف المؤدي للتنازع قد يَحْرِم الأمة من الخير كما حدث ذلك أيضًا في ليلة القدر.
تنبيه:
اختلف العلماء في التوفيق بين هذه الأحاديث وأحاديث النهي عن الكتابة كحديث (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) (^١)، فقيل: أنَّ النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية الالتباس، وقيل أنَّ النهي عن كتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد، أو النهي متقدم والإذن بعد ذلك ناسخ عند الأمن من الالتباس، وهو قد يكون أقربها، وقيل: النهي لمن خشي الاتكال منه على الكتابة دون الحفظ، ومحصله أنَّ الكتابة الآن جائزة لأنها لا يُستغنى عنها لحفظ العلم.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٢٩٨) ح ٣٠٠٤ ط إحياء التراث.
[ ١٨٤ ]