قال الإمام البخاري ﵀: وَقَالَ لَنَا الحُمَيْدِيُّ: " كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا، وَسَمِعْتُ وَاحِدًا.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ.
وَقَالَ شَقِيقٌ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَلِمَةً.
وَقَالَ حُذَيْفَةُ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ.
وَقَالَ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ ﷿.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ ﷿.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
ترجم البخاري ﵀ للباب السابق بقوله بَابُ: مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالعِلْمِ، وهذا معناه: أنَّ العالِم قد يحتاج في إجابته لرفع صوته حتى يعقل المتعلم، ولما تعلم المتعلم العلم كان لزامًا عليه أن يبلغه، فأورد البخاري ﵀ في هذا الباب طريقة إبلاغ هذا العلم وذلك من خلال صيغ التحديث.
وقد ذكر البخاري ﵀ أكثر من صيغة من صيغ التبليغ والنقل.
وفي قوله: (كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا، وَسَمِعْتُ وَاحِدًا)
[ ٢٨ ]
الظاهر من كونه بدأ به الباب يدل على أنَّ البخاري ﵀ كان يأخذ بمذهب ابن عيينة ﵀ في هذه المسألة.
• ففي الغالب يقدم البخاري من يأخذ بقوله في بداية الأبواب.
قال الإمام البخاري ﵀: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ» فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ».
وسوف يذكر البخاري هذا الحديث أيضًا في الباب القادم وهو بَابُ طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ.
• وهنا يبين البخاري ﵀ طريقة من طرق التعليم، حيث إنَّ النبي ﷺ كان يتخذ طرقًا عدة للتعليم منها:
١) أنه كان ﷺ يخبرهم بالعلم مباشرة.
٢) طريقة الاختبار أي السؤال والجواب.
٣) طريقة التشبيه وضرب الأمثال، وغيرها.
وهذا الحديث من طريقة التشبيه وضرب الأمثال، فالنبي ﷺ شبه المسلم بالنخلة، وهذا التشابه حاصل من عدة وجوه منها:
• البركة: فالنخلة مثل المسلم في البركة، فالتمر من الأطعمة المفيدة والغنية بالعناصر الغذائية المختلفة، وفيه يقول النبي ﷺ «لا يَجُوعُ أَهْلُ بَيْتٍ عِنْدَهُمُ التَّمْرُ» (^١).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٣/ ١٦١٨) من حديث أم المؤمنين عائشة - ﵂.
[ ٢٩ ]
• ويستخدم نوى البلح علفًا للحيوانات.
• وكذلك يستخدم النوى في إنتاج الفحم البلدي وزيت النوى.
• ويؤكل جُمَّار النخيل فيمد الإنسان بالسكريات والدهون والبروتين والأملاح المعدنية والفيتامينات.
• وتستعمل جذوع النخيل في أعمال البناء والنجارة.
• وتستعمل الأوراق في تسقيف المنازل، كما يدخل في صناعة الورق.
• تستعمل أعناق الأوراق في صناعة الكراسي والأقفاص والأسرة والسلال.
• ويستعمل الليف البني في صناعة الحبال والمكانس اليدوية وفي صناعة الحصر.
وكذلك المسلم فإنه مبارك نافع كله فينتفع بجميع أقواله وأفعاله.
• ورق النخلة لا يسقط، وكذلك المسلم لا تسقط له دعوة بغير إجابة ولا بغير فائدة، ويظهر هذا في رواية الحارث في مسنده لحديث: ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ لَا يَسْقُطُ لَهَا أُنْمُلَةٌ، أَتَدْرُونَ مَا هِيَ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ، لا تَسْقُطُ لَهَا أُنْمُلَةٌ، وَلَا يَسْقُطُ لِمُؤْمِنٍ دَعْوَةٌ» (^١).
• الثبات: فالنخلة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وكذلك المسلم تجده ثابتًا مستمسكًا، والنخلة من صفاتها أنها خضراء لا تيبس وكذلك المسلم.
• قال الحسن البصري: تلقى المسلم عامًا بعد عام وهو على كلمة واحدة، ونية واحدة، وعبادة واحدة، والمنافق تجده في كل وقت بحال.
_________________
(١) بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (٢/ ٩٦٥) ط مركز خدمة السنة النبوية.
[ ٣٠ ]
• من أوجه الشبه بين النخلة والمؤمن: أنَّ كليهما امتداده إلى السماء: وإن كان المسلم يحيا في الأرض ببدنه، ولكن قلبه وروحه معلقان دائما بالسماء.
• عزة النخلة وشموخها: وكذلك المسلم قال تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠]، باسقات يعني طويلات.
سؤال: لماذا لم يقل تعالى طويلات وقال باسقات؟
الجواب: لأن الباسقات معناها الطويلات المعتدلات القائمات، فقد يكون الشيء طويلًا، لكنه منحنٍ ومائل، فالمسلم دائما يكون في عزة بدينه وبتعلقه بربه، وثقته بنفسه، فيكون شامخًا حتى وإن كان ضعيفًا.
• لين المسلم وحسن خلقه وأنه لا يقابل السيئة بالسيئة، ولكنه يقابل السيئة بالحسنة، وهكذا النخلة إذا رُمِيَت بالحجارة فإنها تسقط رطبًا.
• النخل ينتفع به الإنسان والحيوان وسائر الدواب، وكذلك المسلم قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ» (^١)، فهذا دليل على أنهم يستفيدون من المسلم ببركة طاعته وإيمانه ووجوده في الأرض.
• النخلة يُنتَفَع بها حية وميتة، مثمرة أو غير مثمرة، وكذلك المسلم قد ينتفع به حيًّا وميتًا، كأن ينتفع الناس بصدقته الجارية، وعلمه النافع، وغير ذلك.
هذه جملة من أوجه الشبه بين النخلة والمسلم، وغير ذلك.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في جامعه بهذا اللفظ (٤/ ٣٤٧) ط دار الغرب الإسلامي. والحديث يحسن بمجموع طرقه.
[ ٣١ ]
• ومن فقه البخاي ﵀ وسعة علمه، ودقة فهمه، أنه ذكر هذا الحديث في أكثر من موضع من كتابه (^١):
١) ذكره في كتاب العلم في عدة أبواب:
• (بَابُ قَوْلِ المُحَدِّثِ: حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا).
• (بَابُ طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ).
• (بَاب الفَهْمِ فِي العِلْمِ).
• (بَاب الحَيَاءِ فِي العِلْمِ).
٢) وفي كتاب البيوع: (بَاب بَيْعِ الجُمَّارِ وَأَكْلِهِ)، وإن كان لم يرد في الحديث بيع، ولكنه كأنه يشير ﵀ للقاعدة الشرعية "أنَّ كل ما جاز أكله جاز بيعه"، وأكل النبي ﷺ الجمار فهو دليل على جواز بيعه.
٣) وجاء في كتاب تفسير القرآن: بَاب قَوْلِهِ تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، وذكره في التفسير يشير إلى أنَّ البخاري ﵀ يؤيد الرأي الذي يقول أنَّ الشجرة المذكورة هي النخلة.
٤) وفي كتاب الأطعمة: (بَابُ بَرَكَةِ النَّخْلِ)، (بَابُ أَكْلِ الجُمَّارِ).
٥) وفي كتاب الأدب: (بَاب مَا لا يُسْتَحْيَا مِنَ الحَقِّ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ)، (بَابُ إِكْرَامِ الكَبِيرِ، وَيَبْدَأُ الأَكْبَرُ بِالكَلامِ وَالسُّؤَالِ).
_________________
(١) وهذه مواضعه بالأرقام [٦٢، ٧٢، ١٣١، ٢٢٠٩، ٤٦٩٨، ٥٤٤٤، ٥٤٤٨، ٦١٢٢، ٦١٤٤].
[ ٣٢ ]
• تراجم بعض الرواة:
(الحميدي): هو الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي المكي، قال عنه سفيان بن يعقوب: ما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه. توفي سنة ١١٩ هـ، وقيل بعدها.
(ابن عيينة): هو الإمام أبو محمد سفيان بن عيينة بن أبي عمران الكوفي المكي، قال عن نفسه: كنت أخرج إلى المسجد فأتصفح الحلق، فإذا رأيت مشيخة وكهولًا جلست إليهم، وأنا اليوم قد اكتنفنى هؤلاء الصبيان، توفي في مكة سنة ١٩٨ هـ.
(أبو العالية): هو الإمام أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي البصري، وقال عنه أبو بكر بن أبى داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبى العالية، اختلف في وفاته، فقيل في ولاية الحجاج، وقيل سنة ٩٠ هـ، وقيل غير ذلك.
(قتيبة بن سعيد): هو الإمام أبو رجاء قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفى البلخى، قال عنه الفرهياني: ليس أحد من الكبار إلا وقد حمل عنه بالعراق، توفي سنة ٢٤٠ هـ.
(إسماعيل بن جعفر): هو الإمام أبو إسحاق إسماعيل بن جعفر بن أبى كثير الأنصارى الزرقى المدني، شارك الإمام مالك فى أكثر شيوخه كما قال الخليلي، توفي سنة ١٨٠ هـ.
(عبد الله بن دينار): هو الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن دينار القرشي مولى ابن عمر ﵁ توفي سنة ١٢٧ هـ.
[ ٣٣ ]
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: امتحان العالم لأذهان أصحابه بما يخفى عليهم، مع بيانه لهم إن لم يفهموه، وهذه هي طريق الاستنباط والمناقشة في التعلم، لكن يشترط في هذا الاختبار ألا يكون الأمر خفيًّا خفاءًا تامًّا، ولابد أن يذكر السائل بعض القرائن، كقوله ﷺ «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا»، وقول ابن عمر ﵁: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَأْكُلُ جُمَّارًا.
الفائدة الثانية: التحريض على الفهم في العلم، والحث على ذلك.
الفائدة الثالثة: أن يوثق بالصغير أحيانًا ما لم يوثق فيه بالكبير؛ لأن العلم عطاء وهبات من الله، ولذلك كان عمر يُدخِل ابن عباس مع أشياخ الصحابة الكبار، ففي البخاري: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ: «إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ» قَالَ: فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ قَالَ: وَمَا رأِيتُهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ [النصر: ١ - ٢] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا نَدْرِي، أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَكَذَاكَ تَقُولُ؟ قُلْتُ: لا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ اللَّهُ لَهُ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالفَتْحُ فَتْحُ مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا. قَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ» (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٥/ ١٤٩ ح ٤٢٩٤) وفي أكثر من موضع ط طوق النجاة.
[ ٣٤ ]
سؤال: هل إجابة ابن عمر لسؤال النبي ﷺ أفضل أم السكوت هو الأفضل؟
الجواب: قيل إنَّ فعل ابن عمر ﵁ من عدم الإجابة كان هو الأفضل؛ لأنه غلب عليه الأدب فاستحيا، وإن كان أبوه تمنى أن لو أجاب، لكن إن منع الإنسان من التقدم الأدب فإنه يكافأ عليه.
• ومن ذلك رجوع أبي بكر ﵁ لما تأخر النبي ﷺ عن الصلاة وأَمَّ هو الناس، فلما رأى النبي ﷺ رجع إلى الوراء، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ».
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^١).
• قال ابن القيم ﵀: بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قدام تنقطع فيها أعناق المطي (^٢).
• وقد وُصِف ابن عمر ﵁ هنا بالأدب والفهم معًا.
• تنبيه:
هناك أوقات يولد فيها الإنسان، فابن عمر ﵁ ولد واكتشف في هذا الموقف.
• لذا قيل: إنَّ للإنسان مولدين: يولد يوم أن تضعه أمه، ويولد في العلم والفهم.
ومثال ذلك: ابن عباس ﵁ فقد كانت ولادته في الشعب قبل الهجرة بثلاث
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ١٣٨ ح ٦٨٤) ط طوق النجاة، ومسلم في صحيحه (١/ ٣١٦ ح ٤٢١) ط إحياء التراث، كلاهما من حديث سهل بن سعد الساعدي.
(٢) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين. لابن القيم (٢/ ٣٦٩) ط الكتاب العربي. ابن القيم = هو الإمام العلامة الفقيه المجتهد شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الدمشقي، لزم شيخ الإسلام بعد عودته من مصر سنة ٧١٢ هـ حتى مات فأخذ عنه علمًا جمًّا، أثنى عليه الأئمة منهم ابن كثير، وابن رجب، والشوكاني، وغيرهم. توفي سنة ٧٥١ هـ.
[ ٣٥ ]
سنين، أما ولادته كعالم للأمة فكان عند وضعه وضوءًا للنبي ﷺ فقَالَ: «مَنْ وَضَعَ هَذَا فَأُخْبِرَ فَقَالَ اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (^١)، فإنَّ وقت دعاء النبي ﷺ وقت ولادة ابن عباس في العلم والفهم، وكذلك ابن عمر ولد في الشريعة والعلم وقت هذا الحديث، فعُلِمَ أنه له فهمًا وعلمًا وأدبًا وحياءًا.
الفائدة الرابعة: استحباب الحياء ما لم يؤد لتفويت مصلحة، وحياء ابن عمر لم يفوت مصلحة؛ لأنَّ النبي ﷺ قد أجاب عن السؤال، أما عمر فقد اعتبر أنَّ ابنه فوت مصلحة، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: «لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا»، وذلك لأن ابن عمر ربما لو أجاب لكان دعا له النبي ﷺ فقد فاتته الدعوة، وكذلك فاته الحظوة، والمكانة في الدين.
الفائدة الخامسة: أنَّ الدنيا لا تساوي شيئًا في الآخرة، قال عمر ﵁: " لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا، أَوْ قَالَ: مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ".
الفائدة السادسة: جواز تجمير النخل، وبيع الجمار وأكله.
الفائدة السابعة: جواز ضرب الأمثال لزيادة الفهم.
الفائدة الثامنة: فيه دليل على علو فهم الصحابة، وتمييزهم بين سؤال وسؤال، فإنَّ الصحابة قد أجابوا هنا واجتهدوا، ولكنهم وقعوا في شجر البوادي، لأنهم لم يلتفتوا لقرائن الحال كوجود الجمار.
وقد ثبت أنَّ النبي ﷺ سألهم في مواضع فأجابوا بقولهم: الله ورسوله أعلم كما جاء في حديث أبي بكرة عند البخاري وكان في حجته ﷺ «أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٤١) ح ١٤٣، وأخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ١٩٢٧) ح ٢٤٧٧.
[ ٣٦ ]
ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ «أَلَيْسَ ذُو الحَجَّةِ؟»، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ (^١)، وذلك لأن الموقف موقف تشريع فظنوا أنه ﷺ سيميه بغير اسمه، لكن في حديث ابن عمر لما علموا أنَّ السؤال مجردٌ أجابوا.
الفائدة التاسعة: الاشتراك اللفظي لا يلزم منه الاشتراك في كل الأحكام والدلائل، فالنخلة والمسلم لا يستويان في كل شيء؛ حيث إنَّ المسلم لا يساويه شيئٌ من مخلوقات الله تعالى.
الفائدة العاشرة: عدم المبادرة بالصواب إن كان هناك مانع، فابن عمر كان يعلم الصواب، لكنه منعه الأدب والحياء، فلم يتقدم على أبي بكر، ولا على أبيه عمر، وأهل الفضل والمنزلة لأنه لا يستحب للابن أن يتقدم على أبيه، ولا على أهل المنزلة والفضل.
الفائدة الحادية عشرة: يدل الحديث على أنَّ الخواطر التي تقع في القلب من محبة الثناء ونحو ذلك لا بأس بها إذا كان العمل من أصله خالصًا لله ﷿، وذلك حيث إنَّ عمر تمنى أن يجيب ابنه فيفوز بالثناء والحظوة عند النبي ﷺ وأصحابه.
الفائدة الثانية عشرة: حب الوالد لولده حتى وإن تقدم عليه، وخاصة إن كان ذلك بقربه، وحظوته عند الصالحين.
الفائدة الثالثة عشرة: تنوع أساليب التربية والتعليم كما سبق.
الفائدة الرابعة عشرة: محاولة العالِم اكتشاف المواهب بطرح الأسئلة والاختبار؛ لأنه من ها هنا اكتشف ابن عمر.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٢٤ ح ٦٧) وفي عدة مواضع أيضًا، ومسلم في صحيحه (٣/ ١٣٠٥ ح ١٦٧٩).
[ ٣٧ ]
• قال ابن المعتز ﵀: كما أنَّ الشمس لا يخفى ضوؤها وإن كان تحتها سحاب، كذلك الصبي لا يخفى غريزة عقله، وإن كانت مطمورة بأطمار الحداثة (^١).
الفائدة الخامسة عشرة: عدم احتقار أحدٍ أو التهاون به لصغرٍ ونحوه.
وكما قال الشافعي ﵀:
عليّ ثياب لو تباع جميعها بفلس لكان الفلس منهن أكثرا
وفيهن نفس لو تقاس ببعضها نفوس الورى كانت أجل وأكبرا
وما ضر نصل السيف إخلاق غمده إذا كان عضبًا حيث وجهته فرى (^٢).
الفائدة السادسة عشرة: أهمية التربية وتعاهد الأب لابنه وتوجيهه وإرشاده.
الفائدة السابعة عشرة: يعتبر الحديث أصل في باب الأدب، قال علي ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] قال: أدبوهم وعلموهم (^٣).
_________________
(١) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (٢/ ٢٧٥) ط دار ابن الجوزي، زهر الآداب وثمر الألباب لأبي إسحاق الحُصري القيرواني (٢/ ٥٩٩) ط دار الجيل. ابن المعتز = هو الأمير الأديب الشاعر أبو العباس عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد، قال عنه ابن خلكان: كان أديبًا بليغًا شاعرًا مقتدرًا على الشعر قريب المأخذ سهل اللفظ جيد القريحة، حسن الإبداع للمعاني، مخالطًا للعلماء والأدباء معدودًا من جملتهم. وقال عنه صلاح الدين الصفدي: وكان سني العقيدة منحرفًا عن العلويين. قُتل سرَّا سنة ٢٩٦ هـ.
(٢) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٦/ ١٥٧) ط دار الكتب العلمية، الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح الحنبلي (٣/ ٥٢٨) ط عالم الكتب.
(٣) البر والصلة لأبي عبد الله المروزي (ص ٩٩) ط دار الوطن، تفسير الطبري (٢٣/ ١٠٣) ط دار هجر.
[ ٣٨ ]
• قِيلَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁: أَيُّمَا أَكْبَرُ أَنْتَ أَمِ النَّبِيُّ ﷺ؟
فَقَالَ: " هُوَ أَكْبَرُ مِنِّي وَأَنَا وُلِدْتُ قَبْلَهُ " (^١).
• قال ابن سيرين ﵀: كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم.
وجاء التابعون من بعدهم على هذا النحو فكان الحسن البصري ﵀ يقول: إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه يكسبه السنتين ثم السنتين (^٢).
• قال ابن المقفع ﵀: ولسنا إلى ما يمسك أرماقنا من المأكل والمشرب بأحوج منا إلى ما يثبت عقولنا من الأدب الذي به تقاوت العقول، وليس غذاء الطعام بأسرع في نبات الجسد من غذاء الأدب في نبات العقل (^٣).
• قال الثوري ﵀: حسن الأدب يطفئ غضب الرب (^٤).
• قال ابن المبارك ﵀: لو وصف لي رجل عنده علم الأولين والآخرين لم أتأسف على فوات لقائه، وأما إذا سمعت أنَّ رجلًا عنده أدب النفس تمنيت لقاءه وأتأسف على فوته (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٣٩٢١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٥٠)، والدينوري في المجالسة (٣٣٩١)، والحاكم في المستدرك (٥٣٩٨).
(٢) تذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة (ص ٣١) ط دار البشائر.
(٣) الأدب الصغير والأدب الكبير لابن المقفع (ص ١٥) ط دار صادر. والرَّمَق - بفتحتين -: بقية الحياة، وقد يطلق على القوة. ابن المقفع = هو أحد البلغاء والفصحاء عبد الله بن المقفع، كان مجوسيًّا من أهل فارس ثم أسلم.
(٤) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٦/ ٣٦٢) الناشر دار السعادة.
(٥) الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح الحنبلي (٣/ ٥٥٢) ط عالم الكتب، وقال أيضا: طلبت العلم فأصبت فيه شيئًا، وطلبت الأدب فإذا أهله قد ماتوا. هذا كلام شيخ الإسلام الإمام الزاهد ابن المبارك، وهو من هو في العلم والأدب، وعن أي زمان يتحدث عن زمان كَثُرَ فيه الأئمة والعباد، فماذا عن زماننا!!!.
[ ٣٩ ]
• كان المعتمر بن سليمان ﵀ يحدث الناس، فلما دخل عليه ابن المبارك سكت فقالوا لِمَ سكتَّ؟
قال: لا نتكلم عند كبرائنا (^١).
• وكان الثوري ﵀ إذا دخل عليه أبو حنيفة قام بعد أن يسكت، فيُسأَل عن ذلك، فيقول: إن لم أقم لعلمه قمت لسنه (^٢).
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (١/ ٣٢٠) ط مكتبة المعارف. المعتمر بن سليمان = هو الإمام الحافظ أبو محمد المعتمر بن سليمان التيمي، كان من كبار العلماء في زمانه، توفي سنة ١٨٧ هـ.
(٢) أخبار أبي حنيفة وأصحابه لأبي عبد الله الصَّيْمَري (ص ٨١) ط عالم الكتب، وتاريخ بغداد (١٥/ ٤٥٩) ط دار الغرب الإسلامي، تهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢/ ٢٢٠) ط دار الكتب العلمية. أبو حنيفة = هو الإمام المجتهد إمام أصحاب الرأي الفقيه أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زَوْطي الكوفي، قال عنه يزيد بن هارون: أدركت الناس فما رأيت أحدًا أعقل ولا أفضل ولا أورع من أبي حنيفة. وقال عنه ابن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس، توفي سنة ١٥٠ هـ.
[ ٤٠ ]