قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.
وَعَمْرٍو، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ، أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ» (^١).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ السابق كتابة العلم الدالة على الضبط والاجتهاد، وهنا فيه تعليم العلم والموعظة بالليل الدال كل منهما على قوة الاجتهاد وشدة التحصيل، وكذلك كل منهما وسيلة لحفظ العلم.
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) فيه التحديث والإخبار والعنعنة.
(٣) فيه ثلاثة من التابعين.
(٤) فيه رواية صحابية عن صحابية على قول من قال أنَّ هندًا صحابية.
(٥) فيه رواية الأقران.
[ ١٨٥ ]
• تراجم بعض الرواة:
(صدقة): هو الإمام أبو الفضل صدقة بن الفضل المروزي، قال عنه عباس بن الوليد النرسى: كنا نقول: بخراسان صدقة بن الفضل، وبالعراق أحمد بن حنبل، توفي سنة ٢٢٣ هـ، وقيل ٢٢٦ هـ.
(معمر): هو الإمام أبو عروة معمر بن راشد الأزدى الحدانى البصري، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: ليس يضم إلى معمر أحد إلا وجدته فوقه، توفي سنة ١٥٤ هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: فيه التسبيح عند التعجب من شيء ولو من الفتن.
الفائدة الثانية: فيه أنَّ النجاة من الفتن بالأعمال الصالحة.
الفائدة الثالثة: وفيه أنَّ الإنذار يكون للعشيرة الأقربين أولًا، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، فأول من أمر النبي ﷺ وحذر هن صاحبات الحجر، وهن نساؤه.
الفائدة الرابعة: فيه دليل أنَّ الراعي مسؤول عن رعيته، قال ﷺ (كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته) فلا بد للراعي أن يأخذ رعيته إلى سبل الخير، وأن يحذرها من مواضع الخطر.
الفائدة الخامسة: فيه أيضًا دليل على أنَّ الفتن قد تكون بالمال، لقوله " وماذا فتح من الخزائن "، وقيل أنَّ الخزائن هنا بمعنى الرحمة أي أنه أيضًا فتح من خزائن رحمة الله تعالى، وعبر عن العذاب بالفتن لأنها أسبابه، فكأنه أشار إلى أنَّ هناك رحمات تتنزل، وعذاب يُحذَر، فلا بد للإنسان أن يجتهد.
الفائدة السادسة: وفيه أيضًا أنَّ الطاعة تجلب الرحمة كما تنقذ من الفتن.
[ ١٨٦ ]
الفائدة السابعة: وفيه دليل أنَّ " رُبَّ " قد تأتي للتكثير؛ لأن النساء أكثر أهل النار.
الفائدة الثامنة: وفي قوله " كاسيات عاريات " قيل: أنَّ العقوبة في الآخرة من جنس العمل أي في الدنيا، فرُبَّ كاسية المظهر في الدنيا عارية في الآخرة يعريها الله ﵎ ويفضحها ببيان ذنوبها، وقيل أنَّ المعنى كاسية بالمال والثياب عارية من الحسنات، وفي كل ذلك الحث على فعل الخيرات وأنه هو اللباس الحقيقي؛ لذلك قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ا﴾ [البقرة: ١٩٧].
الفائدة التاسعة: وفيه أنَّ الإنسان لا ينفعه نسب ولا قرابة، وفي قوله "أيقظوا" إشارة إلى أنهن لا يعتمدن أنهن أزواج النبي ﷺ، فلن ينفعهن إلا العمل.
الفائدة العاشرة: وفيه استحباب الإسراع إلى الصلاة خاصة إن خُشي شيء، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، وكان النبي ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وفي صلاة الخسوف إذا خسفت الشمس أو القمر فزع النبي ﷺ إلى صلاة الخسوف، وإذا مُنِع الماء فزع النبي ﷺ إلى صلاة الاستسقاء، وهكذا.
الفائدة الحادية عشرة: وفيه وجوب تحذير العلماء عامة الناس عند خوفهم من المحذور المخوف، ودلالة الناس على ما يدفع عنهم هذا المحذور.
[ ١٨٧ ]