قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ العِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ» (^١).
قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ العِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: «نَامَ الغُلَيِّمُ» أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ، حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أَوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ (^٢).
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة.
(٣) فيه أربعة من التابعين وهم عبد الرحمن وابن شهاب وسالم وأبوبكر.
(٤) من لطائف الإسناد:
(٥) فيه التحديث والعنعنة والسماع.
(٦) فيه رواية تابعي عن تابعي.
[ ١٨٨ ]
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
الباب السابق كان العلم والموعظة بالليل، وقد كان التحدث بعد العشاء منهيًّا عنه، ونبه به أنَّ السمر المنهي عنه إنما فيما لا يكون فيه خير، أما السمر بالخير فليس منهيًّا عنه، بل هو مرغوب فيه.
• تراجم بعض الرواة:
(عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِر): هو الإمام عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، شهد جده فتح بيت المقدس مع عمر بن الخطاب ﵁، توفي سنة ١٢٧ هـ.
(سالم): هو الإمام سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشى العدوى المدني، فكان أشبه ولد عبد الله به، وكان يشبه أباه فى السمت والهدى، توفي سنة ١٠٦ هـ.
(أَبو بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ): هو الإمام أبو بكر بن سليمان بن أبى حثمة المدني وكان من علماء قريش.
(الحَكَمُ): هو الإمام الحكم بن عتيبة الكندى الكوفي، قال عنه عبدة بن أبي لبابة وكذلك يحيى بن أبي كثير: ما بين لابتيها أفقه منه، توفي سنة ١١٣ هـ، وقيل بعدها.
• من فوائد الحديث الأول:
الفائدة الأولى: السمر بالعلم والخير مباح، وأنه يستثنى من النهي السابق، وقد سمر السلف الصالح في مذاكرة العلم، فقد ورد عن أبي موسى أنه قال: أتيت عمر أكلمه في حاجة بعد العشاء فقال: هذه الساعة؟
فقلت: إنه شيء من الفقه، فقال: نعم، فكلمته، فذهبت لأقوم، فقال: اجلس فقلت: الصلاة، فقال: إنا في صلاة، فلم نزل جلوسًا حتى طلع الفجر (^١).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ٧٩ ح ٦٦٩٣) ط الرشد، والفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (١/ ٢٦٧) ط دار ابن الجوزي.
[ ١٨٩ ]
وكذلك ورد استيقاظ ابن عباس وملاحظة النبي ﷺ، وإنما السمر المكروه هو الذي يكون في غير طاعة.
والنهي عن السمر بعد العشاء قد يكون للحفاظ على قيام الليل وصلاة الفجر، وقد يكون لأنهم أحبوا أن يجعلوا الصلاة آخر أعمالهم بالليل، وكرهوا الحديث بعد العتمة لذلك؛ لأن النوم وفاة فأحبوا أن يناموا على خير أعمالهم.
• وكان ابن عمر إذا تكلم أو قضى شيئًا من أمور الدنيا رجع إلى الصلاة.
الفائدة الثانية: الحرص على حسن الخاتمة.
الفائدة الثالثة: فيه دليل على أنَّ (مِنْ) تأتي لابتداء الغاية الزمانية كقول الكوفيين كقوله تعالى ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]، وقول أنس ما زلت أحب الدباء من يوم ما رأيت النبي ﷺ.
الفائدة الرابعة: وفيه قصر أعمار هذه الأمة، وهذا يحتاج إلى الاجتهاد في العمل.
الفائدة الخامسة: اختلف العلماء في معنى " لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ ":
قال النووي: المراد أنَّ من كان على الأرض بعد تلك الليلة فإنه لا يعيش بعدها أكثر من مائة سنة، وليس فيه نفي أنَّ أحدًا يعيش أكثر من مائة سنة يولد بعد تلك الليلة.
وقيل: إنَّ المراد هم الإنس فقط، وقيل المسلمون فقط، وقيل غير ذلك.
الفائدة السادسة: حرص النبي ﷺ على أمته ونصحهم وتحذيرهم في آخر حياته.
[ ١٩٠ ]
• الحديث الثاني:
• مناسبته للباب:
اختُلِفَ في مناسبته للباب:
قال ابن الْمُنِيرِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ أَصْلَ السَّمَرِ يَثْبُتُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﷺ «نَام الغليم».
وَيحْتَمل أَنه يُرِيد ارتقاب ابن عَبَّاسٍ لِأَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّعْلِيمِ مِنَ الْقَوْلِ وَالتَّعْلِيمِ من الْفِعْل فقد سمر ابن عَبَّاسٍ لَيْلَتَهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ.
زَادَ الْكِرْمَانِيُّ أَوْ مَا يُفْهَمُ مِنْ جَعْلِهِ إِيَّاهُ عَلَى يَمِينِهِ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: قِفْ عَنْ يَمِينِي فَقَالَ: وَقَفْتُ. اه
وَكُلُّ مَا ذَكَرَهُ مُعْتَرَضٌ لِأَنَّ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُسَمَّى سامرًا وصنيع ابن عَبَّاسٍ يُسَمَّى سَهَرًا لَا سَمَرًا إِذِ السَّمَرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ تَحَدُّثٍ. قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَأَبْعَدُهَا الْأَخِيرُ لِأَنَّ مَا يَقَعُ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ مِنَ النَّوْمِ لَا يُسَمَّى سَمَرًا.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تَبَعًا لِغَيْرِهِ أَيْضًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْأَقَارِبَ إِذَا اجْتَمَعُوا لَا بُدَّ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُمْ حَدِيثٌ لِلْمُؤَانَسَةِ، وَحَدِيثُهُ ﷺ كُلُّهُ عِلْمٌ وَفَوَائِدُ.
قال ابن حجر: وَالْأَوْلَى مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ مُنَاسَبَةَ التَّرْجَمَةِ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ لَفْظٍ آخَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، وَهَذَا يَصْنَعُهُ الْمُصَنِّفُ كَثِيرًا يُرِيدُ بِهِ تَنْبِيهَ النَّاظِرِ فِي كِتَابِهِ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِتَتَبُّعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ وَالنَّظَرِ فِي مَوَاقِعِ أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ؛ لِأَنَّ تَفْسِيرَ الْحَدِيثِ بِالْحَدِيثِ أَوْلَى مِنَ الْخَوْضِ فِيهِ بِالظَّنِّ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْبُخَارِيُّ هُنَا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يَدُلُّ صَرِيحًا عَلَى حَقِيقَةِ السَّمَرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ فِي التَّفْسِير وَغَيره من طَرِيق كريب عَنْ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ "فتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ .. " فَصَحَّتِ التَّرْجَمَةُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى تَعَسُّفٍ وَلَا رَجْمٍ بِالظَّنِّ، فَإِنْ قِيلَ هَذَا إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى السَّمَرِ مَعَ الْأَهْلِ لَا فِي الْعِلْمِ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ، وَالْجَامِعُ تَحْصِيلُ الْفَائِدَةِ، أَوْ هُوَ بِدَلِيلِ الْفَحْوَى لِأَنَّهُ إِذَا شَرَعَ فِي الْمُبَاحِ فَفِي الْمُسْتَحَبِّ مِنْ طَرِيقِ
[ ١٩١ ]
الْأَوْلَى (^١).
ورد الكرماني في عمدة القاري هذا القول فقال: ليس له توجه أصلًا فضلًا عن أن يكون هو الأولى.
• بعض معاني الكلمات:
الغطيط: صوت نفس النائم، والنخير أقوى منه، أما الخطيط فهو دون الغطيط.
• من فوائد الحديث الثاني:
الفائدة الأولى: جواز السمر في الفوائد العامة للمسلمين، وفي حديث ابن عمر: كان النبي ﷺ يسمر مع أبي بكر وعمر في الأمر من أمور المسلمين.
الفائدة الثانية: جواز السمر في العلم، ففي حديث أنس خطبنا النبي ﷺ بعد العشاء.
الفائدة الثالثة: وسطية الدين فقد كان النبي ﷺ ينام ويقوم.
الفائدة الرابعة: متابعة النبي ﷺ للكبير والصغير واطمئنانه على أحوال رعيته في قوله «أنام الغليم».
الفائدة الخامسة: همة ابن عباس العالية من صغره، ولذلك أصبح بعدها بحر العلم وحبر الأمة.
الفائدة السادسة: التوجية والإرشاد للصغير وإن لم يكن مكلفًا لأخذه النبي ﷺ من وراء ظهره وجعله عن يمينه.
_________________
(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (١/ ٣٢٦) بتصرف. الكرماني = هو الإمام شمس الدين محمد بن يوسف بن علي الكرماني، أخذ العلم عن أبيه وجماعة من علماء بلده، ثم ارتحل، وتصدى لنشر العلم ببغداد ثلاثين سنة كما قال شهاب الدين بن حجي، توفي سنة ٧٨٦ هـ.
[ ١٩٢ ]