قال البخاري: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] إِلَى قَوْلِهِ ﴿الرَّحِيمِ﴾ [البقرة: ١٦٠] إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لا يَحْفَظُونَ» (^١).
قال البخاري: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ؟ قَالَ: «ابْسُطْ رِدَاءَكَ» فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «ضُمَّهُ» فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ.
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ بِهَذَا أَوْ قَالَ: غَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ (^٢).
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث بالإفراد والجمع، وفيه العنعنة.
(٣) أنَّ رواته كلهم مدنيون.
(٤) فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
(٥) من لطائف هذا الإسناد:
(٦) أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
(٧) أنَّ رواته كلهم مدنيون.
[ ١٩٣ ]
قال البخاري: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ " (^١).
• مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله:
أنَّ من يسمر بالعلم فإنه يسمر من أجل حفظه، والحديث الأول مطابقته للترجمة أنَّ الإكثار لا يكون إلا عن حفظ.
• تراجم بعض الرواة:
(عبد العزيز بن عبد الله): هو الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون المدني، توفي سنة ١٦٤ هـ.
(الأعرج): هو الإمام أبو داود عبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني، يُذكر أحيانًا باسمه وكذلك بلقبه، كان عالمًا بالأنساب والعربية، توفي سنة ١١٧ هـ بالاسكندرية.
(أحمد بن أبي بكر): هو الإمام أبو مصعب أحمد بن أبي بكر واسمه القاسم بن الحارث القرشي المدني، كان عالمًا بمذاهب أهل المدينة، توفي سنة ٢٤٢ هـ.
(محمد بن إبراهيم بن دينار): هو الإمام أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن دينار الجهني، وكان فقيهًا فاضلًا، له بالعلم رواية وعناية، توفي سنة ١٨٢ هـ.
(حدثنا أخي): هو الإمام عبد الحميد بن عبد الله بن أبي أويس المدني، توفي
_________________
(١) من لطائف هذا الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث بصيغة الإفراد والجمع، وفيه العنعنة.
(٣) أنَّ فيه رواية الأخ عن أخيه.
(٤) أنَّ رواته كلهم مدنيون.
[ ١٩٤ ]
سنة ٢٠٢ هـ.
(إبراهيم بن المنذر): هو الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر القرشي المدني، قال عنه الزبير بن بكار: كان له علم بالحديث ومروءة وقدر، توفي سنة ٢٣٦ هـ.
(ابن أبي فديك): هو الإمام أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبى فديك المدني، توفي سنة ٢٠٠ هـ على الصحيح.
• فوائد الباب:
• أولًا: من فوائد الحديث الأول:
الفائدة الأولى: فضيلة حفظ العلم والمواظبة عليه.
الفائدة الثانية: فضيلة أبي هريرة ﵁ لحفظه للعلم.
الفائدة الثالثة: التقليل من الدنيا وإيثار طلب العلم على طلب المال.
الفائدة الرابعة: جواز إخبار الإنسان عن نفسه وفضيلته إن اضطر لذلك، وأمن من الرياء والعجب.
الفائدة الخامسة: جواز الإكثار من الحديث.
الفائدة السادسة: جواز التجارة والعمل ولا محظور في ذلك إن لم يضيع حقًّا من الحقوق.
الفائدة السابعة: جواز الاقتصار على مجرد الشبع.
الفائدة الثامنة: عدم المبالاة بالناس واتهاماتهم إن كان اتباع الناس في ذلك سيضيع حقًّا من الحقوق، أو يخالف نصًّا.
الفائدة التاسعة: الأدب والألفة بين المسلمين في قول أبي هريرة (إنَّ إخواننا ).
[ ١٩٥ ]
الفائدة العاشرة: التواضع في قوله "وإنَّ أبا هريرة" حيث تكلم بصيغة الغائب عن نفسه.
الفائدة الحادية عشرة: العطاء في العلم والزيادة فيه ملازم لأمرين: التقلل من الدنيا، والحضور والملازمة لأهل العلم كما سبق.
فقد تقلل أبو هريرة من الدنيا حتى أنه كان يعيش بشبع بطنه، وأما الملازمة فقد لازم النبي ﷺ زمنًا، وكان خادمًا له.
• ثانيًا: من فوائد الحديث الثاني:
الفائدة الأولى: جواز الشكوى للمعلم وطلب النصح منه، وإن كان في أمور الشريعة.
الفائدة الثانية: الفيض الإلهي والعطاء يكون له أساب منها: الطلب، وكذلك ما سبق من التقلل من الدنيا.
الفائدة الثالثة: الحفظ والعلم قد يكون بأسباب مادية من العبد، وقد يكون بالفيض الإلهي، لكن كل شيء بحكمة.
الفائدة الرابعة: الحث على طلب العلم وحفظه، وطلب أسباب ذلك.
الفائدة الخامسة: سعة حفظ أبي هريرة.
الفائدة السادسة: وفيه جواز إطلاق المحل وإرادة الحال، وذلك في قوله وعاءين أي نوعين من العلم، والمراد حفظت ما لو كُتِبَ لملأ وعاءين.
الفائدة السابعة: جواز كتم بعض العلم عند العامة إن كان في ذلك مضرة.
[ ١٩٦ ]