قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ»، فَقَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» (^١).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ العلم إنما يؤخذ ويحفظ من العلماء، ولابد فيه من الإنصات لكلام العلماء حتى لا يشذ عنه شيء، ولا يضيع منه شيء.
• تراجم بعض الرواة:
(حجاج): هو الإمام أبو محمد حجاج بن منهال البصري الأنماطي، كان من خيار الناس، توفي سنة ٢١٦ هـ، وقيل: ٢١٧ هـ.
(علي بن مدرك): هو الإمام أبو مدرك علي بن مدرك النخعي الكوفي، توفي سنة ١٢٠ هـ.
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) فيه التحديث والإخبار بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة.
(٣) أنَّ رواته ما بين كوفي وبصري وواسطي.
(٤) فيه رواية الابن عن جده.
[ ١٩٧ ]
(أبو زرعة بن عمرو): هو الإمام أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، واختلفوا في اسمه فقيل: هرم، وقيل عمرو، وقيل عبد الرحمن، وقيل جرير.
• المعنى الإجمالي للحديث:
اختلف العلماء في معنى قوله ﷺ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا» على أقوال:
فقال بعضهم: إنَّ ذلك كفر في حق المستحل.
وقيل: إنَّ المراد كفر النعمة وهي نعمة الإسلام.
وقيل المعنى: دوموا مسلمين بأقوالكم وأفعالكم وأحوالكم، ولا تفعلوا أفعال الكفار.
وقيل: إنَّ المراد بالكفر أي المتكفرين بالسلاح.
وقيل: المعنى: لا يُكَفِّر بعضكم بعضًا فتستحلون قتال بعضكم، وقيل غير ذلك.
كل ذلك لأنه معلوم عند أهل السنة أنَّ القتل ليس بكفر.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: النهي عن التشبه بالكفار أو فعل أفعالهم.
الفائدة الثانية: الإنصات للعلماء لازم للمتعلم حتى لا يفوته شيء من العلم، وأنه من الأدب مع العلماء.
الفائدة الثالثة: وفيه بيان قدر العلم وأهله، وأهمية العلم، قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢].
الفائدة الرابعة: الإنصات عند قراءة حديث النبي ﷺ، والإنصات للعلماء لأنهم يبلغون سنته.
[ ١٩٨ ]
تنبيه: تمسك بهذا الحديث بعض أهل البدع على نفي الإجماع لأنه نهى الأمة كلها عن القتال، ولولا جواز إجماعهم على القتال لما نهاهم، فمن الممكن إذًا أن يجمعوا على شيء خطأ، أو على معصية.
والجواب: جاء من قبل النص لا من عدم الإمكان أي أنَّ: الإمكان ممكن إن لم يرد النص، وقد اجتمعت أمم من قبلنا على الباطل، ولكن هذه الأمة ورد أنها لا تجتمع على ضلالة بخبر الصادق المصدوق ﷺ، والمفهوم من آيات القرآن الكريم، وليس كل شيء ينهى عنه الله ﵎ أو ينهى عنه النبي ﷺ يمكن وقوعه ممن وُجِّه إليه الخطاب، فقد يكون الخطاب عامًّا ويراد البعض، أو يكون ذلك تحذيرًا لغيره، فقد قال تعالى للنبي ﷺ ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، والنبي ﷺ معصوم من الشرك قطعًا.
الفائدة الخامسة: في الحديث دليل على أنَّ القتال لن يحدث في وجود النبي ﷺ لقوله ﷺ " لا ترجعوا بعدي ".
الفائدة السادسة: أنَّ الإستماع والإنصات هو أول العلم، ثم العمل، ثم تبليغ العلم.
[ ١٩٩ ]