قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ الجَمْرَةِ وَهُوَ يُسْأَلُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلا حَرَجَ»، قَالَ آخَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ قَالَ: «انْحَرْ وَلا حَرَجَ»، فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلا حَرَجَ» (^١).
• سؤال: ما غرض البخاري من هذا التبويب؟
الجواب: ذكر البخاري هذا التبويب ليدل على جواز أن يُسأل العالم وهو مشتغل بطاعةٍ أخرى إذا لم يمنعه من طاعته التي هو فيها.
• تراجم بعض الرواة:
(أبو نعيم): هو الإمام أبو نعيم الفضل بن دُكين واسمه عمرو بن حماد القرشي الكوفي، وذُكر عند الإمام أحمد بن حنبل فأثنى عليه، وقال: ثقة، توفي ﵀ سنة ٢١٨ هـ، وقيل ٢١٩ هـ.
_________________
(١) من لطائف هذا الإسناد:
(٢) فيه التحديث والعنعنة.
(٣) رواته ما بين كوفي ومدني ومصري.
[ ٢٠٧ ]
• بعض معاني الكلمات:
(النحر): ذبح الإبل خاصة؛ لأن النحر هو الصدر والإبل تذبح في اللَّبّة - بفتح اللام وتشديد الباء - وهي آخر الحلق يتصل بالصدر.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: أنَّ الفتيا ليس بقادح فى الذكر على اعتبار أنَّ العلماء يعتبرون أنَّ رمى الجمار ذكر؛ لأنها عبادة والعبادة ذكر، والفتيا لا تمنع من الذكر ولا تعارضه، بل هي أيضًا من الذكر.
الفائدة الثانية: فيه أيضًا أنه يجوز للقاضي والمفتي الفتوى حال انشغاله، لكن بشرط أن يكون متيقظًا للسؤال والجواب ومناط الأحكام وما إلى ذلك، ولا يعارض ذلك قول النبي ﷺ: " لا يقضى القاضي وهو غضبان " ذلك لانشغال القلب والفكر، لكن المفتي لو كان منشغلًا لكنه مستحضر القلب والبال ويعلم السؤال والجواب فلا مانع من ذلك.
الفائدة الثالثة: وفيه أيضًا جواز الكلام وقت رمى الجمار.
الفائدة الرابعة: وفيه دليل أنَّ الأصل فى أفعال الحج الترتيب، لقول النبي ﷺ: «خذوا عنى مناسككم»، وفهم الصحابة ﵃ أنَّ أخذ المناسك تكون على هيئتها وعلى ترتيبها لذلك لما اختل الترتيب عند بعضهم عادوا للنبي ﷺ وسألوه، فأجاز النبي ﷺ ذلك، وهذا يدل على أنَّ الخلل فى الترتيب ليس هو الأفضل، بل الأفضل والأولى الترتيب.
الفائدة الخامسة: فيه دليل على أنَّ الأمر قد يخرج للإباحة، ويشهد ذلك للقاعدة الأصولية: أنَّ الأمر إذا جاء لدفع ما يتوهم أنه محظور دل على أنه مباح، ففى قول النبي ﷺ: «انحر ولا حرج» صورة من الصور التي يكون فيها الأمر للإباحة.
الفائدة السادسة: وفيه دليل على يسر الشريعة ورفع الحرج، وهذا أمر عام فى الحج فمتى استطاع المفتي فى الحج أن ييسر على الناس طالما أنَّ له مسوغًا شرعيًّا فلا بأس بذلك.
[ ٢٠٨ ]