﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]
قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَرِبِ المَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ يَا أَبَا القَاسِمِ مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ، قَالَ: «﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]». قَالَ الأَعْمَشُ: هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا (^١).
• مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله:
أنَّ كلًّا منهما مشتملٌ على سؤالٍ للعالم غير أنَّ المسؤول عنه قد بُيِّن فى الحالة الأولى، ولم يُبَيَّن فى الحالة الثانية، وهو يدل على أنَّ الجواب لا يكون فى كل وقتٍ مناسبًا للسائل، فقد يجاب عنه وقد لا يجاب، لأنه قد يكون مما اختص الله ﷾ به نفسه.
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) فيه التحديث والعنعنة.
(٣) كل رواته ما بين بصري وكوفي.
(٤) فيه ثلاثة من التابعين يروي كل منهم عن الآخر.
(٥) فيه إسناد الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود يقال إنه من أصح الأسانيد.
[ ٢٠٩ ]
• تراجم بعض الرواة:
(قيس بن حفص): هو الإمام أبو محمد قيس بن حَفْص بن القَعْقاع التّميميّ الدارميّ البصري، توفي سنة ٢٢٧ هـ.
• انفرد البخاري به عن الأئمة الخمسة، وليس في مشايخهم من اسمه قيس سواه.
(عبد الواحد): هو الإمام أبو بشر عبد الواحد بن زِياد العَبْديّ، توفي سنة ١٧٦ هـ، وقيل سنة ١٧٧ هـ، ليس من رواة الكتب الستة من اسمه عبد الواحد بن زياد سواه.
• بعض معاني الكلمات:
العَسِيب: - بفتح العين وكسر السين - جريد النخل إن لم تنبت عليه الخوص.
النفر: ما بين الثلاثة إلى العشرة.
• اختلفوا في المراد بالروح هل هي الروح التي بها حياة الأبدان، أم المقصود به جبريل؟
هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا: أي أوتوا بلفظ الغيبة، والضمير يعود لليهود.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: فيه فضل ابن مسعود ﵁، وأنه كان ملازمًا للنبي ﷺ، وكان يمشى معه قال " بينا أنا أمشى مع النبي ﷺ فى خرب المدينة ".
الفائدة الثانية: فيه شدة تحرى الصحابة للنقل، قال ابن مسعود ﵁ " بينا أنا أمشى مع النبي ﷺ فى خرب المدينة وهو يتوكأ على عسيبٍ معه " كل ذلك لدقة النقل.
[ ٢١٠ ]
الفائدة الثالثة: حب الصحابة للنبي ﷺ، وشدة ارتباطهم به، يقول ابن مسعود: " بينا أنا أمشى مع النبي ﷺ "، وقال معاذ "كنت رديف النبي " (^١)، " أخذ النبي ﷺ بيدي وقال يا معاذ إنى أحبك " (^٢)، فهذا يدل على فضل هؤلاء الصحابة، وشدة ارتباطهم بالنبي ﷺ.
الفائدة الرابعة: فيه استحباب الاتكاء على شيء، ولا يلزم أن يكون الاتكاء من علة أو مرض، وفيه أيضًا جواز سؤال العالم أثناء مشيه ما لم يُثقل عليه.
الفائدة الخامسة: فيه دليل على أنَّ العلم منه أشياء لم يطَّلع عليها الأنبياء، ولا الملائكة، وتكون أشياء اختص الله ﵎ بها نفسه.
الفائدة السادسة: فيه أيضًا دليل على قلة علم الإنسان مهما أوتى من العلم، قال تعالى ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
الفائدة السابعة: فيه إجلال أهل العلم وتهيئة الأمور لهم لتعليم الناس، قال ابن مسعود فسكت، فقلت: إنه يوحى إليه، فقمت، قيل: قام حتى لا يشوش على النبي ﷺ فقام وابتعد، وقيل: إنه قام وحجب اليهود عنه حتى لا يشوشوا عليه.
الفائدة الثامنة: فيه دليل على غي اليهود وضلالهم - عليهم من الله ما يستحقون -؛ لأنهم كانوا يعلمون نبوة النبي ﷺ، وذلك يظهر في قولهم "لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه"، لكن مع ذلك أصَرَّ البعض على أن يسأل تعنتًا، وهم يعلمون أنَّ هذه من الأشياء التي اختص الله ﵎ بها نفسه ﷾.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٧/ ١٧٠ ح ٥٩٦٧) ط طوق النجاة، ومسلم في صحيحه (١/ ٨٥ ح ٤٨، ح ٤٩) ط إحياء التراث.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٣٦/ ٤٣٠، ح ٢٢١١٩، ٢٢١٢٦) ط الرسالة بإسناد صحيح، وكذلك أبو داود في سننه (٢/ ٨٢، ح ١٥٢٢) ط المكتبة العصرية، والنسائي في السنن الكبرى (٢/ ٨٠، ح ١٢٢٧، ح ٩٨٥٧) ط الرسالة.
[ ٢١١ ]