فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ، فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ
قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ الزُّبَيْرِ، كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي الكَعْبَةِ؟ قُلْتُ: قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " يَا عَائِشَةُ لَوْلا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ - قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ - بِكُفْرٍ، لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ " فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ (^١).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
في الباب السابق ترك الجواب عن السائل لحكمة اقتضت ذلك، وأما هنا ترك بعض المختار لحكمة اقتضت ذلك أي ترك بعض الأحكام والأوامر لحكمة.
• تراجم بعض الرواة:
(عبيد الله بن موسى): هو أبو محمد عبيد الله بن موسى بن أبي المختار، قال عنه العجلي: ثقة، رأس في القرآن، عالم به، ما رأيْتُه رافعًا رأسه، وما رُئِي ضاحكًا قط، توفي سنة ٢١٣ هـ.
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) فيه التحديث والعنعنة.
(٣) أنَّ الرواة إلى الأسود كلهم كوفيون.
[ ٢١٢ ]
(إسرائيل): هو الإمام أبو يوسف إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الهَمدانيّ الكوفيّ، توفي سنة ١٦٠ هـ.
(أبو إسحاق): هو الإمام أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، وقال ابن المَدينيّ: أحصينا مَشْيَختَه نحوًا من ثلاث مئة شيخ، وقال مرة أربع مئة. قال عن نفسه: ذهبت الصلاة منّي وضَعُفْت، فما أقدر أن أصلّي إلا بالبقرة وآل عمران. توفي سنة ١٢٦ هـ، وقيل غير ذلك.
(الأسود): هو الإمام الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، قال عنه الحكم: كان الأسود يصوم الدهر كله، وذهبتْ إحدى عينيه في الصوم، حج مع أبي بكر وعمر وعثمان، توفي سنة ٩٥ هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: الحديث دليل على قاعدة أصولية تقول: إذا تزاحم واجبان في حق شخص واحد في وقت واحد فيجب عليه أن يقدم أعلاهما، فقد تزاحم في حق النبي ﷺ واجب إعادة الكعبة إلى وضعها الأصلي، وواجب الحفاظ على دين المسلمين، وعدم وقوع الفتنة بينهم، فقدَّم اجتماع المسلمين، فلما زال ذلك فعل ابن الزبير هذا الأمر، قال النووي: وفيه إذا تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم (^١).
الفائدة الثانية: النفوس تحب أن تساس بما تأنس إليه في دين الله من غير الفرائض.
_________________
(١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للإمام النووي (٩/ ٨٩) ط إحياء التراث. النووي = هو الإمام الحافظ محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، صاحب التصانيف النافعة منها: شرح صحيح مسلم، ورياض الصالحين، والمجموع شرح المهذب، وغيرها، كان ذا همة عالية فكان يقرأ كل يوم اثنتي عشر درسًا على المشايخ، أثنى عليه جمع من الأئمة، توفي ﵀ سنة ٦٧٦ هـ.
[ ٢١٣ ]
الفائدة الثالثة: اهتمام ولي الأمر بمصالح رعيته ومتابعة ذلك.
الفائدة الرابعة: وجوب تأليف القلوب وحسن حياطتها وعدم تنفيرها.
الفائدة الخامسة: على الإمام أن يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولًا ما لم يكن محرمًا.
الفائدة السادسة: فعل ابن الزبير يدل على أنَّ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فالخوف من الفتنة لما زال واستقر الإسلام أعاد ابن الزبير الكعبة إلى وضعها الأصلي.
الفائدة السابعة: دليل على أنَّ التكليف بالنص إذا سلم من المعارض، فالنبي ﷺ مكلف بإعادة الكعبة إلى وضعها الأصلي لكن قام له معارض، فاعتبر أنَّ هذا التكليف غير واقع في حقه ﷺ.
[ ٢١٤ ]