كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا
قال البخاري ﵀: وَقَالَ عَلِيٌّ: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ».
وقال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ.
• هذا الإسناد من عوالي البخاري إذ هو ملحق بالثلاثيات فإنَّ الراوي الثالث صحابي.
وقال: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ»، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلاثًا، قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ»، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا» وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا (^١).
_________________
(١) من لطائف هذا الإسناد:
(٢) فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد، وفيه الإخبار والعنعنة.
(٣) رواته كلهم بصريون ماعدا إسحاق بن إبراهيم وقد دخلها.
(٤) فيه رواية الابن عن أبيه.
[ ٢١٥ ]
وقال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ»، قَالَ: أَلا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لا. إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا» (^١).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
الجواب: في الباب السابق كان ترك بعض المختار مخافة قصور فهم البعض، وأما هنا ففيه ترك بعض الناس من التبليغ بالعلم لقصور فهمهم، والترجمة السابقة مطلقة أما هذه الترجمة مقيدة، ولا يعتبر ذلك كتمانًا للعلم.
• تراجم بعض الرواة:
(معروف بن خربوذ): هو العلامة معروف بن خربوذ المكي، ليس له في البخاري إلا هذا الخبر.
(إسحاق بن إبراهيم): هو الإمام إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المعروف بابن راهويه، قال الإمام محمد الطوسي: ما أعلم أحدًا كان أخشى لله من إسحاق، توفي سنة ٢٣٠ هـ.
(معاذ بن هشام): هو الإمام معاذ بن هشام الدَّسْتَوائيّ البصري، توفي سنة ٢٠٠ هـ.
(أبيه): هو الإمام هشام بن أبي عبد الله - واسمه سَنْبَر - أبو بكر البصري الدَّسْتَوائيّ، أخرج له الجماعة، قال شعبة عنه: ما من الناس أحدٌ أقول: إنه طلب
_________________
(١) من لطائف هذا الإسناد:
(٢) فيه أنَّ التحديث والسماع مكررًا.
(٣) أنَّ رواته كلهم بصريون.
(٤) فيه رواية الابن عن أبيه.
(٥) وهذا الإسناد من رباعيات العوالي للإمام البخاري.
[ ٢١٦ ]
الحديث، يريد به وجه الله تعالى إلا هشام، توفي ﵀ سنة ١٥٣، أو ١٥٤ هـ.
(قتادة): هو الإمام قتادة بن دعامة السدوسي أبوالخطاب البصري، وهو رأس في العلم، توفي ﵀ سنة ١١٧ هـ.
(أبو الطفيل): هو عامر بن واثلة، وهو آخر الصحابة موتًا باتفاق أهل الحديث، ولد عام أحد، وتوفي وله مائة عام.
• بعض معاني الكلمات:
(لَقِيَ اللَّهَ): اللقاء كناية عن الموت.
• وصَرَّح في هذا الحديث بدخول الجنة؛ لأن التحريم على النار أعم مفهومًا منه إلا أنهما متلازمان لقوله تعالى ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: جواز تكرار الكلام لنكتة وقصد.
الفائدة الثانية: جواز الاستفسار من الإمام عما يتردد فيه، واستئذانه في إشاعة ما يعلم به وحده.
الفائدة الثالثة: جواز الإجابة بلبيك وسعديك.
الفائدة الرابعة: فيه بشارة عظيمة للموحدين.
الفائدة الخامسة: فيه دليل لتخصيص قوم بالعلم لما فيهم من الضبط وصحة الفهم.
الفائدة السادسة: لا تبذل المعاني الدقيقة واللطيفة لمن لا يستأهلها ولا يفهمها.
الفائدة السابعة: لا يذكر المتشابه عند العامة، ومما يؤيد ذلك أيضًا ما ذكره مسلم في مقدمة كتابه عن ابن مسعود: وما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا يبلغه
[ ٢١٧ ]
عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.
الفائدة الثامنة: فضل معاذ لركوبه رديف النبي ﷺ، وهذا يشهد للمثل الذي يقول: ليس العبرة ما تركب إنما العبرة من تصحب، فقد كان يصحب النبي ﷺ، وإن كان يركب حمارًا.
الفائدة التاسعة: أدب معاذ في إجابته للنبي ﷺ: لبيك وسعديك مرات.
الفائدة العاشرة: فضل معاذ بتخصيصه ببعض العلم.
الفائدة الحادية عشرة: الإيمان قول وعمل لقوله (صدقًا من قلبه) ليس من لسانه كالمنافقين.
الفائدة الثانية عشرة: قوله "صدقًا": قال البعض أنها أقيمت هنا مقام الاستقامة؛ لأن الصدق يعبر به قولًا عن مطابقة المخبر عنه، وفعلًا عن تحري الأخلاق المرضية قال تعالى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣].
والأدلة الأخرى تدل على أنَّ ظاهر الحديث ليس مرادًا لثبوت الأدلة أنَّ فئة من الموحدين تدخل النار؛ لذا اختلفوا في معنى الحديث.
فقيل: إنها مطلقة مقيدة بمَن قالها تائبًا ثم مات.
وقيل: كان ذلك قبل نزول الفرائض، وفيه نظر لأن مثله ورد عن أبي هريرة وصحبته متأخرة.
وقيل: خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أنَّ الموحد يعمل بالطاعة ويجتنب المعصية.
وقيل: إنَّ المراد تحريم الخلود وليس الدخول.
وقيل: إنَّ المراد بالنار هنا نار الكافرين وليست نار الموحدين.
وقيل: تحريم الدخول العام أو المجمل؛ لأن النار لا تأكل كل الجسد، حيث
[ ٢١٨ ]
إنها لا تأكل مواضع السجود كما ورد في الحديث، وقيل غير ذلك.
• ملحوظة:
قال ابن حجر: وَرَوَى الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لِمُعَاذٍ فِي التَّبْشِيرِ، فَلَقِيَهُ عُمَرُ، فَقَالَ لَا تَعْجَلْ، ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَنْتَ أَفْضَلُ رَأْيًا، إِنَّ النَّاسَ إِذَا سَمِعُوا ذَلِكَ اتَّكَلُوا عَلَيْهَا، قَالَ فَرَدَّهُ (^١).
الفائدة الثالثة عشرة: علم الصحابة بالقواعد والأصول، فإخبار معاذ قد يكون لأسباب: أنه فهم أنَّ النهي للتنزيه وليس للتحريم فأخبر بها عند الموت، وإما أنه رأى أنَّ العلة قد زالت فأخبر البعض، وإما أنه رأى أنَّ مفسدة إخفاء العلم في زمنه أكبر من هذا، وغير ذلك.
الفائدة الرابعة عشرة: تواضع النبي ﷺ لإردافه معاذًا خلفه.
الفائدة الخامسة عشرة: وفيه جواز الإرداف.
_________________
(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري (١/ ٢٢٧) ط دار المعرفة.
[ ٢١٩ ]