قال البخاري ﵀:
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «لَا يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحْيٍ وَلَا مُسْتَكْبِرٌ»، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ».
قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا رَأَتِ المَاءَ»، فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ، تَعْنِي وَجْهَهَا، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا» (^١).
قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِيَ مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟» فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) فيه التحديث والعنعة والإخبار.
(٣) فيه رواية صحابية عن صحابية، ورواية تابعي عن مثله.
(٤) وكذلك فيه رواية الابن عن أبيه، ورواية البنت عن أمها.
(٥) وفيه إدراج وهو قول زينب - ﵂ فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ - وكذلك إدراج قول عروة أو غيره من الرواة قوله أي وجهها.
[ ٢٢٠ ]
النَّخْلَةُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا بِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: «لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا».
• مناسبة هذا الباب بالباب الذي قبله:
أنَّ السابق تخصيص قومٍ بالعلم لمعني، ثم ذكر عقبه هذا الباب - باب الحياء في العلم - تنبيهًا علي أنه لا ينبغي لأحد أن يستحي من السؤال مما له فيه حاجة زاعما أنَّ العلم مخصوص بقوم دون قوم، بل عليه أن يسأل عن كل ما يحتاجه من أمر دينه ودنياه.
• تراجم بعض الرواة:
(مجاهد): هو الإمام أبو الحجاج مجاهد بن جبر القرشي المكي، وقال الذهبي عنه: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به، توفي سنة ١٠١ هـ، وقيل غير ذلك.
(أبو معاوية): هو الإمام محمد بن خازم التميمي السَّعْدي الكوفي، وهو أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره. توفي سنة ١٩٤ هـ.
(هشام بن عروة): هو الإمام هشام بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، اختلف في وفاته فقيل: سنة ١٤٥ هـ، وقيل سنة ١٤٦ هـ.
• أم سُليم: اختلف في اسمها فقيل: سهلة، وقيل: رميلة وقيل غير ذلك، ولكنها اشتهرت بكنيتها، وكانت من عقلاء النساء، وهي أم خادم النبي ﷺ أنس بن مالك ﵁.
[ ٢٢١ ]
• بعض معاني الكلمات:
الحياء: هو خُلق داخلي يبعث الإنسان على فعل ما يجمله ويزينه، ويمنعه عما يشينه، ويحمله على فعل الفضائل، ويمنعه عن الرذائل وخوارم المروءة.
(احْتَلَمَتْ): أي من الحُلم - بالضم - وهو ما يراه النائم، يقال: حَلَم الرجل - بفتح اللام - واحتلم. والمقصود ما تراه المرأة من المواقعة مع الرجل أي الجماع.
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا: أي من حُمر النعم كما ورد عند الحميدي في مسنده، وكذلك ابن حبان في صحيحه بإسناد صحيح.
• في الباب فوائد منها:
• أولًا: من فوائد الحديث الأول:
الفائدة الأولى: أنَّ الحياء لا يمنع من طلب الأحكام والتعلم كما فعلت أم سليم ﵂.
الفائدة الثانية: فيه دليل أنَّ المرأة تحتلم إلا أنه نادر، وهذا يظهر في إنكار أم سلمة ﵂.
الفائدة الثالثة: وجوب الغسل من الاحتلام للرجل والمرأة.
الفائدة الرابعة: أنَّ الحياء المذموم هو ما يمنع من تعلم أمور الشرع وهذا يعتبر ضعف وعجز، أما الحياء فلا يأتي إلا بخير.
الفائدة الخامسة: فقه بعض النساء كأم سليم ﵂ حيث إنها أحسنت السؤال، فقبل أن تسأل - وهو سؤال خاص بالنساء، وكان بحضرة الرجال - بسطت عذرها أولًا للسؤال فقالت (إنَّ الله لا يستحي من الحق)، قال تعالى ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، فكأنها تقول فكما أنَّ الله لا يستحي من الحق، فكذلك أنا لا أستحي أن أسأل عن الحق الذي أحتاجه.
[ ٢٢٢ ]
الفائدة السادسة: فيه قول النبي ﷺ تربت يمينك أي افتقرت وصارت علي التراب، وهي من الألفاظ التي تطلق عند الزجر، ولا يراد ظاهرها، فلا يراد المعنى الحقيقي لها.
الفائدة السابعة: أنَّ للمرأة ماءًا كالرجل، ومنه يكون الشبه بالأم.
الفائدة الثامنة: أنَّ ماء الرجل والمرأة يكون سببًا لمشابهة الولد لهما.
• ثانيًا: من فوائد الحديث الثاني:
الفائدة الأولى: ذكر الإمام البخاري هذا الحديث في غير باب، وإن كان ذكره هنا قد يكون لسبب، فذكر حديث ابن عمر هنا لقول ابن عمر " فاستحييت "، وأيضًا لتأسف عمر علي كونه لم يقل لتظهر فضيلته أمام النبي ﷺ، وكأنَّ عمر يقول له كان أولي بك أن تذكر ولا يمنعك الحياء، وكان يمكنه إذا استحيا إجلالًا لمن هو أكبر منه أن يذكر ذلك لغيره سرًّا ويخبر عن نفسه، فيكون جمعًا بين المصلحتين.
الفائدة الثانية: الابن الموفق في العلم أفضل مكاسب الدنيا.
الفائدة الثالثة: جواز جلوس الصغير في مجالس الكبار، وإن كان عنده شئ من العلم ثم طُلب منه أن يُلقيه فلا بأس بإلقائه ولا يستحي.
الفائدة الرابعة: ينبغى على الصغير ألا يحتقر نفسه إذا كان بين الكبار، وأن يلقي ما عنده من العلم إن سُئل عنه.
[ ٢٢٣ ]