قال البخاري ﵀: حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^١).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
الجواب: أنَّ كلا البابين سؤال وجواب، وكلاهما سؤال من رجل خاص وجاء الجواب عامًّا لأنه مما يشترك فيه العامة، لكن الفرق أنَّ الأول بواسطة، والثاني بغير واسطة.
• معاني بعض الكلمات:
(أَنْ نُهِلَّ): الإهلال هو رفع الصوت بالتلبية، والمراد من أي مكان نُحرم منه؟.
(ذو الحُلَيْفَةِ): الحليفة هي تصغير الحلفاء، وهو شجر بري معروف، وسمي هذا المكان بهذا الاسم لكثرته، وتبعد عن المدينة ستة أميال أو سبعة، وهي أبعد
_________________
(١) من لطائف هذا الإسناد:
(٢) فيه التحديث بقوله (حدثني)، وفي بعض النسخ (حدثنا)، وفيه العنعنة بقوله (عن).
[ ٢٢٦ ]
المواقيت عن مكة، وهي الآن تُسمى بأبيار علي.
(الجحفة): هي قرية خربة قديمة تُسمى مَهْيعة دعا النبي ﷺ أن يُنقل حمى المدينة إليها، وأعيدت الآن وبينها وبين مكة تقريبًا ٢٠٠ كم، وهي ميقات أهل مصر حاليًا، وأهل مصر لا يحرمون بها، بل يُحرمون من مكان يوازيها يُقال له رابغ.
• ذكر صاحب الكوثر الجاري أنه حج عام ٨٤١ هـ مع أهل مصر فسأل بعض العارفين بتلك البقاع عن عدم إحرامهم من الجحفة، فذكر له: أنه من بات بها يحصل له الحمى من أثر دعاء النبي ﷺ.
(نجد): هي الرياض حاليًا.
(قرن): هي قرن المنازل وتبعد عن مكة تقريبًا ٩٤ كم، وتسمى الآن السيل الكبير.
(يلملم): اسم لوادٍ أو جبلٍ يمر به أهل اليمن، ويسمى الآن السَّعْدية.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: الاستعداد للعبادة بالسؤال عنها قبل الإقدام عليها، وذلك أنَّ السؤال كان قبل السفر من المدينة لقوله (في المسجد).
الفائدة الثانية: أنَّ الأمر للوجوب؛ لقول الصحابة: أين تأمرنا أن نهل؟
الفائدة الثالثة: فيه الجواب الحكيم من النبي ﷺ، وهو الانتقال من حالة الرجل إلى الجواب العام له، ولغيره، ولشبيهه.
الفائدة الرابعة: جواز السؤال والقيام في المسجد.
الفائدة الخامسة: جواز القيام من أجل السؤال إن كان هناك حاجة.
الفائدة السادسة: وفي قول ابن عمر (وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَيُهِلُّ
[ ٢٢٧ ]
أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ) هو شدة تحريه وورعه وحرصه على العلم أنَّ ما أتقنه بلغه، فيه أيضًا إشارة أنه ربما لم يسمعه من النبي مباشرة إنما سمعه بواسطة، وربما أنه سمعه ولم يضبطه فصار يرويها عن غيره.
الفائدة السابعة: بيان المواقيت المكانية للحج.
الفائدة الثامنة: وفيه جواز إطلاق الزعم على القول المحقق؛ لأن القائل صحابي ولا يجوز أن ينسبه ابن عمر إلى الزور والقول الباطل.
[ ٢٢٨ ]