قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ فَقَالَ: «لَا يَلْبَسُ القَمِيصَ، وَلَا العِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا البُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الكَعْبَيْنِ» (^١).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
اشتمال كلا البابين أيضًا على سؤال وجواب، وكلاهما اشتمل على الجواب الحكيم، فالسابق انتقل فيه ﷺ من الخاص إلى العام، وهنا انتقل من غير المحصور إلى المحصور.
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) فيه التحديث بقوله (حدثنا)، والعنعنة بقوله (عن).
(٣) رواته كلهم مدنيون عدا آدم وهو ابن أبي إياس.
(٤) فيه رواية تابعي عن مثله وهو الزهري عن سالم. • قوله (وعن الزهري): إشارة إلى تحول الإسناد فكما روى ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر، فكذلك رواه الزهري عن نافع عن ابن عمر. ومن أصح الأسانيد عند الإمام أحمد وإسحاق - رحمهما الله -: الزهري عن سالم عن ابن عمر.
[ ٢٢٩ ]
• تراجم بعض الرواة:
(آدم): هو الإمام أبو الحسن آدم بن أبي إياس العسقلاني وهو من شيوخ الإمام البخاري، لما حضرته الوفاة، ختم القرآن وهو مسجى، ثم قال: بحبى لك إلا رفقت لهذا المصرع، كنت أؤملك لهذا اليوم، كنت أرجوك، ثم قال: لاإله إلا الله، ثم قضى.
• معاني بعض الكلمات:
(القميص): هو ما خيط على قدر البدن أو قدر عضو منه، لا كما يظن البعض بالنهى عن المخيط أي كل ما أُدخل فيه خيط.
(العمامة): هي ما يُلف على الرأس، وسُميت بذلك لأنها تعمُّ جميع الرأس، وينبه به على كل ساتر للرأس مخيطًا، أو غير مخيط.
(السراويل): قيل: كلمة فارسية معربة، وقيل: عربية لا مفرد لها، وقيل: مفردها سروالة، وهو ثوب مختص بالنصف الأسفل من البدن.
(البرنس): هو ثوب كان يلبسه النساك في صدر الإسلام ويشتهر الآن في بلاد المغرب، وهو ثوب رأسه ملتصق به.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: فيه الجواب الحكيم وذلك بأمور:
• الانتقال من غير المحصور إلى المحصور.
• ومنه أيضا جزيل فصاحته ومراعاته للمفهوم ﷺ، فلو أجاب فقال يلبس كذا وكذا قد يفهم منه بمفهوم المخالفة أنَّ غير المحرم لا يلبس هذه الأشياء.
• وأيضًا من جوابه الحكيم أنه سئل عن حالة الاختيار فأزاده حالة الاضطرار في مسألة النعلين.
الفائدة الثانية: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
[ ٢٣٠ ]
الفائدة الثالثة: على المفتي أن يُفَصِّل الجواب إذا احتيج لذلك، وإن لم يتفطن له السائل ويسأل عنه.
الفائدة الرابعة: أنه ينبغي على الإنسان أن يسلك أقصر الطرق للحصول على المقصود؛ لأن النبي ﷺ اقتصر على ما يمكن حصره، وهو الذي لا يُلبس، والحكمة فيه أنَّ ما يجتنبه المحرم ويمتنع عليه لبسه محصور، فذِكْرُه أولي، ويبقى ما عداه على الإباحة، بخلاف ما يُباح لبسه، فإنه كثير غير محصور، فذكره تطويل، وفيه تنبيه على أنَّ السائل لَمْ يُحسن السؤال، وأنه كان الأليق السؤال عما يتركه، فعدل عن مطابقته إلى ما هو أولى، وقريب منه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢١٥]، فالسؤال عن جنس المنفَق، فعدل عنه في الجواب إلى جنس المنفَق عليه؛ لأنه أهمّ، وكان اعتناء السائل بالسؤال عنه أولى.
الفائدة الخامسة: أجمعوا على أنَّ المراد بالمحرم في الحديث هو الرجل لا المرأة؛ لأنها لا تُمنع من لبس هذه الأنواع بالإجماع كما ذكره ابن المنذر.
الفائدة السادسة: وفيه التجرد عند القدوم على الله في مثل هذا، وترك الزينة، والتواضع لله تعالى.
قال الإمام ابن رَشِيد (ت ٧٢١ هـ): خَتَمَ الْبُخَارِيُّ كِتَابَ الْعِلْمِ بِبَابِ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَ عَنْهُ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّهُ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْجَوَابِ عَمَلًا بِالنَّصِيحَةِ وَاعْتِمَادًا عَلَى النِّيَّةِ الصَّحِيحَة، وَأَشَارَ قَبْلَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ بِتَرْجَمَةِ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ رُبَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ، فَأَتْبَعَ الطَّيِّبَ بِالطَّيِّبِ بِأَبْرَعِ سِيَاقٍ وَأَبْدَعِ اتِّسَاقٍ ﵀ (^١).
تم بحمد الله تعالى
_________________
(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري (١/ ٢٣٢) ط دار المعرفة.
[ ٢٣١ ]