﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]
قال البخاري ﵀: القِرَاءَةُ وَالعَرْضُ عَلَى المُحَدِّثِ وَرَأَى الحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ: «القِرَاءَةَ جَائِزَةً» وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي القِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ " بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ فَأَجَازُوهُ» وَاحْتَجَّ مَالِكٌ: " بِالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ أَشْهَدَنَا فُلانٌ وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ وَيُقْرَأُ عَلَى المُقْرِئِ، فَيَقُولُ القَارِئُ: أَقْرَأَنِي فُلانٌ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الوَاسِطِيُّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: «لا بَأْسَ بِالقِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ» وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفَرَبْرِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: إِذَا قُرِئَ عَلَى المُحَدِّثِ فَلا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ القِرَاءَةُ عَلَى العَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ.
في هذا الباب أراد البخاري ﵀ أن يثبت أنَّ القراءة على الشيخ مثل قراءة الشيخ على التلميذ، فهي صورة من صور التحمل والتعليم.
فيجوز للطالب أن يقرأ على الشيخ ويقول أقرأني الشيخ، أو علمني الشيخ، أو أعطاني ونحو هذا.
وسبب تبويب البخاري لهذا الباب هو: أنَّ هناك من العلماء وخاصة بعض علماء العراق في ذلك الزمان أو قبله كانوا ينكرون القراءة على الشيخ، فهو ليس
[ ٤٢ ]
تحملًا عندهم أي لابد أن تكون القراءة من الشيخ على الطالب.
• وجه مناسبة هذا الباب بالباب الذي قبله:
الباب السابق [بَابُ طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ] يعني قراءة الشيخ على الطالب، ثم جاء بهذا الباب بعده وهو قراءة الطالب على الشيخ، فالبخاري ﵀ يريد أن يذكر كل صور التحمل التي وردت من طريقه، سواء كانت بالتحديث أو بالقراءة على الشيخ، وهو يُبَيِّنُ أنَّ كليهما جائز عنده، واستدل على ذلك بحديث ضمام، فكأنه قرأ على النبي ﷺ (آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ».
قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ هُوَ المَقْبُرِيُّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «قَدْ أَجَبْتُكَ». فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ، فَلا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ؟ فَقَالَ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ» فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ».
فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ،
[ ٤٣ ]
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا (^١).
• تراجم بعض الرواة:
(الحسن): هو الإمام أبو سعيد الحسن بن أبى الحسن واسمه يسار البصرى الأنصارى، وهو شيخ أهل البصرة، أكثر كلامه حِكَمٌ وبلاغة، وهو أحد أئمة الهُدى والسنة، توفي سنة ١١٠ هـ.
(الثوري): هو الإمام أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثورى الكوفي، وهو أمير المؤمنين في الحديث، قال غير واحد من الأئمة: لم نر مثل سفيان، توفي سنة ١٦١ هـ.
(أبو عاصم): هو الإمام أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني المعروف بالنبيل، قيل: لقب بهذا اللقب لأجل أنه قدم الفيل البصرة، فذهب الناس ينظرون إليه، فقال له ابن جُريج: مالك لا تنظر؟ فقال: "لا أجد منك عوضًا"، فقال: أنت نبيل، وقال عن نفسه: مُذْ عَقَلْت أنَّ الغيبة حرام ما اغتبت أحدًا قطّ. اختلف في وفاته فقيل سنة ٢١١ هـ، وقيل سنة ٢١٢ هـ، وقيل غير ذلك.
(مالك): هو الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة، والكلام عنه وعن فضائله ومناقبه من نافلة القول. توفي سنة ١٧٩ هـ.
(محمد بن سلام): هو الإمام أبو عبد الله محمد بن سلام البيكندي محدث ما وراء النهر، قال عن نفسه: أنفقت في طلب العلم أربعين ألفًا، ومثلها في نشره، وانكسر قلمه يومًا في مجلس شيخه، فأمر أن يُنادى قلم بدينار، فتطايرت إليه
_________________
(١) من لطائف هذا الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث في قوله (حدثنا)، والعنعنة في قوله (عن)، والسماع في قوله (أنه سمع).
(٣) أنَّ رواته ما بين تنيسيّ ومصري ومدني.
(٤) أنَّ فيه رواية تابعي عن تابعي أي المقبري عن شريك.
[ ٤٤ ]
الأقلام.
(محمد بن الحسن الواسطي): هو الإمام محمد بن الحسن بن عمران المزنى الواسطى القاضي، وهو من الثقات.
(عوف): هو الإمام أبو سهل عوف بن أبى جميلة العبدى الهجرى البصري المعروف بالأعرابي، اختلف في وفاته فقيل سنة ١٤٦ هـ، وقيل: ١٤٧ هـ.
(محمد بن يوسف الفربري): هو الإمام أبو عبد الله محمد بْن يوسف بْن مطر بْن صالح بْن بِشْر الفربري، الفِرَبْرِيّ بكسر الفاء وفتْحها، نسبةً إلى قرية فِرَبْر من قرى بُخَارَى، سمع " الصحيح " من الْبُخَارِيّ تسعون ألف رَجُل، فما بقي أحدٌ يرويه غيري. توفي سنة ٣٢٠ هـ.
(عبيد الله بن موسى بن باذام): هو الإمام أبو عبيد الله بن موسى بن أبى المختار واسمه باذام الكوفي، كان عالمًا بالقرآن، رأسًا فيه كما قال العجلي. اختلف في وفاته فقيل سنة ٢١٣ هـ، وقيل غير ذلك.
(عبد الله بن يوسف): هو الإمام أبو محمد عبد الله بن يوسف التنيسى المصري، قال عنه ابن معين: ما بقى على أديم الأرض أحد أوثق فى " الموطأ " من عبد الله بن يوسف التنيسى. توفي سنة ٢١٨ هـ.
(الليث): هو الإمام أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمى المصري، قال عنه ابن بكير: رأيت من رأيت فلم أر مثل الليث. توفي سنة ١٧٥ هـ.
(سعيد المقبري): هو الإمام أبو سعد سعيد بن أبي سعيد واسمه كيسان المقبري المدني، والمقبرى نسبة إلى مقبرة بالمدينة، كان مجاورًا لها، وثقه وأثنى عليه جمع من الأئمة، وتوفي سنة ١٢٠ هـ، وقيل قبلها، وقيل بعدها.
(شريك بن عبد الله بن أبي نمر): هو الإمام أبو عبد الله شريك بن عبد الله بن أبى نمر القرشى المدني، اختلف في وفاته فقيل سنة ١٤٠، وقيل ١٤٤ هـ.
[ ٤٥ ]
(موسى بن إسماعيل): هو الإمام أبو سلمة موسى بن إسماعيل المنقرى التبوذكى البصرى، قال عنه ابن معين: ما جلست إلى شيخ إلا هابنى أو عرف لى ما خلا هذا الأثرم التبوذكى، توفي سنة ٢٢٣ هـ.
(علي بن عبد الحميد): هو الإمام على بن عبد الحميد بن مصعب بن يزيد الكوفي، قال عنه ابن وارة: كان من الفاضلين. اختلف في وفاته فقيل سنة ١٢٢ هـ، وقيل سنة ١٢١ هـ.
(سليمان): هو الإمام أبو سعد سليمان بن المغيرة القيسى البصري، كان من خيار الناس كما قال أبو داود الطيالسي، قال القعنبي: ما رأيت بصريًّا أفضل منه. توفي سنة ١٦٥ هـ.
(ثابت): هو الإمام أبو محمد ثابت بن أسلم البنانى البصري، قال عنه الإمام شعبة: كان ثابت يقرأ القرآن فى كل يوم وليلة، ويصوم الدهر. وقال عنه أيضًا بكر المزني: ما أدركنا أعبد منه. توفي في ولاية خالد القسري.
• وفي الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: جواز العرض على العالم، وأنه كاستماع العلم منه، ولا يلزم أن يكون في درجته، ولكنه درجة من درجات التحمل في العلم، فيجوز للطالب أن يقرأ على أستاذه، والأستاذ يستمع له، وكان هذا مشهورًا عن الإمام مالك.
الفائدة الثانية: جواز اتكاء الإمام بين أتباعه، لقول الصحابة لضمام لما سأل عن النبي ﷺ (فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ) وهذه المسألة - مسألة الاتكاء بين الناس- ترجع إلى العرف، فقد يقبل العرف ذلك وقد ينكره، فهي ليست مسألة شرعية، وإنما هي مسألة عرفية.
[ ٤٦ ]
الفائدة الثالثة: تواضع النبي ﷺ وهذا يظهر في قول أنس - ﵁ (وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ)، أي جالس بينهم، وبين ظهرانيهم أي أنهم محيطون به، فلم يكن النبي ﷺ جالسًا على سرير فوقهم، ولم يكن جالسًا كذلك في طرف بعيدًا عنهم.
الفائدة الرابعة: حب الصحابة للنبي ﷺ ويدل على ذلك إحاطتهم به ﷺ في مجلسه.
الفائدة الخامسة: استدل البعض بهذا الحديث على جواز إناخة البعير في المسجد، وقالوا هذا يدل على طهارة بوله، وذلك يظهر في قول أنس - ﵁: (بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ)، لكن وردت للحديث رواية أخرى جاءت عند أحمد وأبي داود وغيرهما من حديث ابن عباس - ﵁ قَالَ: (بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، قَالَ: فَقَالَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) وَسَاقَ الْحَدِيثَ، ولكنه لما كان على باب المسجد أو بفنائه قال الصحابي: في المسجد بحكم المجاورة، فهو مجاور للمسجد، وليس داخل المسجد.
ولذلك ليس في هذا استدلال على جواز إدخال البعير المسجد أو طهارة بوله، وإن ثبتت طهارته من أدلة أخرى.
الفائدة السادسة: إنَّ حسن المسألة نصف العلم، ولذلك كان مجيء الأعراب للنبي ﷺ وسؤالهم له كان أمرًا مهمًّا للصحابة - ﵁؛ لأنه لما نزل النهي في القرآن عن سؤال النبي ﷺ التزم الصحابة ﵃ بذلك، فقالوا: كان يعجبنا أن يجئ الرجل العاقل من أهل البادية يسأله ونحن نسمع، كما ورد عند النسائي وغيره عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: (نُهِينَا فِي القُرْآنِ أَنْ نَسْأَلَ النَّبيَّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ
[ ٤٧ ]
يَجِيءَ الرَّجُلُ العَاقِلُ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ فَيَسْأَلَهُ … الحديثُ)؛ لأن الأعراب كانوا أجرأ على ذلك من الصحابة ﵃، أو لم يكن عندهم علم بالنهي عن ذلك.
• كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا كَانَ أَوْجَزَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ (^١).
• قال ابن عباس ﵁: " فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ " (^٢).
الفائدة السابعة: التلطف في السؤال، فلقد ظن ضمام - ﵁ أنه لن ينال ما عند النبي ﷺ إلا بالتشديد عليه، وكان هذا خطأ منه لأن النبي ﷺ كان سيعطيه جوابًا لكل ما سأل، ولكنه ظن أنه لأهمية الأمر الذي جاء من أجله كان ينبغى عليه التشديد، لكن الأمر على خلاف ذلك، فكلما تلطفت بالعالم أخذت منه ما عنده.
• ولذلك ذكرنا من قبل الفارق بين أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله وكانا من تلامذة ابن عباس، فكان ابن عباس يخزن عن عبيد الله أي يحجب عنه بعض العلم.
• كما قال الزهري: " كَانَ أَبُو سَلَمَةَ يَسْأَلُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: فَكَانَ يَخْزُنُ عَنْهُ، قَالَ: وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُلَاطِفُهُ فَكَانَ يَغُرُّهُ غَرًّا " (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (٤/ ٩١ ح ٢٤٤٩) ط دار هجر.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢١١) ط الرسالة.
(٣) فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل (٢/ ٩٥٩) ط الرسالة، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (١/ ٢٠٩).
[ ٤٨ ]
• حتى قال أبو سلمة: لو رفقت بابن عباس لاستخرجت منه علمًا كثيرًا (^١)، لكنه كان يجادله ويماريه كثيرًا، بخلاف عبيد الله كان ابن عباس يغره غرًّا، وإن تسبب التلطف في ترك بعض العلم الذي يحتاجه المرء أحيانًا، فعن إِسْمَاعِيل بْن مُوسَى ابْنِ بِنْتِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " دَخَلْنَا إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَنَحْنُ جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَحَدَّثَنَا بِسَبْعَةِ أَحَادِيثَ، فَاسْتَزَدْنَاهُ، فَقَالَ: " مَنْ كَانَ لَهُ دِينٌ فَلْيَنْصَرِفْ، فَانْصَرَفَتْ جَمَاعَةٌ، وَبَقِيَتْ جَمَاعَةٌ أَنَا فِيهِمْ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ حَيَاءٌ فَلْيَنْصَرِفْ فَانْصَرَفَتْ جَمَاعَةٌ، وَبَقِيَتْ جَمَاعَةٌ أَنَا فِيهِمْ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ مُرُوءَةٌ فَلْيَنْصَرِفْ، فَانْصَرَفَتْ جَمَاعَةٌ، وَبَقِيَتْ جَمَاعَةٌ أَنَا فِيهِمْ، فَقَالَ: يَا غِلْمَانُ افْقأْهُمْ فَإِنَّهُ لَا بُقْيَا عَلَى قَوْمٍ لَا دِينَ لَهُمْ، وَلَا حَيَاءَ، وَلَا مُرُوءَةَ (^٢).
الفائدة الثامنة: أنَّ لكل مقام مقالًا، فمع حلم النبي ﷺ وتواضعه، لكنه لم يقل للرجل لما ناداه: يا ابن عبد المطلب. لبيك، بل قال قد أجبتك؛ لأن الرجل لم يحسن الطلب فأجابه النبي ﷺ بصورة غير الصورة التي كان يرد بها النبي ﷺ على غيره؛ ولذلك يوصي أهلُ العلمِ الطالبَ: أن يكون عنده مقدمات لهذا العلم من التعظيم والاحترام والتبجيل والتقدير لأهل العلم، فإذا أراد أن يسأل أحدهم بدأ بالدعاء له، وتلطف في القول، ونحوها من الآداب التي ترقق قلب الشيخ والمعلم.
• وحُكِي أن فتوى وردت من السلطان إلى الطبري لم يكتب له الدعاء فيها، فكتب في أسفل الرسالة الجواب، ولم يزد على ذلك، فلما عادت الرقعة إلى السلطان علم أن ذلك كان للتقصير في الخطاب، فاعتذر إليه (^٣).
• وأرسل الخليفة إلى ربيعة فقال له: يا ربيعة حدثنا حدثنا، فقال ربيعة: لا أحدثك شيئًا وتركه وانصرف، فلما خرج قال للناس: أترون هذا الذي يطلب مني
_________________
(١) أخرجه الآجري في أخلاق حملة القرآن (٦٥)، والدارمي في سننه (٤١٨) بإسناد صحيح.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (١/ ٢١٥) ط مكتبة المعارف. افْقأْهُمْ: أخرجهم.
(٣) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (٢/ ٣٨٣) ط دار ابن الجوزي بتصرف.
[ ٤٩ ]
كما يطلب من المغنية، فيقول يا ربيعة حدثنا حدثنا (^١).
الفائدة التاسعة: حسن البيان والجواب من النبي ﷺ وذلك أنه لما شدد عليه في المسألة فقال: آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال النبي ﷺ اللهم نعم، ولم يقل نعم فقط، فكلمة اللهم، استشهاد من النبي ﷺ بالله على قوله، أي نعم والله يشهد على ذلك.
الفائدة العاشرة: في قول ضمام: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ»، وهذا خرج مخرج الغالب؛ لأن الصدقة تكون لثمانية أصناف.
واستدل فريق من العلماء بهذا الحديث ونحوه على عدم جواز نقل الزكاة والصدقات إلى بلد آخر إلا لحاجة وذلك لقوله (آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا).
الفائدة الحادية عشرة: جواز الاستحلاف على الأمر المحقق لتأكيده، فلا يلزم أن يكون الاستحلاف بسبب تكذيب المستحلَف، أو الشك في صدقه، ولكن قد يكون الاستحلاف لأهمية الأمر وعظمته.
الفائدة الثانية عشرة: حِلْمُ النبي ﷺ وعدم غضبه لنفسه، ولذا يجب على الدعاة أن يتحلوا بذلك، وتحمل طباع الناس المختلفة، فقول ضمام أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وقوله: يَا ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ. وقوله: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ. وكونه يستحلفه بالله، وكل هذه الأمور شديدة على النفس لكن النبي ﷺ حلم به، وما غضب لنفسه.
الفائدة الثالثة عشرة: قبول خبر الواحد، فإنَّ ضمامًا ﷺ كان وحده، وقال للنبي ﷺ: وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي.
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (١/ ٣٦٦) ط مكتبة المعارف.
[ ٥٠ ]