وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا
قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ، مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ» (^١).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
لما كانت الأبواب السابقة تتعلق بأبواب العلم، ذكر البخاري هنا أدبًا من آداب طالب العلم، وكذلك كان الباب السابق في المناولة وهي صورة من طرق التعلم،
_________________
(١) من لطائف هذا الإسناد:
(٢) أنَّ رواته كلهم مدنيون.
(٣) أنَّ فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والإخبار.
(٤) أنَّ أباواقد الليثي ليس له في البخاري إلا هذا الحديث، ولم يروه عنه إلا أبو مرة، ولم يروه عن أبي مرة إلا إسحاق.
(٥) وفيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
[ ٥٤ ]
وهنا يشير إلى أنَّ من حضر عند أهل العلم فلابد أن يتأدب بآداب طالب العلم والتي منها: إن وجد فرجة فليجلس، ومن لم يجد يجلس خلف المجلس حيث ينتهي به، ولا يعرض عن العلم كما فعل الرجل الثالث.
لم تذكر الروايات أسماء هؤلاء الثلاثة، وذلك لأن المقصود فعلهم، فإن كان الفعل حسنًا اقتدينا به، وإن كان العمل سيئًا اجتنبناه، فالعبرة ليست بالذوات ولا بالأشخاص، إنما العبرة بالأعمال.
• تراجم بعض الرواة:
(إسماعيل): هو الإمام إسماعيل بن أبي أويس الأصبحي وهو ابن أخت الإمام مالك بن أنس، توفي سنة ٢٢٦ هـ.
(إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة): هو الإمام أبو يحيى إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة واسمه زيد بن سهل الأنصارى، كان مالك لا يقدم عليه فى الحديث أحدًا، توفي سنة ١٣٢ هـ، وقيل بعدها.
(أبو مُرة مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ): أبو مرة يزيد الحجازى المدنى، قال الواقدى: إنما هو مولى أم هاناء، ولكنه كان يلزم عقيلًا فنسب إلى ولائه.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: أنَّ الجزاء من جنس العمل، ولذلك عامل الله هؤلاء الثلاثة من جنس عملهم.
الفائدة الثانية: فضل العلم ومكانته عند الله تعالى، فالذي أعرض أعرض عن العلم فأعرض الله عنه، فالعلم هو بريد الدين ودليله، ولمكانة العلم عند الله تعالى تعامل معهم بتعاملهم مع حلقة العلم.
الفائدة الثالثة: استحباب الأدب في مجالس العلم، كما فعل من جلس في الفرجة لسدها، وكالذي استحيا فجلس خلف الحلقة.
[ ٥٥ ]
الفائدة الرابعة: فضل سد الفرجة في الحِلَقِ ومجالس العلم.
الفائدة الخامسة: الثناء على من زاحم في طلب العلم، فالذي جلس في الفرجة كأنه زاحم في ذلك، لكن الأعمال الفاضلة قد تتغير من شخص لآخر بحسب تصوره، فقد تختلف الأفعال لكنها تكون كلها حسنة، فقد جاء النبي ﷺ وأبو بكر ﵁ يصلي بالناس، فلما تأخر أبو بكر أشار له النبي ﷺ بالبقاء، لكنه رجع، وفي صلاة أخرى جاء النبي ﷺ وعبد الرحمن بن عوف ﵁ يصلي بالناس، وأراد أن يرجع فأمره النبي ﷺ بالبقاء فبقي إمامًا (^١)، فإنَّ الفعلين مختلفان، ومع ذلك كلا الفعلين كان حسنًا، فقد غلب على عبد الرحمن بن عوف ﵁ الامتثال لأمر النبي ﷺ، وأما أبو بكر ﵁ غلب عليه الأدب، وقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ.
• وهذا أبو هريرة ﵁ قد أكثر من رواية الحديث على العكس من الزبير ﵁ فهو مقل في رواية الحديث، فلما سئل الزبير ﵁ عن ذلك ذكر حديث النبي ﷺ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، فكأنه رأى أنَّ كثرة التحديث توقع في الخطأ، وكثرة الخطأ قد توقع في الكذب؛ فلذلك حمى نفسه وابتعد عن ذلك، أما أبو هريرة ﵁ فقد وجد نفسه متثبتًا، ورأى عدم جواز كتمان العلم ووجوب إبلاغه، فكان لكل واحد منهما حجة وسببٌ.
الفائدة السادسة: فضل الحياء، فإنَّ الرجل الثاني جاء في رواية أخرى أنه رجع إلى الحلقة بسبب أنه استحيا لما ترك الحلقة وانصرف، فلا حرج أن يدرك الإنسان ما أخفق فيه في أوله.
_________________
(١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (ح ١١٢)، وأبو داود في سننه (ح ١٤٩)، وابن خزيمة في صحيحه (ح ١٥١٥).
[ ٥٦ ]
الفائدة السابعة: الإيواء إلى حلق العلم يجلب معية الله للعبد.
الفائدة الثامنة: جواز الإخبار عن أهل الطاعات لرفع الهمم، وكذلك يجوز أيضا الإخبار عن أهل المعاصي للتحذير من فعلهم، وأنَّ هذا ليس من الغيبة المحرمة ما دام أنه بشروط بابه.
الفائدة التاسعة: فضل ملازمة حِلَقِ العلم وذكر الله.
الفائدة العاشرة: الأصل أن تكون حلق العلم والذكر في المساجد.
الفائدة الحادية عشرة: الجلوس حيث ينتهي بالعبد المجلس، لكن هذا لا ينافي تقديم أهل الفضل، فكان السلف كثيرًا إذا دخل عليهم أحد من أهل العلم أو الفضل أو المكانة يقربونه ويدنونه منهم، وهذا من إنزال الناس منازلهم.
الفائدة الثانية عشرة: من جلس في حِلَقِ العلم فهو في كنف الله تعالى ورعايته وولايته، ولذلك يجب على العالم أن يؤوي من جلس إليه متعلمًا، فإذا كان الله ﷿ يؤويه، فيجب على العالم من باب أولى.
الفائدة الثالثة عشرة: في الحديث دليل على أنَّ الموفق من وفقه الله، والناس بينهم وبين الله خبايا لا يعلمها إلا الله ﵎، فلم وفق هذا، ولم يوفق هذا؟! كله بعلم وحكمة.
[ ٥٧ ]