«رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»
قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ - أَوْ بِزِمَامِهِ - قَالَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا»، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا» فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ» (^١).
• مناسبة الباب للباب الذي قبله:
كان من فوائد الباب السابق أهمية تبليغ العلم، لأنَّ الجالس في الحلقة مبلَّغ، وهنا يذكر حال المبلِّغ للعلم، فربما يبلغ السامع من هو أوعى منه.
_________________
(١) من لطائف الإسناد:
(٢) أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
(٣) أنَّ رواته كلهم بصريون.
(٤) أنَّ فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض وهم ابن عون، وابن سيرين، وابن أبي بكرة.
[ ٥٨ ]
• تراجم بعض الرواة:
(مسدد): هو الإمام أبو الحسن مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مستورد الأسدى، ويقال اسمه عبد الملك بن عبد العزيز، ومسدد لقب، قال ابن عدى: يقال: إنه أول من صنف المسند بالبصرة، توفي سنة ٢٢٨ هـ.
(بشر): هو الإمام أبو إسماعيل بشر بن المفضل بن لاحق الرقاشى البصري، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: إليه المنتهى فى التثبت بالبصرة. توفي سنة ١٨٦، أو ١٨٧ هـ.
(ابن عون): هو الإمام أبو عون عبد الله بن عون بن أرطبان المزنى البصري، قال عنه ابن المدينى: جمع لابن عون من الإسناد ما لم يجمع لأحد من أصحابه، توفي سنة ١٥٠ هـ، وقيل غير ذلك.
(ابن سيرين): هو الإمام أبو بكر محمد بن سيرين الأنصاري، قال عنه ابن عون: كان يحدث بالحديث على حروفه، توفي سنة ١١٠ هـ.
(عبد الرحمن بن أبي بكرة): هو الإمام عبد الرحمن بن أبى بكرة، واسمه نفيع بن الحارث الثقفى البصري، توفي سنة ٩٦ هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: من الفقه أنه يجب على العالم أن يبلغ العلم لمن لم يَبْلُغْه، سواء كان هذا التبليغ بنفسه أو بواسطة، فقد بلغ النبي ﷺ الحاضرين، ثم أمرهم أن يبلغوا من لم يحضر، وهذا يدل على استمرارية العلم وامتداده.
الفائدة الثانية: لابد من البلاغ والبيان في العلم، فقد أمرهم النبي ﷺ بالبلاغ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، والأمر في الآية بالبلاغ والبيان.
الفائدة الثالثة: قد يأتي في آخر الزمان من يكون له من الفهم والعلم ما ليس
[ ٥٩ ]
للمتقدم، لكن هذا قليل بدليل قوله «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»، و(رُبَّ) تدل على التقليل، وكذلك قوله «فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ»، و(عسى) تدل على الطمع، وهو يدل على التقليل أيضًا.
الفائدة الرابعة: إنَّ طالب العلم قد يتفوق على أستاذه أحيانًا، وهذا ليس فيه عيب ولا مذمة للشيخ.
الفائدة الخامسة: أنَّ حامل الحديث والعلم ينبغي أن يؤخذ منه وإن كان يجهل معناه، ولكن هذا في باب الرواية فقط، فقد يروي الراوي الحافظ الرواية كما تحمَّلها، ولكنه لا يفهم فقه الحديث.
الفائدة السادسة: في الحديث دليل على أنَّ الحرام دركات، وأنَّ ما كان شديد الحرمة ينبغي تأكيد حرمته كالدماء والأموال والأعراض.
الفائدة السابعة: عدم الانشغال وقت التعليم والفتوى، وعدم التشويش على المفتي والعالم، وهذا يؤخذ من قوله «وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ - أَوْ بِزِمَامِهِ -».
يقول الشافعي ربما كنت أكون في مجلسه - أي الإمام مالك - فأريد أن أَصْفَحَ الورقةَ فأصْفَحها صَفْحًا رقيقًا، هيبةً له لئلا يسمع وَقْعَها (^١).
الفائدة الثامنة: من حسن التعليم إثارة انتباه المستمع واستحضار فهمه، فقد أثار النبي ﷺ أفهام الصحابة بالأسئلة عن اليوم والشهر.
الفائدة التاسعة: مراعاة أحوال الناس وما يكونون عليه، ومعرفة مذاهبهم، وهذا أمر هام للعالم والمفتي، وقد جعل الإمام أحمد ذلك من شروط المفتي وهو معرفة أعراف الناس ومذاهبهم (^٢).
_________________
(١) مناقب الشافعي للبيهقي (٢/ ١٤٤) ط دار التراث، وتاريخ دمشق لابن عساكر (١٤/ ٢٩٣) دار الفكر.
(٢) قال ابن القيم في إعلام الموقعين (٣/ ٧٨): وهذا محض الفقه، ومَنْ أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عُرْفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعْظَمَ من جناية من طَبَّبَ الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطبِّ على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضَرُّ ما على أديان الناس وأبدانهم، واللَّه المستعان.
[ ٦٠ ]
قَالَ عَلِيٌّ ﵁: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» (^١).
فقد شبه النبي ﷺ حرمة المسلم بحرمة الشهر الحرام والبلد الحرام رغم أنَّ حرمة المسلم أعظم من حرمة البلد الحرام، وهذا تشبيه للأعلى بالأقل، وذلك لأن العرب كانوا يحرمون البلد الحرام أشد من تعظيمهم للدماء والأموال، ولذلك خاطبهم النبي ﷺ بما يعلمون.
الفائدة العاشرة: جواز حذف المضاف إن علم، وذلك في قوله ﷺ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ» أي إنَّ سفك دمائكم، وأكل أموالكم، وسلب أعراضكم، والمقصود بالعِرْض هنا ذم العِرض بصفة عامة، وليس المراد به الفروج فقط.
الفائدة الحادية عشرة: وجوب تبليغ الغائب.
الفائدة الثانية عشرة: جواز التحمل قبل كمال الأهلية؛ لأن النبي ﷺ بين أنَّ هناك من يحمل العلم إلى من هو أعلم منه.
الفائدة الثالثة عشرة: الفهم لا يشترط في الأداء، ولكن يشترط ألا يتجاوز ذلك من حيث ذكر معناه، وما يشتمل عليه من أدلة أو أحكام؛ لأنه لا يُفْهَم إلا بذلك.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٢٤ ح ١٢٧) ط طوق النجاة.
[ ٦١ ]
الفائدة الرابعة عشرة: استحباب أن تكون الخطبة على موضع مرتفع، وهذا له فوائد منها:
١ - أبلغ في إسماع الناس.
٢ - استحضار قلوب المستمعين برؤية الخطيب.
٣ - رفع لمكانة المبلغ والداعي إلى الله.
٤ - المواطأة والربط بين السمع والبصر، فيكون أدعى للفهم، وحضور القلب، وعدم انشغال الفكر.
الفائدة الخامسة عشرة: جواز القعود على ظهر الدواب.
[ ٦٢ ]