المقدمة
الشيخ / عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
قال الإمام النووي -﵀-: عن أمير المؤمنين أبي حفص
المقدمة، المقدمة
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، قيوم السموات والأرض، مدبر الخلائق أجمعين، باعث الرسل صلواته وسلامه عليهم إلى المكلفين لهدايتهم، وبيان شرائع الدين بالدلائل القطعية، وواضحات البراهين، أحمده على جميع نعمه، وأسأله المزيد من فضله.
المزيدَ، المزيدَ.
الطالب: وأسأله المزيدَ من فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، الكريم الغفار، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، أفضل المخلوقين، المكرم بالقرآن العزيز المعجزة المستمرة على تعاقب السنين، وبالسنن المستنيرة للمسترشدين، المخصوص بجوامع الكلم، وسماحة الدين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين، وآل كل وسائر الصالحين أما بعد:
فقد روينا عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنهم- من طرق كثيرات بروايات متنوعات، أن رسول الله -ﷺ- قال: «من حفظ على أمتي أربعين حديثًا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء»، وفي رواية: «بعثه الله فقيهًا عالمًا» وفي راوية أبي الدرداء: «وكنت له يوم القيامة شافعًا وشهيدًا»، وفي رواية ابن مسعود: «قيل له: ادخل من أي أبوب الجنة شئت»، وفي رواية ابن عمر «كتب في زمرة العلماء، وحشر في زمرة الشهداء».
[ ١ ]
واتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرة طرقه، وقد صنف العلماء -رضي الله تعالى عنهم- ما لا يحصى من المصنفات، فأول من علمته صنف فيه عبد الله بن المبارك، ثم محمد بن أسلم الطوسي العالم الرباني، ثم الحسن بن سفيان النسوي، وأبو بكر الآجري، وأبو بكر محمد بن إبراهيم الأصفهاني، والدارقطني، والحاكم، وأبو نعيم، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو سعيد الماليني.
سعدٍ، سعدٍ أبو سعد بدون ياء
الطالب: وأبو سعد الماليني، وأبو عثمان الصابوني، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وأبو بكرٍ البيهقي، وخلائق لا يحصون من المتقدمين والمتأخرين، وقد استخرت الله تعالى في جمع أربعين حديثًا اقتداء بهؤلاء الأئمة الأعلام وحفاظ الإسلام، وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، ومع هذا فليس اعتمادي على هذا الحديث بل على قوله -ﷺ- في الأحاديث الصحيحة: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» وقوله -ﷺ- «نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها»، ثم من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين، وبعضهم في الفروع، وبعضهم في الجهاد، وبعضهم في الزهد، وبعضهم في الآداب، وبعضهم في الخطب، وكلها مقاصد صالحة -رضي الله تعالى- عن قاصديها.
وقد رأيت جمع أربعين أهم من ذلك كله، وهي أربعون حديثًا مشتملة على جميع ذلك، وكل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين، وقد وصفه العلماء بأن مدار الإسلام عليه، أو هو نصف الإسلام، أو ثلثه، أو نحو ذلك، ثم ألتزم في هذه الأربعين أن تكون صحيحة، ومعظمها في صحيح البخاري ومسلم، وأذكرها محذوفة الأسانيد؛ ليسهل حفظها ويعم الانتفاع بها -إن شاء الله تعالى-، وينبغي لكل راغب في الآخرة.
ثم، ثم أتبعها بباب في ضبط خفي ألفاظها.
الطالب: ثم أتبعها بباب في ضبط خفي ألفاظه، وينبغي لكل راغب في الآخرة أن يعرف هذه الأحاديث؛ لما اشتملت عليه من المهمات، واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات، وذلك ظاهر لمن تدبره، وعلى الله اعتمادي وإليه تفويضي واستنادي، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة.
[ ٢ ]
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "بسم الله الرحمن الرحيم"، "مقدمة"، وقد تفتح الدال "مقدَمة" فهي مقدِمة باعتبار أنها متقدمة على الكلام كله، وهي مقدَمة باعتبار أن المؤلف قدمها على هذا الكلام فيجوز في الدال الفتح والكسر، وإن كان الأشهر والأكثر هو الكسر.
ثم بعد ذلك قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "الحمد لله رب العالمين" ولسنا بحاجة إلى إعادة ما مر بنا مرارًا من الكلام على الحمد، وأن كثيرًا من أهل العلم يفسره بالثناء على الله -جل وعلا-، وأن ابن القيم -رحمه الله تعالى- انتقد هذا التعريف بحديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: فإذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال: أثنى علي عبدي» فالثناء ليس هو الحمد، الحمد المكرر المثنى مرتين وثلاثًا، تكرار المحامد هي: الثناء على الله -جل وعلا - ولذلك لم يفسر النبي -﵊-، الله -جل وعلا- في الحديث الصحيح ما قال: إذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال: أثنى علي عبدي، إنما قال: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ يعني كرر هذا الثناء وهذا الحمد سمي ثناءً، قال: أثنى علي عبدي، والتعريف المرضي عند ابن القيم -﵀- أن الحمد: هو ذكر الله -جل وعلا- بأوصافه، بأوصافه التي بجميعها يستحق المدح، فجميع أوصاف الله -جل وعلا- متضمنة للمدح والحمد، فذكره -جل وعلا- بهذا الأوصاف هو حمده، وتكرار هذا الحمد هو الثناء، فالثناء هو الحمد المكرر، والحمد والشكر بينهما عموم وخصوص عند أهل العلم، والكلام في هذه المسألة يطول.
"الحمد لله" أل هذه للاستغراق فجميع أنواع المحامد لله -جل وعلا-، وهذه اللام ﴿لله﴾ لام الملك والاختصاص، فالحمد مملوك كله لله -جل وعلا- ومختص به -﷾-.
[ ٣ ]
"رب العالمين" بدل من لفظ الجلالة ولذلك جر؛ لأن البدل له حكم المبدل أو عطف بيان، "العالمين" جميع ما سوى الله -جل وعلا-، كل ما سوى الله عالم وقد يطلق على الخلائق من أولهم إلى أخرهم عالم -وهذا هو الإطلاق الأصلي-، وقد يطلق على أهل جيل من الناس أو أمة من الأمم يقال لهم عالم، فبنوا إسرائيل فضلوا على العالمين يعني على عالمي زمانهم، وإلا فهذه الأمة أفضل منهم بلا شك، "قيوم السموات والأرضيين" يعني القائم بأمر السموات وأهل السموات، والأرضيين وأهل الأرضيين، "السموات والأرضيين" السموات السبع ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [(١٢) سورة الطلاق] يعني سبع كذلك، "مدبر الخلائق أجمعين" لا يخرج أحد عن تدبيره وتصرفه -جل وعلا- فهو المدبر لجميع الخلائق، ولا يمكن أن يستقل شيء من المخلوقات بنفسه دون الله -جل وعلا-.
"باعث الرسل"، باعث الرسل إلى أممهم، وباعث النبي محمد -﵊- إلى الثقلين الجن والإنس، "وصلوات الله وسلامه عليهم أجمعين"، "الصلوات" جمع صلاة، "وصلوات الله" يختلف فيها أهل العلم، منهم من يقول: إنه الثناء عليهم، ومنهم من يقول: الدعاء لهم بالرحمة، وسلامه عليهم أجمعين.
[ ٤ ]
"إلى المكلفين" من بلغ سن التكليف فالمكلفون هم الإنس والجن ممن تعدى مرحلة رفع القلم، فهم جميع الإنس والجن ماعدا الثلاثة الذين رفع عنهم القلم: «الصغير حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ» مع أن النائم مكلف، بمعنى أن رفع القلم عنه مؤقت، زوال رفع القلم عنه أسرع من زواله عن الصغير وعن المجنون، الصغير قد يقرب من بلوغ الحلم وقد يبعد لكنه رفع عنه القلم حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق، قد يفيق وقد لا يفيق، أما النائم فنومه ساعات ثم يستيقظ فيعود عليه التكليف، لكنه أثناء النوم القلم عنه مرفوع وهذا في حقوق الله -جل وعلا-، أما في حقوق الخلق وما يكون التكليف فيه من باب ربط الأسباب بالمسببات فيكون من الحكم الوضعي لا من التكليفي، فجمهور أهل العلم يرون أن الصبي والمجنون تجب عليهم الزكاة، والثلاثة تلزمهم قيم المتلفات وأروش الجنايات، ولا يقال: إن القلم مرفوع عنهم فلا تجب عليهم هذه الأمور؛ لأنها ليست من الأحكام التكليفية وإنما هي من الأحكام الوضعية، ربط الأسباب بالمسببات فإذا وجد السبب وجد المسبب، نائم انقلب على أو تحرك فكسر متاعًا لغيره يضمن، صغير يضمن في مثل هذه الصورة، مجنون جنا يضمن والمراد بالضمان ضمان وليه في المال، على كل حال هذه مسألة معروفة عند أهل العلم.
[ ٥ ]
يقول: "لهدايتهم"، "باعث الرسل إلى الخلق أجمعين لهدايتهم"، ودلالتهم وإرشادهم إلى الصراط المستقيم، إلى تحقيق الهدف الذي من أجله خلقوا وهو تحقيق العبودية لله -جل وعلا-، "لهدايتهم" ودلالتهم وإرشادهم وبيان شرائع الدين لهم، فهم يهدونهم ويدلونهم ويبينون لهم الشرائع ليعملوا بها، "شرائع الدين" ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [(٤٨) سورة المائدة] كل نبي رسول من هؤلاء الرسل له شريعة ومنهاج وإن كان أصل الدين واحدًا كما جاء في الحديث الصحيح: «نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، أولاد علات وديننا واحد» وهو الإسلام الذي هو الأصل، وإن كانت الشرائع تختلف من شريعة إلى أخرى ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [(٤٨) سورة المائدة] في صحيح البخاري سبيلًا وسنة، شرعة ومنهاجًا: سبيلًا وسنة، فالشرعة هي السنة، والمنهاج هو السبيل؛ لأن أهل العلم يقولون: إن هذا من اللف والنشر المشوش، شرعة ومنهاجًا: سبيلًا وسنة، الشرعة هي السنة، والمنهاج هو السبيل.
"بالدلائل القطعية وواضحات البراهين"، "بالدلائل القطعية" التي يأتي بها الرسل عن الله -جل وعلا-، وما يقوله أو ما ينقله الرسول عن ربه -جل وعلا- بلفظه مثل: القرآن، والكتب المنزل: كالتوراة والإنجيل والزبور قبل التحريف هذه كلها من عند الله -جل وعلا-، وغيرها كصحف إبراهيم وموسى، وغيرها مما يعرف ومما لا يعرف كلها من عند الله -جل وعلا- يجب الإيمان بها، بل الإيمان بالكتب ركن من أركان الإيمان.
"الدلائل القطعية" تكون بنصوص الوحي المنزل وبما ينقله النبي عن ربه -جل وعلا-؛ لأن ما يقوله ويتكلم به وينطق به هو وحي كما في قوله -جل وعلا-: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [(٣ - ٤) سورة النجم].
[ ٦ ]
ثم كرر الحمد فقال: "أحمده على جميع نعمه"، "أحمده على جميع نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه" هو المستحق للحمد فهو المنعم الحق، وما يحمد به الناس أو يمدحون عليه فباعتبارهم تولوا القسمة وإلا فالمعطي هو الله -جل وعلا- كما جاء في الحديث الصحيح «إنما أنا قاسم والله معطي، إنما أنا قاسم والله معطي»، والله -جل وعلا- يقول للأغنياء: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [(٣٣) سورة النور] فالبشر المال بأيدهم عارية، وضع في أيدي بعض الناس ليبتليهم ويبتلي بهم، ووجد من الناس من لا مال عنده ليبتلى هل يصبر؟ الأول مبتلى، الغني يبتلى هل يشكر ويستعمل هذا المال فيما يرضي الله -جل وعلا-، أو يكفر هذه النعمة فيجحدها ويجحد نسبتها إلى الله -جل وعلا-، ويستعملها فيما لا يرضي الله -جل وعلا-؟ كما أنه يبتلي الفقير هل يصبر ويرضى ويسلم ويحمد الله على نعم كثيرة لا يستطيع عدها؟ يقول ابن عبد القوي -﵀-:
وكن صابرًا للفقر وادرع الرضى بما قدر الرحمن واشكره واحمدي
لأن بعض الناس قد يبلغ به من الفقر والحاجة مبلغًا عظيمًا، ثم إذا قيل: له احمد ربك واشكر ربك ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ [(١٨) سورة النحل] قال: على إيش أحمد ربي أنا فقير مدقع محتاج، لا يا أخي ما تدري لو أن الأذن دخل فيها حشرة وطلب منك ما على وجه الأرض من أمول لبذلتها، لو احتبس فيك البول وطلب منك ما على وجه الأرض من المليارات من الذهب والفضة دفعتها، أليست هذه نعم؟ نعمة البصر، نعمة السمع، نعمة ، نعم لا تعد ولا تحصى.
[ ٧ ]
تصور أن أصبعًا من أصابعك أصغر الأصابع عندك صلب لا تستطيع أن تثنيه ماذا يكون من دون ألم؟ تتأذى به أذىً شديدًا ولو لم يؤلم، ولذا هذه النعم يعني نعم المفاصل نعم لا يقدر قدرها إلا من فقدها، تصور شخص الرجل عنده متصلبة لا تنثني يواجه من العنت والحرج ما لا يدرك ولو لم يكن فيها ألم، ولذا يصبح على كل سلامى على سلام كل واحد منكم صدقة، ثلاثمائة وستين مفصل تحتاج إلى ثلاثمائة وستين صدقة، لكن الله -جل وعلا- لطيف لا يكلف الفقير أن يتصدق بالدراهم وهو لا يجده، كل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة إلى أخره، ويكفي من ذلك ركعتان تركعهما من الضحى في مقابل ثلاثمائة وستين صدقة، ركعتان من الضحى فعلى الإنسان أن يحمد الله -جل وعلا-، وأن يلهج بذكره وشكره، ولا يجحد هذه النعم وإن كان يغفل عنها، كثير من الناس في غفلة تامة عن هذه النعم، لكن مع ذلك عليه أن يتذكر وعليه أن يشكر ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [(٧) سورة إبراهيم].
يقول: "أحمده على جميع نعمه"، هناك النعم الظاهرة، وهناك النعم الخفية والله -جل وعلا- أسبغ النعم على عباده، وأعظم هذه النعم على الإطلاق نعمة الإسلام، نعمة الإسلام وهذا هو رأس المال، افترض أن المسلم كما هو الأصل فيه أنه مبتلى بالمصائب، مبتلى بالأمراض، هل يمكن أن تقارن حالة أقل المسلمين شأنًا في أمور الدنيا بأعظم الكفار شأنًا في أمور الدنيا؟ أبدًا، ولذا المؤمن كخامة الزرع، المصائب تعتريها من كل وجه، وأما الكافر مثل الأرزة -شجرة صلبة متينة عريضة لا تحركها الرياح- فلا تعتريها العوارض، لكن الإنسان يحمد الله -جل وعلا- أن جعله من هذه الأمة ويفتخر بإسلامه ويرفع رأسه بدينه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [(٣٣) سورة فصلت]، يعتز بدينه ويفتخر به.
[ ٨ ]
"احمده على جميع نعمه وأسأله المزيد من فضله وكرمه"، "أسأله" يطلب ويسأل الله -جل وعلا- وما يحقق المزيد بأعظم من الشكر، الدعاء ينفع لكن المضمون هو الشكر ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾، والدعاء قد يجاب بما طلب وقد لا يجاب بنفس الطلب، قد يؤخر الطلب إلى يوم القيامة، وقد يدفع عنه من الشر والمكروه أعظم مما طلبه، لكن الشكر نتيجته ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾، وضده الكفر ليس معناه الكفر المخرج من الملة، إنما كفر هذه النعمة في مقابل الشكر، "وأسأله المزيد من فضله وكرمه" يسأل بلسانه وبفعله.
"وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له" وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له بدأ بالبسملة، ثم ثنى بالحمد، ثم ثلث بالشهادة وجاء في ذلك الأحاديث المعروفة من طرق كثيرة: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر، وكل أمر ذي بال -يعني شأن يهتم به شرعًا- لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع أو أجذم» كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذمى، على كل حال يمتثلون هذه الأحاديث وإن كانت لا تسلم من مقال، بل بعض العلماء حكم على جميع ألفاظها بالضعف، وأما لفظ الحمد على وجه الخصوص فقد حسنه النووي وجمع من أهل العلم ابن الصلاح وغيرهما، ولا يعني أننا إذا ضعفنا الأحاديث بجميع ألفاظها وطرقها أننا لا نبدأ بالبسملة، القرآن ابتدئ بالبسملة، والحمد ابتدئ به القرآن بفاتحة الكتاب وخطب النبي -﵊- تفتتح بالحمد والشهادة أيضاَ.
[ ٩ ]
لإن بعض الناس إذا سمع التضعيف قال: لا داعي لأن نبدأ بالبسملة والحمد له والشهادة ما له داعي ما دام الأحاديث الضعيفة، والعمل بالحديث الضعيف لا يجوز العمل به على ما سيأتي تقريره في هذه المقدمة، المؤلف يرى العمل بالحديث الضعيف لكن يأتي تقرير هذه المسألة، من يقول: إن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقًا، ثم يأتي إلى هذا الحديث ويقول: الأحاديث ضعيفة فيبدأ بغير البسملة والحمد له والشهادة يدخل في مراده مباشرة، ومع الأسف أنه وجد بعض الكتب، أنا وقفت على كتاب واحد حقيقة وموضوعه شرعي، يقول: كانت الكتب التقليدية تبدأ بالبسملة والحمد له، لكن هذا المجدد رأى أن والبسملة الحمد له لا داعي لها مع ضعف الأحاديث، هذا قصور قصور في الفهم، لا يفرق بين ما ثبت بأصول متضافرة متكاثرة، وبين ما لم يرد إلا في هذا الحديث الضعيف.
"وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد القهار"، هذه الشهادة المنجية «أمرت أن أقاتل الناس: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» " لا شريك له الواحد القهار الكريم الغفار"، "وأشهد أن سيدنا محمدًا" وأشهد أن سيدنا محمدًا الشهادة الأولى لا تصح إلا بالثانية، كما أن الثانية لا تصح إلا بالأولى فمن يشهد أن لا إله إلا لله وحده لا شريك له، ولا يشهد أن محمدًا عبده ورسوله هذا شهادته باطل؛ لأن الأولى مستلزمة للثانية والثانية من شرطها النطق بالأولى وكل واحد منهما مستلزمة ومتضمنة للأخرى، "وأشهد أن سيدنا الرسول -﵊- يقول: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» فهو سيد الثقلين، وأشرف الخلق أجمعين، وأعلم الناس وأعرفهم وأتقاهم وأخشاهم لله -جل وعلا- فهو السيد فهو سيدنا.
وفي الكلام المرسل المطلق الذي لا يتعبد بلفظه لا مانع من قول سيدنا محمد، لكن في الألفاظ المتعبد بها كالتشهد مثلًا لا يجوز أن تقول: وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله؛ لأن هذه متعبد عبادات توقيفيه لا يجوز الزيادة عليها.
[ ١٠ ]
"وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله" مقام العبودية، ومقام الرسالة في أشرف المواضع يدعى بالعبد -﵊-، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [(١٩) سورة الجن] ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [(١) سورة الإسراء] ورسوله -﵊-، "وحبيبه وخليله" "وخليله أفضل المخلوقين" بلا نزاع فهو أفضل الرسل فضلًا عن غيرهم، وجاء عنه -﵊- «لا تفضلوا بين الأنبياء ولا تفضلوني على يونس بن متا» فمنع التفضيل -﵊- وهذا محمول على حالة واحدة وهي: إذا ما اقتضى المقام تنقص المفضل عليه، إذا اقتضى المقام تنقص المفضول، يقال: لا تفضلوا الأنبياء، وإلا فالتفضيل بين الأنبياء في منطوق الكتاب العزيز ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [(٢٥٣) سورة البقرة] والمنع من تفضيل الأنبياء «لا تفضلوا بين الأنبياء» معروف أنه حينما يقتضى هذا التفضيل التنقص للمفضول كما هو ظاهر في قوله: «لا تفضلوني على يونس بن متا»؛ لأن ما حصل من يونس -﵇- قد يتطاول عليه بعض السفهاء الذي لا يعرف منازل الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، الذي يقرأ عنه قد يقع في نفسه شيء من التنقص، لكن الله -جل وعلا- أنجاه ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ* لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [(١٤٣ - ١٤٤) سورة الصافات] ﴿لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [(٨٧) سورة الأنبياء] دعوة أخي ذو النون، وليست خاصة به بل له ولغيره ممن يقولها في هذه المضايق ﴿وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [(٨٨) سورة الأنبياء] ليست خاصة بيونس، على كل حال إذا اقتضى التفضيل تنقص المفضول منع وحسمت مادته «لا تفضلوا بين الأنبياء»، وإلا فالأصل أن التفضيل واقع وثابت في منطوق القرآن.
"أفضل المخلوقين المكرم بالقرآن العزيز"، هذا القرآن شرف لمحمد -﵊- ولأمته ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [(٤٤) سورة الزخرف] يعني شرف لك ولقومك فهو مكرم مفضل على غيره.
[ ١١ ]
"بالقرآن العزيز" بكلام الله -جل وعلا- المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، المعجز بألفاظه ومعانيه وأحكامه وأسراره، المعجزة المستمرة على تعاقب السنين، الرسالة خالدة إلى قيام الساعة فمعجزة نبيها خالدة؛ لأن المعجزة تبقى وتدوم ببقاء الدين، فلما كان هذا الدين إلى قيام الساعة فالمعجزة قائمة إلى قيام الساعة، بخلاف معجزات الأنبياء فهي باقية ببقائهم.
"المستمرة على تعاقب السنين وبالسنن المستنيرة للمسترشدين"، "وبالسنن المستنيرة للمسترشدين"، "مكرم بالقرآن العزيز" ومكرم أيضًا بالسنن، والمراد بالسنن سنته -﵊- شقيقة القرآن، شقيقة القرآن، "المستنيرة للمسترشدين"، المبينة للقرآن يعني دلالات القرآن في كثير منها إجمال بين هذا الإجمال بالسنة فهي منيرة، "ومستنيرة للمسترشدين" لطالبي الرشاد.
سيدنا محمد "المخصوص بجوامع الكلم"، الكلم الجامع من إضافة الصفة إلى موصوفها، والكلم الجامع الذي يجمع المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة.
[ ١٢ ]
"وسماحة الدين" النبي -﵊- بعث بالحنيفية السمحة، «والدين يسر -ولله الحمد- ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه وعليكم من الدين ما تطيقون»، «بشرا ولا تنفرا، يسرا ولا تعسرا» الدين سمح ميسر كما أن دستوره الخالد القرآن ميسر ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [(١٧) سورة القمر] والدين يسر والله الحمد، لكنه أيضًا هو دين تكاليف «حفت الجنة بالمكاره» حفت الجنة بالمكاره، لا يعني أن الدين يسر أن الإنسان يتفلت من الأوامر والنواهي ويقول: الدين يسر لا، يقول الله -جل وعلا- عن الحج -بيته-: ﴿لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ﴾ [(٧) سورة النحل] والحج فيه مشقة، الصيام في أيام الصيف الحارة فيه مشقة، الصلاة في الليالي الشديدة البرد شاقة، الجهاد شاق، إذًا الدين يسر يعني فيما يحتمله الإنسان في ظروفه العادية، يعني اليسر حده ما يحتمله المكلف في ظروفه العادية؛ لأن الإنسان مستعد أن يعمل من طلوع الشمس إلى غروبها، وقد يعمل من طلوع الشمس إلى نصف الليل في تجارته، ويحمل الأثقال ويصبر على الحر والبرد هذا محتمل، ولا يقول: إننا لا نطيق الصيام في الحر ومع ذلك يزاول تجارته في الحر، يعني الضابط لهذا اليسر، أما ما أوجبه الله -جل وعلا- فلا مساومة عليه، لكن ما يفعله المكلف مما وراء ذلك من مستحبات «اكلفوا من العمل ما تطيقون»، «لن يشاد الدين أحد إلا غلبه» يعني الإنسان طاقة، النبي -﵊- منع من أراد أن يصوم النهار ويقوم الليل، يصوم ولا يفطر يقوم ولا ينام، ومنع ابن عمر أن يقرأ القرآن في أقل من سبع «اقرأ القرآن في سبع ولا تزد» كل هذا من أجل الاستمرار؛ لأن أحب الدين إلى الله أدومه وإن قل، فهذه الشريعة ولله الحمد هذه سمتها أنه ليس فيها أصار ولا أغلال ولا تكليف بمحال وما لا يطاق، فيها تكاليف، فيها ما فيه مخالفة لهوى النفس وهذا من أشق الأمور، مخالفة هوى النفس من أشق الأمور ولذا صبر الكفار على القتل في مقابل ألا يخالفوا هواهم، والله المستعان.
[ ١٣ ]
"صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين وآل كل وسائر الصالحين" جمع بين الصلاة والسلام امتثالًا للأمر في قوله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [(٥٦) سورة الأحزاب] فلم يقتصر على الصلاة فقط دون السلام أو العكس، بل أطلق النووي -رحمه الله تعالى- الكراهة على من صلى فقط ولم يسلم أو العكس كما في شرحه على صحيح مسلم، الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- صلى على النبي -﵊- ولم يسلم فأطلق النووي الكراهة؛ لأن الصلاة فقط أو السلام فقط لا يتم به الامتثال امتثال الأمر في الآية، وإن كان الحافظ ابن حجر خص الكراهة بمن كان ديدنه ذلك يعني يصلى دائمًا ولا يسلم، أو يسلم دائمًا ًولا يصلي هذا تتجه الكراهة في حقه، أما من كان يجمع بينهما أحيانًا، يصلي أحيانًا، يسلم أحيانًا هذا لا تتجه الكراهة في حقه.
[ ١٤ ]
ثم بعد ذلك عطف عليه -﵊- سائر النبيين، فالأنبياء يصلى عليهم استقلالًا، يصلى عليهم ويسلم استقلالًا، وأما من عداهم فيصلى عليهم ويسلم تبعًا، إذا ذكروا بعده -﵊- يصلى عليه: اللهم صلى على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، يصلى عليهم تبعًا لا استقلالًا في قول أكثر أهل العلم، ومنهم من جوز الصلاة على غير الأنبياء، والمسألة بحثها ابن القيم -رحمه الله تعالى- في "جلاء الأفهام" وفي غير موضع من كتبه، فمنهم من يرى جواز الصلاة على غير الأنبياء على جهة الاستقلال، لكن لا يتخذ شعارًا لواحد بعينه، ما يقال أبو بكر -ﷺ- باستمرار ولا يقال لغيره، أو صلى الله على عمر أو على علي -﵊- لا؛ لأن هذا يبين عن شيء في النفس، يبين عن شيء في النفس، لكن لو قيل مرة ذكر أبو بكر وقيل -ﷺ- أو عمر أو ما أشبه ذلك، أكثر أهل العلم على أن الصلاة خاصة على سبيل الاستقلال بالأنبياء، والترضي عن الصحابة، والترحم على من بعدهم هذا العرف العلمي عند أهل العلم، كما أنه لا يقال: محمد -﷿- لا يقال: أبو بكر -ﷺ-، محمد لا يقال: -﷿- وإن كان عزيزًا جليلًا، والنبي -﵊- لما قال الله -جل وعلا-: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [(١٠٣) سورة التوبة] جاء أبو أوفى بزكاته فامتثل النبي -﵊- الأمر وقال: اللهم صلي على آل أبي أوفى، اللهم صلي على آل أبي أوفى، هذا يستدل به من يرى الجواز على ألا يكون شعارًا لواحد بعينه.
"وآل كل"، الآل الأصل هم الأهل، ويدخل فيهم الأزواج والذرية والأقارب، ويدخل فيهم الأتباع، يدخل فيهم الأتباع، "وآل كلٍ" التنوين هذا تنوين عوض، "وآل كل" واحد منهم، "وسائر الصالحين" "سائر" تطلق ويراد بها الباقي، وتطلق ويراد بها الكل، يعني باقي الصالحين بعد أن صليت وسلمت على الآل الذي يبقي من الصالحين يصلى عليه ويسلم تبعًا للأنبياء.
[ ١٥ ]
"وسائر الصالحين"، "الصالح" هو القائم بحقوق الله -جل وعلا- وحقوق عباده، هو القائم بحقوق الله -جل وعلا- وحقوق عباده، فهذا الوصف ليحرص المسلم على الاتصاف به؛ ليكون صالحًا لئلا يحرم نفسه من دعاء الناس له بالسلامة "السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين"، وهذه الجملة تقال من محمد -﵊- إلى آخر مسلم يقولها ويكررها في كل صلاة، فالذي يتصف بضد الصلاح قد حرم نفسه من دعوات المسلمين على مر العصور والأزمان، وهذا حرمان عظيم ألا تحب أن يدعى لك وأنت لا تشعر من قبل الملايين، تحرم نفسك من هذه الدعوة، عليك أن تسعى جاهدًا لتحقيق هذا الوصف.
"أما بعد": "أما": حرف شرط وتفصيل، "بعد" قائم مقام الشرط، وجوابها المتصل بالفاء "فقد روينا" إلى أخره ، و"بعد": قائم مقام الشرط مبني على الضم لحذف المضاف مع نيته؛ لأن بعد وقبل والجهات الست كلها لا تخلوا إما أن تضاف فتعرب ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [(١٣٧) سورة آل عمران]، أو تقطع عن الإضافة يعني يحذف المضاف إليه مع عدم نيته، وحينئذ تعرب منونة.
فصاغ لي الشراب وكنت قبلًا . . . . . . . . .
أو يحذف المضاف مع نيته وبقائه وكأنه مذكور وحينئذ تبنى على الضم.
و"أما بعد" الإتيان بها في الخطب والمراسلات والدروس، الإتيان بها سنة ثبتت عن أكثر من ثلاثين صحابيًا عنه -﵊-، فالإتيان بها سنة ولا يقوم غيرها مقامها، وإبدال الواو مكان أما هذا عرف عند المتأخرين، ويقولون: إن الواو تقوم مقام أما، لكنه لا يحصل به الامتثال والإقتداء بالنبي -﵊-، والأصل أن "أما بعد" تابعة للانتقال من موضوع إلى موضوع، من المقدمة إلى صلب الموضوع، أو من موضوع إلى موضوع أخر.
"أما بعد" قد اختلف العلماء في أول من قالها على أقوال:
جر الخُلف أما بعد من كان بادئًا بها عد أقوال وداود أقرب
ويعقوب أيوب الصبور وآدم وقس وسحبان وكعب ويعرب
ولكن الأكثر على أنه داود وهي فصل الخطاب الذي أوتيه.
[ ١٦ ]
"أما بعد: فقد روينا عن علي بن أبي طالب" النووي يروي "عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس إلى آخره، يروى عنهم مباشرة وإلا بواسطة؟ بوسائط روينا يعني بالوسائط، بالأسانيد، ولذا رأي ابن الصلاح في مثل هذا أن يقول: روّينا، ما يقول: روَينا: يقول: إيش، يقول: روّينا عن علي بن أبي طالب -أمير المؤمنين-، وعبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري -﵃- من طرق كثيرات بروايات متنوعات"، مروي عن جمع غفير من الصحابة، وكل صحابي له رواة، وكل تابع له رواة، فالأسانيد كثيرة جدًا، والطرق لهذا الحديث كثيرة، لكنه ضعيف بجميع طرقه وألفاظه اتفق الحفاظ على ضعفه، وكلها شديدة الضعف، كلها شديدة الضعف ولذا ابن الجوزي أورد الحديث في العلل المتناهية بطرقه وبين أنها كثير منها موضوع، ومنها ما هو شديد الضعف فلا يجبر بعضها بعضًا، وإلا فالضعيف الذي ليس ضعفه بشديد إذا جاء من طرق يجبر بعضها بعضًا ويرتقي إلى الحسن لغيره، وإن كان السيوطي وبعض المتأخرين يجعلون شديد الضعف كالضعيف لا سيما إذا تعددت طرقه تعددًا كثيرًا؛ لأنه إذا وجد ضعيفًا ليس ضعفه بشديد ووجد مثله يرتقي به إلى الحسن لغيره، لكن افترضنا أنه شديد ضعف مع شديد ضعف، نعم على طريقة السيوطي ومن يقول بقوله، إنه شديد ضعف مع شديد ضعف ارتقى إلى ضعيف ليس ضعفه بشديد على جهة الترقية، ثم الثاني والثالث كل واحد يخفف هذا الضعف إلى أن يكون كالذي بُدئ كما يقول السيوطي في ألفيته، يعني يكون مثل الضعيف خفيف الضعف، يعني إذا قلنا: إن الضعيف بحديث أخر مثله مساويٍ له أو فوقه يرتقي إلى الحسن لغيره، الشديد الضعف بمثله يرتقي إلى الضعيف، يعني على طريقتهم في ترقية الضعيف إلى الحسن، والحسن إلى الصحيح، الشديد الضعف يرتقي إلى الضعيف، ومثله ومثله ومثله يخف الضعف، يخف، يخف إلى أن يصل إلى الحسن عند الحسن لغيره عند السيوطي، وعامة أهل العلم على أن الضعيف شديد الضعف وجوده مثل عدمه، وجوده مثل عدمه، ولذا حكم أو اتفق الحفاظ كما سيأتي في كلام المؤلف أنه
[ ١٧ ]
ضعيف وإن كثرت طرقه، وهذا هو المعمول به عند أهل العلم أن شديد الضعف وجوده مثل عدمه، "بروايات متنوعة أن رسول الله -ﷺ- قال: «من حفظ على أمتي أربعين حديثًا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء» "، في أمر دينها يعني: لو جمع شخص أربعين حديثًا في البيوع، أو في الطعام في الأطعمة، أو في الطب يدخل في مثل هذا الحديث أو لا يدخل؟
المعاملات من الدين، المعاملات من الدين إذا قصد بذلك معرفة ما يجوز وما لا يجوز، وجمعت الأحاديث الدالة على العقود الصحيحة والفاسدة والباطلة هذا من الدين، فالدين أعم من أن يكون عبادات أو معاملات أو جنايات أو غير ذلك، الدين بجميع أبوابه على ما سيأتي في حديث جبريل لما سأل النبي -﵊- عن الإسلام والإيمان والإحسان قال: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم»، يعني بجميع أبوب الدين، فيطلق الدين على جميع الأبواب، لكن من جمع أربعين حديثًا في الطب كتب السنة فيها أبواب للمرضى والطب، هل نقول: إن الطب من الدين؟ هذا جمع أربعين حديثًا في الأطعمة، حديثًا في العسل، حديثًا في كذا، حديثًا في يعني ما جاء في الأطعمة، فينظر في الباعث إن كان من أجل أن يتدين بمعرفة الحلال منها والحرام، وما يحبه النبي -﵊- وما يكره فهذا داخل، وإن كان يقصد بذلك منفعة بدنه غير ناظر إلى أمر دينه فلا يدخل.
[ ١٨ ]
«من حفظ على أمتي أربعين حديثًا من أمر دينها» من حفظ هل يكفي أن يعمد إلى الحفظ، ويحفظ هذه الأربعين أو غيرها من الأربعينيات، فيدخل في الحديث لعموم من حفظ والحفظ حفظ الصدر كما هو الأصل، أو يكون يؤلف ويجمع للناس أربعين حديثًا مثل ما فعل النووي وغيره؟ الحفظ أعم من أن يكون حفظ صدر، أو حفظ كتاب «من حفظ على أمتي أربعين حديثًا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء»، وكما هو معلوم هذا حديث ضعيف شديد الضعف عند أهل العلم، وفي رواية «بعثه الله فقيها عالمًا»، وفي راوية أبي الدرداء «وكنت له يوم القيامة شافعًا وشهيدًا»، وفي رواية ابن مسعود -﵁- «قيل له: ادخل من أي أبواب الجنة شئت» وفي رواية ابن عمر -﵁- «كتب في زمرة العلماء، وحشر في زمرة الشهداء».
ولا شك أن هذا ترغيب عظيم في جمع الأربعين لو صح، لكنه كما قال النووي: "اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف"، "اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه"، "وإن كثرت طرقه"، فهو مروي عن جمع غفير من الصحابة وعن كل صحابي جمع من التابعين وهكذا، مما لم يحصل مثله لكثير من الأحاديث الصحيحة، يعني الحديث الأول حديث عمر ما رواه عن النبي -﵊- مما يثبت بالأسانيد إلا عمر بن الخطاب، وما رواه عن عمر إلا علقمة على ما سيأتي، وما رواه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي، وما رواه عنه إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، واتفق العلماء، أجمع العلماء على صحته وهذا مروي عن جمع غفير من الصحابة، واتفق الحفاظ على ضعفه فالعبرة بالأسانيد ونظافتها وصحتها، وصحة النسبة إلى النبي -﵊-، طيب.
[ ١٩ ]
"اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه" لماذا عمل به أهل العلم، وصنفوا الأربعينات؟ صنفوا يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وقد صنف العلماء -﵃- في هذا الباب ما لا يحصى من المصنفات"، كتب كثيرة في الأربعين لا يمكن حصرها ولا عدها في أبواب متفرقة متنوعة متكاثرة من أبواب الدين، يقول: "وقد صنف العلماء -﵃- في هذا الباب ما لا يحصى من المصنفات فأول من علمته صنف فيه عبد الله بن المبارك" الإمام الزاهد المجاهد عبد الله بن المبارك، "ثم محمد بن أسلم الطوسي العالم الرباني"، العالم الرباني الذي تعلم وعلم وعمل وعلم، أو ربى الناس على العلم بدء بصغاره قبل كباره كما يقول ابن عباس، المقصود أنه متصف بهذا الاسم، "ثم الحسن بن سفيان النسوي أو النسائي وأبو بكر الآجري"، الأول: صاحب النسائي، والثاني: صاحب أبي داود، "وأبو محمد بن إبراهيم الأصفهاني"، "والدارقطني" الإمام أبو الحسن المعروف، "والحاكم" أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن البيع النيسابوري، "وأبو نعيم الأصبهاني"، "وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو سعد الماليني، وأبو عثمان الصابوني، وعبد الله بن محمد الأنصاري، وأبو بكر البيهقي، وخلائق لا يحصون من المتقدمين والمتأخرين"، حتى ألف بعضهم أربعين أربعين، أربعين أربعين يعني أربعين كتابًا كلها أربعين، وكل أربعين في باب من أبواب الدين، ثم يقول -رحمه الله تعالى-: "وقد استخرت الله تعالى، وقد استخرت الله تعالى في جمع أربعين حديثًا عملًا بالحديث، وإلا إقتداء بهؤلاء الأئمة الأعلام، يقول: "اقتداء بهؤلاء الأئمة الأعلام وحفاظ الإسلام"، لكن هل العبرة بما ثبت عن الله وعن رسوله، أو بما ثبت عن غيره عن غير الله وعن غير رسوله -﵊- مهما رسخت قدمه في الإسلام وعلا شأنه، العبرة بما ثبت عن الله وعن رسوله.
العلم قال الله قال رسوله . . . . . . . . .
[ ٢٠ ]
هذه هي الحجج الملزمة أما كونه ثبت عن فلان أو علان أو فعل كذا، لا شك أن كون الإمام السابق من أهل الإقتداء والإئتساء والإتباع تستروح النفس وتميل إلى تقليده؛ لأن عادته وديدنه ألا يعمل إلا بشيء له أصل، لكن يبقى أن الإقتداء وأن الأسوة إنما تكون بالنبي -﵊-، يقول: "اقتداءً بهؤلاء الأعلام وحفاظ الإسلام، وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال" وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال.
أولًا: هذا الاتفاق منقوض لوجود المخالف، فمن أهل العلم من لا يرى العمل بالضعيف مطلقًا، بل منهم من لا يرى العمل بالحسن مطلقًا، ومنهم من لا يرى العمل بالحسن لغيره ويرى العمل بالحسن لذاته، كل هذا وارد على قوله: "وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالضعيف بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال".
أولًا: المخالف موجود أبو حاتم الرازي لا يرى العمل بالحسن يعني ومن باب أولى الضعيف، البخاري ومسلم صنيعهما يدل على أن الضعيف لا يعمل به مطلقًا، شنع الإمام مسلم في مقدمة صحيحه على من يروي الأحاديث الضعيفة ويلقي بها إلى العامة شدد في هذا الأمر في مقدمة الصحيح، أبو بكر بن العربي أيضًا شدد على من يحتجون بالضعيف في الفضائل وغيرها، شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أيضًا لا يرون العمل بالضعيف مطلقًا، الشوكاني والألباني جمع من أهل العلم يرون عدم العمل بالضعيف مطلقًا، كيف ينقل النووي الاتفاق على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال؟
أولًا: النووي -رحمه الله تعالى- متساهل في نقل الإجماع، عرف عنه التساهل في نقل الإجماع، هذا الاتفاق الذي ذكره نقله عنه أيضًا الملا على قاري في "شرح المشكاة" نقل الاتفاق أيضًا، لكن إذا وجد المخالف يوجد اتفاق لا يمكن، إذا وجد المخالف انتفى الاتفاق.
[ ٢١ ]
الأمر الثاني: أن النووي -﵀- متساهل ويذكر في كتبه لا سميا شرح المهذب، وشرح مسلم، ينقل الاتفاق ثم ينقل القول المخالف، ثم ينقل قول المخالف، وقد ينقل الاتفاق في مسائل الخلاف فيها معروف، نقل الاتفاق على أن عيادة المريض سنة، مع أن الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- ترجم في صحيحه باب "وجوب عيادة المريض"، باب "وجوب عيادة المريض" ونقل الاتفاق على أن صلاة الكسوف سنة مع أن أبا عوانة في صحيحه ترجم باب "وجوب صلاة الكسوف"، ومسائل كثيرة يعني بالاستقراء والتتبع ظهر أن عند النووي مسائل ينقل فيها الاتفاق وقد ينقل الخلاف هو بنفسه ممن يعتد بخلافه، أما كونه ينقل الاتفاق ثم ينقل رأي الظاهرية هذا لا يستدرك به عليه لماذا؟ لأنه لا يعتد بقولهم، وصرح بأنه لا يعتد بقول داود؛ لعدم عمله بالقياس الذي هو أحد أركان الاجتهاد، فما دام الأمر كذلك ومتساهل في النقل وعرفنا أيضًا أن من العلماء من خالف في هذه المسألة وفي غيرها مما نقل فيه الاتفاق هذا يجعلونا لا نهاب هذا الاتفاق، لا نهاب هذا الاتفاق، مع أن الأصل أن على طالب العلم أن يهاب الاتفاق والإجماع؛ لئلا يشذ، لكن هذا الاتفاق الذي ذكره النووي -﵀- لوجود المخالف بكثرة يجعلنا لا نهاب مثل هذا الاتفاق، وإن كان الشوكاني توسع في مثل هذا وقال: دعاوى الإجماع، دعاوى الإجماع تجعل طالب العلم لا يهاب الإجماع، مع أن الأصل أن على طالب العلم أن يهاب الإجماع، لكن إجماع بعينه منقوض لا يهاب، ويبقى أنه قول الأكثر وحينئذ نقول: إن العمل بالضعيف في فضائل الأعمال هو قول الأكثر هو قول الجمهور بشروط يشترطونها، بشروط يشترطونها ألا يكون الضعف شديدًا.
ألا يكون الضعف شديدًا.
وأن يندرج تحت أصل عام.
وأن لا يعتقد عند العمل به ثبوته.
[ ٢٢ ]
نأتي إلى الشرط الأول ألا يكون الضعف شديدًا حديث الباب، حدثينا «من حفظ على أمتي أربعين حديثًا» شديد الضعف، شديد الضعف فلا يصلح أن يستدل به للعمل بمثل هذه الأربعين، ولذلك ما قال النووي -﵀- ألفتها عملًا بالحديث لا، وإن كان قوله: إن الحديث الضعيف ونقل الاتفاق عليه أن يُعمل به في فضائل الأعمال، أنه يستروح إلى العمل بهذا الحديث بعينه، لكن قدم الإقتداء بأهل العلم بهؤلاء الأئمة الأعلام، قدم الإقتداء بهم على العمل بهذا الحديث لشدة ضعفه، فهذا الحديث شديد الضعف فأول شرط من شروط العمل بالضعيف انتفى.
الأمر الثاني: أن يندرج تحت أصل عام، الاندراج تحت أصل عام ذكره النووي في مقدمته، "ومع هذا فليس اعتمادي على هذا الحديث بل على قوله -ﷺ- في الأحاديث الصحيحة «ليبلغ الشاهد منكم الغائب»، وقوله -ﷺ-: «نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها»، " يعني هذا الحديث اندرج تحت هذه الأصول الشرط الثاني متحقق.
أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، يعني وأنت تألف أربعين لا تعتقد ثبوت حديث «من حفظ على أمتي» وإنما أعتقد الاحتياط؛ لأنه إن ثبت ثبت الموعود به وإلا فلا ضرر هذا مراده، يعني لو أن إنسانًا استصحب الحث على النوافل، نوافل الصيام أو نوافل الصلاة مثلًا فقال: أنا استصحب هذا الأصل العام، وأصلي في كل يوم ما بين الساعة التاسعة إلى العاشرة عشر ركعات يصح وإلا ما يصح؟ يعني جعل هذا ديدن له من تسع إلى عشر لا يخلفه في سفر ولا حضر، يجوز وإلا ما يجوز؟ أن يستصحب الترغيب بكثرة الصلاة «أعني على نفسك بكثرة السجود» واتخذ هذا الوقت المحدد من تسع إلى عشر سواء كان في النهار أو في الليل وقت لهذه العشر الركعات لا يقدم ولا يؤخر، نقول استصحب أصل عام وهو الحث على الصلاة أو نقول ابتدع؟ نعم.
طالب. . . . . . . . .
[ ٢٣ ]
كيف؟ لكنه في وقت محدد؛ لأن العبادة ينظر إليها من جهات في كيفيتها وفي قدرها في وقتها وفي مكانها، لو التزم مكانًا معينًا يقول: أنا جاء الحث على الصلوات فأصلي عشرين ركعة كل يوم في هذه الزاوية لا أتعداها، يعني كونه يرى أن هذه الزاوية أبعد له وأحفظ لصلاته هذا مقصد شرعي، لكن ليست لها ميزة بحيث لا يتعدها، الأمور العبادية ينظر فيها إلى مقاصد الشرع من جهة وما ورد عن الشرع هو الأصل، فلا بد أن نهتم بهذا.
هذا يصلي عشر ركعات من الساعة التاسعة والعاشرة صباحًا ومساءً -خله مرتين- بحيث لا يتعداه، بصلوات ثابتة -يعني بركعتين بركوع وسجود وقراءة ليس لها صفة زائدة-، يعني لو قال: أنا أصلي صلاة الرغائب، أو صلاة التسبيح، جاء الحث على الصلاة والحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال، وهذه من الفضائل ولا أعتقد ثبوته، أعتقد الاحتياط نقول: مصيب وإلا غير مصيب؟ على كلام النووي نصلي صلاة الرغائب ونصلي صلاة التسبيح؛ لأنها تندرج تحت الأصل العام مع أن الحديث ضعيف، وهم يشترطون أن لا يكون شديد الضعف، ولا يعتقد عند العمل به ثبوته إنما يعتقد الاحتياط. نعم
طالب. . . . . . . . .
نعم تخصيص المكان أو الزمان بدون مخصص شرعي ابتداع -إحداث في الدين-، طيب تخصيص يوم من أيام الأسبوع لختم القرآن بدعة وإلا ليست ببدعة؟
طالب: فيه تفصيل إن كان هذا هو اليوم المناسب لظرفه فلا بأس وإن قصده من غير. . . . . . . . .
أفترض أن هذا الشخص يختم القرآن في كل يوم جمعة أو في كل يوم سبت أو في كل يوم اثنين أو هكذا، يعني هل هذا يدل عليه نص أو لازم دلالة النص؟
الطالب. . . . . . . . .
لازم دلالة النص، كيف؟
الطالب. . . . . . . . .
[ ٢٤ ]
نعم، «اقرؤا القرآن في سبع» والأسبوع سبعة أيام، ومن لازم قراءة القران في سابع أن يكون يوم الختم واحد هذا ماشي، يعني ليس من عمل السلف إنما هو من لازم عملهم حينما يحزبون القرآن إلى سبعة أقسام -سبعة أحزاب-، مقتضاه أن الحزب الأول في يوم السبت مثلًا الحزب الأخير في يوم الجمعة فهذا من لازم النص ومن لازم عمل السلف أيضًا، يعني لو كان الأسبوع ثمانية أيام وقال: أنا أختم يوم الجمعة، كل يوم جمعة قلنا لا؛ لأنه ليس من لازم النص، يلزم النص إذا كانت أسباب وعلى أسبوع والأسبوع سبعة أيام، المقصود أن مثل هذه الأمور ينتبه لها فلا ينزلق الإنسان في بدعة وهو لا يشعر.
وقولهم: كونه يندرج تحت أصل عام، الأصل العام لا يخلوا إما أن يدل عليه دلالة مطابقة أو دلالة موافقة في الجملة، موافقة من وجه ومخالفة من وجه، فإذا دل النص -الأصل العام- على مطابقة فهذا لا مانع من العمل به، مثل إيش مثل من جلس حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين، ركعتين ليس لهما صفة زائدة عما جاء عن النبي -﵊- ركعتين كما يصلي تحية المسجد، كما يصلي ركعتي الفجر، كما يصلي ليس لها صفة زائدة، فنقول: إذا جلس حتى تطلع الشمس بفعل النبي -﵊- ثم صلى ركعتين سواء كانت المذكورة في حديث: «من صلى الصبح في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين فكان له أجر حجة»، المقصود إن كان يقصد هذا الثواب فلا إشكال فيه؛ لأن هاتين الركعتين ليست لهما صفة زائدة وجاءت نصوص تدل عليها باعتبارها صلاة الضحى، سواء كانت هذه أو ذاك لا إشكال فيها؛ لأنه ليس لها صفة زائدة لكن ماذا عن صلاة التسابيح أو صلاة الرغائب؟ فيه أوصاف كثيرة زائدة عما شرعه الله -جل وعلا- فمثل هذه لوجود هذه المخالفة لا يتعبد بها؛ لأن الأصل العام لا يدل عليها، الأصل العام يدل على الركعتين بعد طلوع الشمس، لكن الأصل العام لا يدل على صلاة الرغائب ولا على صلاة التسابيح لماذا؟ لأن لها صفات زائدة لم ترد في الأصل العام، فيفرق بين هذا وهذا.
[ ٢٥ ]
ألا يعتقد عند العمل به ثبوته وإنما يعتقد الاحتياط، الاحتياط، الاحتياط معروف عند أهل العلم فقول النبي -﵊- «هو لك يا عبد بن زمعة واحتجبي منه يا سودة» هذا احتياط، احتياط شرعي؛ لأن له سبب، هذا الاحتياط له سبب، ما السبب؟ الشبه البين بعتبة، يعني الحكم الشرعي هو ابن لزمعة، ومقتضى ذلك أن يكون أخًا لسودة وما دام أخًا لها فهي تكشف له، ولكن قال النبي -﵊-: «احتجبي عنه يا سودة» لأن له شبه بين بعتبة، الحكم الظاهر الشرعي هو لزمعة، والشبهة قائمة وقوية أن يكون لعتبة، الشبه بين به وهذا الشبه بمفرده لا يؤثر في الحكم وإن كان شبهة يؤثر في الطرف الأخر فيحتجب منه هذا احتياط، لكن إذا أدى الاحتياط كما يقول شيخ الإسلام: إذا أدى الاحتياط إلى ارتكاب محظور أو ترك مأمور فالاحتياط في ترك هذا الاحتياط، الاحتياط في ترك هذا الاحتياط، أحيانًا ما تستطيع ما في مفر إن احتطت للواجب فرطت في المحرم أو العكس، فأنت حينئذ لا بد أن تعمل بالراجح، لا بد أن تعمل بالراجح ولا تحتاط في مثل هذه المسألة؛ لأن الاحتياط يلزم عليه ارتكاب محظور أو ترك مأمور، فليس العمل بالاحتياط جادة مضطردة وإنما إذا وجد المبرر، والأحوط لا يترتب عليه ارتكاب محظور ولا ترك مأمور، فيعمل بالاحتياط.
هناك شروط زادها السخاوي في "القول البديع" وقبله ابن حجر في "تبيين العجب فيما جاء في فضل رجب" شروط أوصلوها إلى عشرة، المقصود أن هذه الشروط لا يمكن تحقيقها؛ لأن أصل المسألة فيه ما فيه، كيف فيه ما فيه؟ لأن فضائل الأعمال ما الذي يراد بها؟ فضائل الأعمال ما يرتب عليه ثواب أو ما يرجى ثوابه، في ثواب يرجى وإلا ما فيه.
طالب: فيه.
إذًا في ثواب يرجى وليس في تركه عقاب، إذًا هو إيش المندوب والمندوب حكم من الأحكام التكليفية، كيف نقول نتساهل في الفضائل، ولا نتساهل في الأحكام والفضائل حكم من الأحكام؟ إذا ما دام الفضائل هي المندوبات وهي السنن التي نرجوا ثوابها ولا نخشى عقاب تركها هذا هو حد السنة -حد المندوب-، والمندوب والسنة من الأحكام التكليفية، فأصل المسألة يشاحح فيه، أصل المسألة يشاحح فيه ينازع فيه.
[ ٢٦ ]
يذكر عن الإمام أحمد -﵀- وابن مهدي جمع غفير من أهل العمل أنهم يقولون: إذا روينا في الأحكام تشددنا، وإذا روينا في الفضائل تساهلنا، مما يُصنف به هؤلاء ممن يقولوا بالتفريق بين الفضائل والأحكام، نعم هم يقولون بالتفريق لكن أي تفريق، شيخ الإسلام -﵀- يرى أن الإمام أحمد لا يعمل بالضعيف في الأحكام ويعمل به في الفضائل، لا يعمل بالضعيف في الأحكام وإنما يعمل به في الفضائل، لكنه يرى أن الضعيف عند الإمام أحمد ليس هو الضعيف عند المتأخرين المردود قسيم المقبول، إنما هو قسم من أقسام المقبول فهو الحسن عند من جاء بعده.
ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟ كل هذا لأن شيخ الإسلام يرى عدم العمل بالضعيف مطلقًا، الضعيف المصطلح عليه عند المتأخرين، فهو يقول: إن الضعيف عند الإمام أحمد وغيره من المتقدمين المراد به قسم من أقسام المقبول لا المردود فيجعله هو الحسن، فالحسن بالنسبة إلى الصحيح ضعيف ضعيف لكنه في إطار القبول، لكن، ويذكر شيخ الإسلام أن الحسن لم يكن معروفًا قبل الترمذي، نعم الحسن معروف قبل الترمذي عند طبقة الإمام أحمد معروف الحسن، الأمر الثاني: أن قول شيخ الإسلام يترتب عليه أن الإمام أحمد لا يرى العمل بالحسن في الأحكام وهذا غير معروف عنده ولا عند أصحابه، كيف الإمام أحمد لا يرى العمل بالحسن في الأحكام، ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟ نعم.
طالب. . . . . . . . .
كيف.
طالب. . . . . . . . .
إذا قال الشيخ -﵀-: الضعيف يساوي الحسن، الضعيف يساوي الحسن، مو بهذا تقرير شيخ الإسلام أن الضعيف يساوي الحسن، الضعيف لا يحتج به في الأحكام، إذًا الحسن لا يحتج به في الأحكام وهذا غير معروف في مذهبه -﵀-، لا عنده ولا من قوله ولا من قول أتباعه من بعده.
فالضعيف في كلامه -رحمه الله تعالى-: المراد به الذي لم يصل إلى درجة القبول، أما من وصل إلى درجة القبول فهو الحسن وقد يرتقي إلى الصحيح كما هو معروف.
[ ٢٧ ]
يتفقون على أن الضعيف لا يحتج به في العقائد والأحكام أيضًا، إلا أن الباحث في كتب الفقه في الأحكام في الحلال والحرام يجد أن هذه الكتب مملوءة بالأحاديث الضعيفة، كيف يقررون ويقعدون أن الضعيف لا يعمل به في الأحكام، ومع ذلك كتب الأحكام فيها أحاديث ضعيفة، حتى كتب أحاديث الأحكام فيها أحاديث ضعيفة؟ كيف نقرر كلام نظري ثم عند العمل والتطبيق نخالف؟
[ ٢٨ ]
يعني لو رجعت إلى المجموع للنووي وجدت فيه أحاديثًا ضعيفة، وهو ممن يجمع بين الفقه والحديث، وإذا رجعت إلى المغني فيه أحاديث ضعيفة، إذا رجعت إلى كتب الحنيفة كذلك، كتب المالكية كذلك، كيف يقولون: إن الضعيف لا يعمل به في الأحكام يتفقون على هذا ثم بعد ذلك كتبهم مملؤة، مرد ذلك إلى عدم علمهم بهذه الصنعة، يوردون الأحاديث يتناقلونها ينقلها بعضهم عن بعض وهم لا يعرفون ضعفها، وقد يحتاجون إلى تعليل الأحاديث، قد يقول قائل: النووي من أهل الصنعة ويعلل الأحاديث ويصحح ويضعف، لكنه قد يتساهل في التصحيح، قد يكتفي بتصحيح الترمذي، قد يكتفي بسكوت أبي داود ثم يدخل عليه الدخل من هذه الحيثية، بينما المغنى وغيره ليس بمثابة النووي في علم الحديث، لكنه مع ذلك له يد في التصحيح والتضعيف بالنقل عن غيره، وأكثر ما تجده يتعرض للتصحيح والتضعيف في أحاديث أللي يسميها الفقهاء الخصوم -يعني تسمية غير مقبولة-، لكن جروا على هذا، من الفقهاء من يسميهم الخصوم، يعني الزيلعي في "نصب الراء" يكثر من قوله: استدل الخصوم، ولنا وللخصم، وكذا، هذا على طريق سبيل المناظرة يعدونه خصم وهو في الأصل من أهل العلم ومن أهل الفضل، يعني يخاصم ينازع في حكم هذه المسألة، يعني بينهما نزاع في حكم هذه المسألة والنزاع هو الخصام، بس النزاع أخف والخلاف أخف من النزاع ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ﴾ [(٤٦) سورة الأنفال]، المقصود أن من الفقهاء من يتعرض للتصحيح والتضعيف يصحح أحاديث التي يستدل بها، وقد ينقد الأحاديث التي يستدل بها مخالفه، وإن كان ابن قدامة يعني عنده شيء من الاعتدال والإنصاف، وقد يخرج عما يقرره في المذهب لقوة دليله، وإن كان النووي أوضح في هذا يعني مخالفة النووي للشافعية أكثر من مخالفة ابن قدامة للحنابلة تبعًا للدليل.
قلنا: إن إيراد هذه الأحاديث الضعيفة في كتب الأحكام مع أنه لا يحتج بها في الأحكام اتفاقًا إنما هو من باب غفلة مؤلفيها عن الصنعة الحديثية، ناهيك عما في كتب التفسير، وما في كتب المغازي، وما في السير، وما في التواريخ والأدب من الأخبار الضعيفة والباطلة والواهية هذا فيه كثير.
[ ٢٩ ]
وإذا قلنا: إن الضعيف لا يحتج به مطلقًا سد الباب على أمثل أولئك الذين يشغلون طلاب العلم بما لم يثبت عما ثبت، يشغلون طلاب العلم بما لم يثبت عما ثبت، ويشغلون العامل بالعمل بما لم يثبت عن العمل بما ثبت، تجد كثيرًا ممن غلب عليه جانب العمل عنده شيء من الغفلة عن العلم، فتجد كثيرًا من أعماله مبناه على أحاديث ضعيفة، وإذا تشبث الإنسان بالضعيف لا شك أنه سيغفل لا محالة عن ما ثبت عن النبي -﵊-، ولذا لو كان معول طالب العلم وعمدته على الصحيحين قبل غيرهما، فإذا أتقن الأحاديث الصحيحة طلب المزيد مما صح من غيرهما كان تمسكه بالصحيح فيه مشغلة عن التمسك بما لم يصح، بخلاف من اعتمدوا على أحاديث وعلى كتب وعظية، وكتب ترغيب، وكتب ما يكتبه العبّاد ويستدلون به وغالبه من الضعيف، بل فيه كثير من الموضوعات، وانشغلوا بأعمال بناء على ما رتب عليها من أجور اشتغلوا بها عما صح عن النبي -﵊-.
فالقول بحسم المادة وعدم العمل بالضعيف مطلقًا، هو الذي يجعل طالب العلم يعمل بما صح ويسدد ويقارب ويحرص على استيعاب ما صح، وفيه ما يشغله عما لم يصح.
"ومع هذا فليس اعتمادي على هذا الحديث، بل على قوله -ﷺ- في الحديث الصحيح «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» " نعم هذا أصل لتبليغ لكن هل يصلح أن يكون أصلًا للعدد؟ ما يصلح أن يكون أصلًا للعدد، نعم أصل للتبليغ، هذا بلغ أربعين حديثًا، نعم يدخل في «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» لكن العدد، الالتزام بالعدد ما الذي يصلح أن يكون أصلًا له، وقد قلنا إن الحديث ضعيف بل شديد الضعف؟ فالمعول في هذه المسألة على هؤلاء العلماء الأعلام، ونعود إلى أنهم جمع غفير لا يحصون، فإن ثبت الخبر فهذا هو المطلوب، وإن لم يثبت فلمن صنف في الأربعين سلف من هؤلاء الأئمة، وهو أعلام مشهود لهم بالفضل والعلم والورع، وعلى كل حال لو أنشغل الإنسان بما هو أصح من هذا وألف تأليفًا مرسلًا مطلقًا كان أولى من أن يقتصر على هذا العدد؛ لأن الاقتصار على هذا العدد لا يوجد ما يدل عليه.
[ ٣٠ ]
الأمر الثاني: أنه يكون على حساب غيره، ولذا التقيد بالأربعين يحرم من أحاديث كثير منها أهم مما ذكر في الأربعين، ولذا النووي -رحمه الله تعالى- ما تقيد بالأربعين بدقة جعلها اثنين وأربعين حديثًا، وإن كان هذا جاري على طريقة العرب في حذف الكسر، لكن يبقى أن الإنسان يؤلف وهو مرتاح، صارت ستين، صارت سبعين، يؤلف بقدر الحاجة هذا هو الأصل، أما أن يحصر نفسه بعدد معين ثم يترتب على ذلك تسطير المرجوح وترك الراجح كل هذا محافظة على العدد، هذا لاشك أن الذي جر إليه هو اعتماد هذا العدد الذي لا يدل عليه دليل.
اعتنى العلماء بهذه الأربعين وشرحوها بشروح كثيرة، يعني لا يحصى كم من شرح مطول ومختصر ومتوسط على الأربعين للنووي من المتقدمين ومن المتأخرين، من المطبوع ومن المخطوط، ومن المسموع والمقروء كتب كثيرة جدًا.
حتى من أشد الناس تحريًا للإتباع يشرحون الأربعين؛ لأنها أربعين، أو لأن هذه الأحاديث التي جمعت في الأربعين أحاديث في غاية الأهمية، نعم في غاية الأهمية، لو إنها سبعين بهذه القوة والجودة وهذه الانتقاء، هل نقول: إن العالم الفلاني الذي شرحها على أساس أنها أربعين لو عرف أنها سبعين ما شرح؟ لا، إنما شرحت وأهتم بها أهل العلم لما لها من ميزة، فهذه أحاديث كما سيأتي في كلام المؤلف أنها من جوامع الكلم، وقيل في كثير منها أن مدار الأسبوع عليها، وربع الإسلام، وثلث الإسلام أو يدخل في جميع أبواب الدين، وهكذا على ما سيأتي إجمالًا في المقدمة، وتفصيلًا عند قراءة كل حديث.
«نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها» فوعاها: يعني عقلها وحفظها فأداها إلى غيره كما سمعها يعني بحروفها، كما سمعها لم يغير فيها شيئًا، الذي يروي الحديث بالمعنى يدخل في هذه الدعوة وإلا ما يدخل؟
طالب. . . . . . . . .
نعم، كيف؟ لا، عندنا أن نظر في النص الآن «نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها» كما.
طالب. . . . . . . . .
[ ٣١ ]
الظاهر، ظاهر اللفظ أن من روى الحديث بالمعنى لا يدخل؛ لأنه لا بد أن يؤديها كما سمعها والذي يؤدي بالمعنى لا يدخل لا يكون أداها كما سمعها، لكن قد يدخل ليبلغ الشاهد الغائب، يدخل في نصوص كثيرة ولذا جمهور أهل العلم على أن رواية الأحاديث بالمعنى جائزة بشروطها هو رأي الجمهور، رأي الجمهور أن رواية الحديث بالمعنى جائزة، ولذا حديث الأعمال بالنيات مروي في سبعة مواضع يختلف بعضها عن بعض زيادة ونقص، امرأة ينكحها، امرأة يتزوجها، دنيًا يصيبها المقصود أنها الألفاظ في صحيح البخاري فضلًا عن غيره متفاوتة، أيضًا حديث النعمان بن بشير «مشتبهات» «متشابهات» «مشبهات» وألفاظ كثيرة فيها زيادة ونقص، وسيأتي شيء من ذلك -إن شاء الله تعالى-.
على كال حال من روى الحديث بلفظه كما هو الأصل، ومن رواه بالمعنى بشروطه:
أن يكون عارفًا بمدلولات الألفاظ وما يحيل المعاني.
وألا يكون المتروك يعني المحذوف، أو المغير المذكور في الحديث له ارتباط بالمغير، يعني.
[ ٣٢ ]
وألا يكون أيضًا النص مما يتعبد بلفظه، ألا يكون النص مما يتعبد بلفظه، ففي حديث النوم حديث البراء بن عازب لما ذكر النبي -﵊- الحديث «ونبيك الذي أرسلت» قال عند عرض الحديث على النبي -﵊- قال: ورسولك الذي أرسلت قال: «لا، قل: ونبيك الذي أرسلت». "ثم من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين، الأربعين في أصول الدين يعني في العقائد، وبعضهم في الفروع في أحاديث الأحكام، وبعضهم في العبادات، بعضهم في المعاملات، بعضهم في الجهاد، وبعضهم في الزهد، وبعضهم في الآداب، وبعضهم في الخطب، وكلها مقاصد" جيدة ومن أخر ما أُلّف "الأربعين في فضائل البلد الحرام" "الأربعون المكية" يعني كتاب فيه أربعون حديثًا في فضائل البلد الحرام، وألف من قبل مشروع تعظيم البلد الحرام هذه من أخر ما أُلّف، يقول المؤلف: "وكلها مقاصد صالحة"، فالذي يؤلف في الأصول له مقصد حسن وأن الأصل الاعتقاد هو الأصل، ومن ألف في الفروع، من ألف في العبادات، من ألف في الجهاد كل واحد منهم ألف في باب يرى أن الحاجة داعية إلى التأليف فيه، فمقصده صالح -رضي الله عن قاصدها-، -رضي الله- عن هؤلاء المؤلفين.
قال: "وقد رأيت جمع أربعين أهم من هذا كله"، هذه الأحاديث الأربعين جوامع وهي أصول للدين، لكن هل هي أهم من الأربعين في أصول الدين في العقائد؟ يقول: "وقد رأيت جمع أربعين" وهي في حقيقتها اثنان وأربعون حديثًا لكنه جاري على طريقة العرب في حذف الكسر، "أهم من هذا كله وهي أربعون حديثًا مشتملةٌ على جميع ذلك"، يعني فيها من جميع الأبواب المذكورة، منتقاة من الأبواب المذكورة وكل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين، وسيأتي تقرير ذلك أثناء شرح الأحاديث، يقول: قد وصفه العلماء يعني كل حديث منها قد وصفه العلماء بأن مدار الإسلام عليه.
عمدة الدين عندنا كلمات أربع من قول خير البرية
اتق الشبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعملن بنية
[ ٣٣ ]
سيأتي هذا -إن شاء الله تعالى- بأن مدار الإسلام عليه أو هو نصف الإسلام، أو ثلثه، أو نحو ذلك، ثم ألتزم في هذه الأربعين، ثم ألتزم في هذه الأربعين أن تكون صحيحة، اشترط المؤلف أن تكون هذه الأربعين صحيحة لكنه من وجهة نظره صحح بعض الأحاديث التي يخالف ويختلف معها في تصحيحها وهي يسيرة، اثنين، أو ثلاثة، أو أربعة لا تزيد على الخمسة لكن المحقق اثنان والثالث يعني النزاع فيه قوي.
"ثم ألتزم في هذه الأربعين أن تكون صحيحة، ومعظمها في صحيحي البخاري ومسلم، وأذكرها محذوفة الأسانيد؛ ليسهل حفظها"، وأذكرها محذوفة الأسانيد يعني من بعد الصحابي ما في أحد، لا يذكر التابعي إلا إذا دعت الضرورة إليه بأن يكون طرفًا في المتن يعني سأل الصحابي فأجابه.
"محذوفة الأسانيد؛ ليسهل حفظها ويعم الانتفاع بها -إن شاء الله تعالى-"، يعني صغر الحجم، قلة الألفاظ مما يعين على الحفظ، "ثم أتبعها بباب في ضبط خفي ألفاظها" يعني بعد أن ذكر الأحاديث الاثنين والأربعين ذكر بابًا فيه الألفاظ الغريبة التي وردت في ثنايا الكتاب -في الأحاديث-، ولو ذكر هذه اللفظة مع الحديث لكان أولى، لو ذكر هذه اللفظة مع الحديث لكان أولى بدلًا من، بعض الناس لا يخطر على باله أن المؤلف شرح هذا الكلمة في أخر الكتاب، ولا شك أن ذكرها بعد الحديث أيسر، أو التعليق بها على الحديث أسهل. "ثم أتبعها بباب في ضبط خفي ألفاظها، وينبغي لكل راغب في الآخرة" يعني كل حريص على نجاته، "أن يعرف هذه الأحاديث" يحفظ هذه الأربعين، ويفهم هذه الأربعين، ويقرأ ما كتب حولها لا سيما ما كتبه الحافظ ابن رجب في: "جامع العلوم والحكم" يحرص طالب العلم ويعضه بنواجذه.
[ ٣٤ ]
"لما اشتملت عليه من المهمات، واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات"، صحيح احتوت على جميع الطاعات، يأتي في حديث جبريل أنه اشتمل على كثير من أبواب الدين، ويأتي حديث بني الإسلام على خمس، ويأتي في غيرهما من الأحاديث ما يدل على ذلك، "وذلك ظاهر لمن تدبره، وعلى الله اعتمادي"، اعتمادي على الله لا على غيره، وتقديم الجار والمجرور المعمول على عامله لإفادة الحصر، مثل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [(٥) سورة الفاتحة] "وإليه تفويضي واستنادي، وله الحمد النعمة، وبه التوفيق والعصمة".
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الآن عدد الأحاديث كثيرة والأيام الأربعة ما تفي بالأحاديث، فإن أردتم أن يكون الشرح مجرد تعليق وتنتهي الأحاديث، بحيث يشرح في كل يوم عشرة أحاديث على سبيل التعليق الخفيف، أو تريدون شرح بمعنى الشرح ولو اكتفينا بعشرة أحاديث مثلًا أو، نعم.
طالب. . . . . . . . .
لأنه سبق أن شرحنا الأربعين، وشرحنا العشرة الأولى منها بعشرة أشرطة، يعني بعشرة دروس-كل حديث بشريط-، فإن رأيتم أننا نطول، وإن رأيتم أننا نختصر ويكون هذا شرح تعليق، ويتداول في ألبوم صغير ينفع الله به مع هذه المقدمة فالأمر إليكم.
طالب: الثاني.
التعليق أيه تعليق خفيف يحل بعض الألفاظ المشكلة، ونكون بهذا نشرح كل يوم عشرة أحاديث، وننهيه -إن شاء الله تعالى-.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
طالب. . . . . . . . .
[ ٣٥ ]