حديث بيان الإسلام والإيمان والإحسان
الشيخ / عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يقول: ما معنى قول ابن حجر في شروط المتواتر: وأن يصحب ذلك إفادة العلم خبره، من إفادة العلم، مع أن إفادة العلم لازمة للتواتر؟
لا شك أن هذا مشكل وتكلمنا فيه كثيرًا؛ لأنه يلزم منه الدور، يعني من شرط كون الخبر متواترًا أن يفيد العلم، ولا يفيد العلم إلا إذا كان متواترًا، والسبب في ذلك أن العدد ليس له حد محدد ليصل الخبر إلى حد التواتر عند أهل العلم، بل هو ما يرويه جماعة تحيل العادة تواطؤهم على الكذب عن مثلهم -يعني في جميع طبقات السند-، وأن يسند إلى أمر حسي، فكونه لا يصل إلى درجة التواتر حتى يفيد العلم مع أنه لا يفيد العلم إلا إذا كان متواترًا، هذا يلزم عليه الدور، وإن قال في شرح مختصر التحرير: ولا دور، نقول فيه دور.
الأخبار عمومًا نموها مثل: نمو الأجسام، مثل: نمو النبات تنمو شيئًا فشيئًا حتى تصل إلى النتيجة المثمرة، فمثلًا إذا طلب الإنسان العطشان ماءً فأعطي كوبًا من الماء، أو إناء فيه ماء، جرت عادته أن هذا القدر يرويه، وإلا فكيف يعرف أن هذا يرويه وهو ما بعد استعمله بعد، لكن العادة جرت بأن هذا القدر يكفيه، فأحيانًا تكون النتائج معلومة، وإن ترتبت على الوسائل، وترتبت الوسائل عليها مثل التواتر، هم يقولون: لا دور، لكن الذي ينظر بدقة يجد أن الدور متحقق والدور ممنوع، ترتيب الشيء على شيء مترتب عليه، ترتيب الشيء على شيء مترتب عليه هذا الدور، يقول:
لولا مشيبي ما جفا لولا جفاه لم أشب
[ ٣ / ١ ]
ما السبب في الشيب؟ الجفاء، وما السبب في الجفاء؟ الشيب، إذا السبب الحقيقي والغاية بينهما دور لا ينتهيان إلى شيء، وهنا نقول: لا يبلغ حد التواتر حتى تسكن النفس إليه وتطمئن بحيث لا تتردد فيه، نعم في أول الأمر قد يلزم عليه الدور، لكن إذا عرف من العادة المستقرة أن هذا العدد يحصل التواتر -بغض النظر عن تحديد العدد-؛ لأنه قد يكون خبر عشرة يفيد التواتر؛ لما اشتملوا عليه من صفات، وقد يكون خبر مائة لا يفيد التواتر لما اشتملوا عليه من بعض الصفات التي تفت في خبرهم، مثل ما قلنا في الإناء إذا تكامل، أنت تعرف أن معدتك لا تستوعب أكثر من هذا جيء لك بصحن فيه طعام، وقلت هذا كثير عليّ هل يحتاج أن يقال لك جرب هو كثير وإلا ما هو بكثير؟ أنت تعرف عادتك.
السفاريني في شرح منظومته في العقيدة يقول: إن العلم يحصل عنده لا به، العلم يحصل عنده لا به، هذا مقتضى قول الأشعرية الذين يقولون: إن الري يحصل عند الشرب لا به، والشبع يحصل عند الأكل لا به، كل هذا من أجل إلغاء تأثير الأسباب، الإبصار يتم عند البصر لا به، البصر لا يتم به إبصار إنما يتم الإبصار عنده، ولذا يجوزون هذه المسألة منصوصة عندهم ما هي بإلزام وإلا شيء، يقصون على أن أعمى الصين يجوز أن يرى بقة الأندلس، لماذا؟ لأن الإبصار لا يتم بالبصر إنما يتم عنده لا به، يجوز أن يشبع الإنسان وهو ما أكل، والأكل لا يحصل به الشبع إنما يحصل عنده، في كلام مخالف للعقل والنقل، لكن يقال به.
يقول: حصل لبس عند بعض طلبة العلم في مسألة ذكر اسم المخالف؛ لأن فيه غيبة؟ فما هي السنة في ذلك، وهل يكتفى بالتعميم عن الخطأ دون ذكر المخطئ؟
[ ٣ / ٢ ]
معروف أن السنة والجادة أن لا يذكر الشخص بعينه، يعني النبي -﵊- يقول: «ما بال أقوام» وإن كان معروفًا عند الناس، أو معروفًا عند بعضهم ما بال أقوام يفعلون كذا، يقولون كذا، ولو عرف القائل من خلال القول هذا لا يتعلق به حكم، اللهم إلا إذا وصف بوصف يختص به بحيث يعرفه الخاص والعام وقدح فيه، فمثلًا عرف عن شيخ من المشايخ أنه يقول بمسألة خالف فيها، ثم يأتي شخص يذمه ويقول: أنا لا اسميه لئلا تكون غيبة، ثم يسأل بعض الشيوخ الحاضرين أنتم ما رددتم عليه في مسألة كذا، خلاص انكشف ما يحتاج يسميه، المقصود أن أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، يقول: ابن دقيق العيد وقف على شفيرها العلماء والحكام؛ لأن العلماء والحكام بصدد كلام الناس فيهم كثير، يتكلم الناس بكثرة في العلماء والحكام من القدم، فهم يقفون على شفير هذه الحفرة، وهم يقذفون فيها من يتلكم فيهم على أحد التأويلين، والتأويل الثاني: معروف أن العلماء والحكام يحتاجون إلى الكلام في الناس بكثرة هذه وظيفتهم؛ لأنهم بصدد أن يولوا، بصدد أن يحكموا، فهم بحاجة إلى الكلام في الناس، وقد يتكلمون اجتهادًا أو عن هوى؛ لأنهم ليسوا بمعصومين في الناس فيقعون في المحظور، على كل حال المسألة الأصل ألا يذكر الاسم، إذا خشي، إذا فندت، أو فند هذا الخطأ وهذه المخالفة بالأدلة، ونوقش صاحبها، وبذلت له النصيحة فلم ينتصح، وخشي من انتشار شره واغترار الناس به؛ لأن بعض الناس ما يفهم إلا بالتصريح، إذا رجحت المصلحة بالتصريح بحيث يخشى شره أن ينتشر في الناس، وتنتشر بدعته في الناس لا مانع من التصريح باسمه، والعلماء صرحوا بأسماء الرواة، وقدحوا فيهم، وجرحوهم؛ لأن المصلحة راجحة بل متعينة، فالشخص المبتدع الذي يخشى من نشر بدعته، أو عنده أمور يخشى من ضرر الناس بسببها، هذا لا مانع أن يصرح باسمه بعد أن تبذل الأسباب لإيقاف هذه البدعة، والتحذير من البدعة، ونصح هذا المبتدع، إذا لم يرتدع وأصر وعاند ما معنا إلا التصريح؛ لأن كثير من الناس ما يفهم بالتلميح.
يقول: الأخطاء التي وقع فيها ابن حجر والنووي -رحمهما الله- في تأويل بعض الصفات، هل هو جهل منهم أم هي عقيدة السلف؟
[ ٣ / ٣ ]
هو النووي معروف أن مذهبه في العقيدة مذهب البيئية بيئته، مذهب شيوخه وعلماء عصره في مصره الشام، ذلك الوقت مذهب الأشعرية منتشر، وفي مصر أيضاَ منتشر، فتجد الناس يتتابعون على دراسة هذا المذهب من غير روية ولا نظر، لكن منهم من يوفق إلى من يأخذ بيده إلى جادة الصواب، ومنهم من يستمر على ذلك، وعلى كل حال هم ليسوا من المؤسسين للمذهب ولا من المنظرين للمذهب، هم أشبه ما يكون بالمقلدين على أن بينهما بونًا في تقرير المذهب.
النووي أشعري بكل ما تحويه هذه الكلمة في جميع أبواب العقيدة، ابن حجر لا ليس له مذهب معين، فتجده ينقل عن الأشاعرة، وينقل عن أهل السنة، وينقل عن غيرهم فهو على حسب ما ينقل ما يتيسر له من نقل، مذهبه ليس متقررًا وإن كان الأصل في مذهب بيئته وعلماء عصره في مصره أنه مذهب الأشاعرة في الجملة، وعلى كل حال هذه هفوة، وهذه زلة، وهذه زلة عظيمة، لكن مع ذلك أن أرى الرجال لهم حسنات، لهم بحار من الحسنات اهتمامهم بالسنة واهتمامهم بتوضيح السنة، وشرح السنة، والدفاع عن السنة، على كل حال هذه حسنات ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [(٤٩) سورة الكهف].
يقول: ماذا يفعل من سحب من مكينة صرف مائتين ريال، ولكن صرف له أربع مائة بدون أي تغيير في حسابه، مع أن المكينة لبنك غير البنك الذي فيه حسابه؟
يذهب إلى هذه الجهة ويسلمها القدر الزائد مما سجل عليه، يعني سجل في حسابه مائتين ريال بعد ذلك يذهب بمائتي ريال ويسلمها إلى هناك ويقول: أنا سحبت، وهذا الوصل، وهذه زائدة، كما أنه لو نقص له شيء لذهب إلى البنك وطالبهم بالنقص.
إذا نوى في غسلٍ واحد رفع الجنابة وغسل الجمعة هل يجزئه ذلك؟
[ ٣ / ٤ ]
غسل الجنابة شرط لا تصح الصلاة إلا به، وغسل الجنابة عند غسل الجمعة عند الجمهور سنة وأوجبه بعض أهل العلم، على كل حال إذا نوى رفع الجنابة دخل فيه غسل الجمعة؛ لأنه إذا اجتمع عبادتان من جنس واحد، ليست أحداهما مقضية والأخرى مؤداة فأن الصغرى تدخل في الكبرى، وغسل الجمعة هو طاهرة صغرى بالنسبة لغسل الجنابة، ولا يقال حتى على رأي من أوجبه لا يقول: إنه مثل غسل الجنابة؛ لأن عند من أوجب غسل الجمعة الصلاة صحيحة، لكنه يأثم بتركه بينما غسل الجنابة الصلاة باطلة، وهذا مثل اجتماع تكبيرة الإحرام مع تكبيرة الركوع، لابد أن ينوي تكبيرة الإحرام وتدخل فيها تكبيرة الركوع، وهنا لا بد أن ينوى رفع غسل الجنابة ويدخل فيه غسل الجمعة، من أهل العلم من يرى أنه إن نوى غسلًا مسنونًا أجزأ عن واجب باعتبار أن الهيئة والصورة واحدة، وعلى كل حال هذا القول مرجوح، إذا نوى بالغسل رفع الحدثين جمعيًا فهل يجزئه ذلك؟ الأصل أن ينوي الرفع إذا الحدثين يعني اغتسل، ونوى بذلك رفع الحدث الأكبر والأصغر يدخل فيه الوضوء نعم، إذا عم بدنه بالماء ناويًا بذلك رفع الحدث الأكبر والأصغر نعم يدخل فيه؛ لأن هذا على القاعدة ماشي.
يقول: يقول هل يجوز حذف شيء من الأحاديث من أي طالب علم مهما بلغت منزلته كما فعل البخاري -﵀-؟
أولًا: اختصار الأحاديث، والاقتصار منها على ما يريده الراوي، الاختصار معروف، والحذف عند أهل العلم معروف، البخاري قد يقطع الحديث الواحد إلى عشرين جملة، لكنهم يشترطون في ذلك ألا يكون فهم المذكور المثبت مترتبًا على المحذوف، فلا يكون استثناء مثلًا أو وصفًا مؤثرًا في الحكم لا يجوز حذفه حينئذ، وأما تقطيع الأحاديث واختصارها فهو جائز عند جمهور العلماء، وصحيفة همام بن منبه مشتملة على "مائة واثنين وثلاثين حديثًا"، مائة واثنين وثلاثين جملة هي موجودة في موضع واحد في المسند، لكنها في البخاري مفرقة على أبواب كثيرة، في مسلم كذلك، فصنيع أهل العلم يدل على الجواز.
يقول: إذا كنت أدرس على شيخ أو عالم معين، فهل آخذ بكل فتاويه أم لي أن أخذ بفتاوى علماء أجلاء آخرين؟
[ ٣ / ٥ ]
على كل حال إذا كنت مبتدأً فرضك التقليد فأنت تقلد من تبرأ الذمة بتقليده، تقلد أرجح من تراه وطريقك في ثبوت الأرجحية هو الاستفاضة، يعني استفاض بين الناس عامتهم وخاصتهم أن هذا من أهل العلم الذين تبرأ الذمة بتقليدهم وهو أعلم من غيره هذا تقلده، أما شيخك الذي تلازمه فلا شك أن لك به عناية، ولولا أنه مقدم عندك ما لزمته وتركت غيره، فإذا قلدته وهو ممن تبرأ الذمة بتقليده، وهو من أهل النظر والموازنة بين النصوص يستطيع الترجيح؛ لأن ما كل من يدرس تكون لديه الأهلية التامة للإفتاء، لا، التدريس أمره أسهل من الفتوى أو القضاء. على كل حال إذا كان هذا الشخص ممن بلغ مرتبة من يقلد وتبرأ الذمة بتقليده، لك أن تأخذ بفتاويه، وإذا عرفت أو سمعت من خلال كلام الناس، عموم الناس لا سيما طلاب العلم أن هذا الشيخ أفتى بهذه الفتوى بقول مرجوح، وفلان أفتى بقول راجح فتعمل بالقول الراجح بالاستفاضة أيضًا؛ لأنه قد يقول قائل: أنا والله لا أعرف، والاستفاضة دلت على أن هذا العالم يقتدى به وتبرأ الذمة بتقليده، وذاك العالم كذلك، نقول في هذه الحالة خالف هوى نفسك، يعني إذا عملت محظورًا في الحج مثلًا، وذهبت إلى شيخ تبرأ الذمة، من كبار أهل العلم وقال: ما عليك شيء، وذهبت إلى أخر وقال: عليك دم، أو عليك صوم، أو عليك فدية أذى، أو ما أشبه ذلك، انظر فإن كان ترجيحك للأول نابع من هوى؛ لأنه أعفاك من التبعة هذا لا يجوز تقليده؛ لأنك لم تأخذ بقول العالم، إنما أخذت بهواك، إنما أخذت بهواك.
الأسئلة كثيرة جدًا وتزيد، نعم، والكتاب فيه طول، لعلنا نقتصر على هذا القدر، وحديث الأعمال بالنيات الذي سبق في الدرس الماضي أقول: محل عناية من أهل العلم، منهم من قال: هو ربع الدين، ومنهم من قال: نصفه، ومنهم من قال: ثلثه، ومنهم من قال: يدخل في جميع أبواب الدين، والشافعي يقول: يدخل في سبعين بابًا، ولا شك أن هذا الحديث يدخل في كل مسائل الدين، ومسائل الدنيا أيضًا، إذا أريد من جرائها الثواب حتى مسائل الدنيا يدخل فيها النية ويدخل في المسائل الكبار، ويدخل في مسائل صغار، يعني لا فرق هي النية تغير الحكم من كونه ردة إلى كونه مباح كيف؟ نعم إلى كونه مباحًا.
[ ٣ / ٦ ]
طالب. . . . . . . . .
يعني لو قال شخص: الله -جل وعلا- يقول في كتابه العظيم: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [(١٢) سورة الحجرات]، فقال: وأنا أقول ليس بعض الظن إثم، ماذا نقول؟ مرتد وإلا غير مرتد؟ نعم، حسب النية إن كان يقصد البعض الذي أثبته الله -جل وعلا- فهو مرتد، لكن إن كان يقصد البعض الثاني؛ لأن البعض يقتضي البعض الثاني فكلامه صحيح، وهذا الفرق في إيش في النية، النية دخلت في العلوم، دخلت في العربية وبكثرة، يعني فكلامنا على أما بعد إذا حذف المضاف إليه ونوي مع نيته يبنى على الضم، مع عدم نيته يعرب مع التنوين، والنية لا شك أنها شرط لصحة العبادات كما ذكرنا بالأمس، وهي شرط للطهارة الكبرى والصغرى، شرط للوضوء وللتيمم، خلافًا للحنفية الذين لا يشترطونها في الوسائل كالوضوء، لكنهم يشترطونها للتيمم، وأما كونها شرط لصحة الصلاة فلا خلاف فيه، وإن قال بعضهم: إنها ركن، وأهميتها الصيام أيضًا لا يصح بدون نية، الزكاة تصح بدون نية وإلا لا تصح؟
[ ٣ / ٧ ]
يعني لو أخذها الإمام قهرًا عن الممتنع تصح وإلا ما تصح؟ يعني من حيث الحكم تصح، من حيث الحكم بمعنى أنها تسقط الطلب فلا تأخذ منه مرة أخرى صحيح، لكن الإثم حاصل وإجزاؤها عند الله -جل وعلا- هذا أمر غيبي، وتجدون فرق في هذا الباب بين الفقهاء وبين علماء السلوك الذين يتعاملون مع الأعمال القلبية بكثرة، تجدون بونًا شاسعًا الفقيه يصحح باكتمال الشروط والأركان والواجبات، وذلك ينظر إلى ما هو أخص من ذلك، مسألة الإخلاص لله -جل وعلا- ينظرون إليه، وذكرنا مرارًا الشخص الذي حج من بغداد ثلاث مرات ماشيًا، حج ثلاث مرات من بغداد ماشيًا، لم رجع من الحجة الثالثة دخل البيت برفق فإذا الأم نائمة فنام بجوارها انتبهت فأحست به، فقالت له: يا فلان، اسقني ماء، الماء خطوات، الماء خطوات، الرجل جاء من ألوف الكيلوات ماشيًا وتعبانًا وكأنه لم يسمع، ثم انتبهت ثانية فقالت: يا فلان، اسقني ماء كذلك، ثم الثالثة هب من نومه وجاء بالماء، ثم أخذ يحاسب نفسه يقول: تعبت ماشيًا نفلًا على قدميك ألوف الكيلوات، والواجب الذي بينك وبينه خطوات تتقاعس فيه، هذا إذا سأل فقيه إيش يقول: الحج صحيح وإلا باطل؟ صحيح شروط، وأركان، وواجبات كلها متضافرة، وحج لله-جل وعلا- هذا المظنون به، فسأل واحدًا من النوع الثاني فقال: أعد حجة الإسلام، أعد حجة الإسلام، كثير منا يحس في بعض المواضع أنه اهتم بأمر وضيِّع بسببه ما هو أوجب منه؛ لأنه قد تكون هذه المرأة، هذه الأم العجوز الكبيرة بحاجة ماسة إلى هذا الولد الذي حج على قدميه، وهو يحتاج في حجه إلى ستة أشهر أو أكثر.
[ ٣ / ٨ ]
الآن في صفوف طلاب العلم لا أعني المغرم مثلًا بالكتب، تجده يذكر له تركة في البلد الفلاني فيسافر ويترك بعض الوجبات، أو في طرف البلد في الحي الفلاني فتجده في طريقه إلى هذه المكتبة قد تفوته الصلاة، فالموازنة بين الواجب وبين ما هو أوجب هذا أمر لا بد منه، والمفاضلة بين العبادات مسألة كبرى في الشرع، يعني لو دخل أحدكم المسجد النبوي وبينه وبين الصفوف ما يتسع لمائة صف من أجل أن يدرك الركعة يصلى عند الباب، أو يذهب ليتقدم ليصل الصفوف الأولى، أيهما أولى؟ هو في السور، وليس بفذ صلاته صحيحة، وإن كان بينه وبين الإمام فجوات؛ لأنه داخل المسجد، وليس بفذ صلاته صحيحة، لكنه كل ما تقدم أفضل، كلما وصل صفًا وصله الله، لكن إذا نظر إلى المسألة من جهات أخرى، قال: إذا تقدمت فاتني ركعة أو ركعتين، وقام السرعان وشوشوا علي صلاتي ومروا بين يدي، وإن كان هناك جنازة فاتت، وأخذ يوازن بين هذه المصالح والمفاسد، قد يترجح له المفضول في مقابل هذا الفاضل لأمور أخرى، وأهل العلم يقررون أن المفوق قد يعرض له ما يجعله فائقًا، هذه مسألة المفاضلة مسألة كبيرة، وفيها أيضًا الكلام الكثير لأهل العلم، وأما التمييز بالنية فهذه أيضًا فيها مصنفات، وللنية أحكام كثيرة من أجود ما كتب فيها: "نهاية الإحكام في ما للنية من أحكام" هذا مطبوع قديم بمصر وأظنه جدد طبعه، فالكتاب جامع لأحكام النية.
العلماء تكلموا فيه بما يحتمل مجلدات، لو أدخلناه في جميع أبواب الدين نحتاج إلى ذكر جميع الأبواب.
النية: تميز عبادة من عبادة، تميز عبادة من عادة، وتميز العمل الصحيح من الباطل، وهكذا فنقتصر على هذا وننتقل إلى الحديث الثاني.
سم.
بسم الله الرحمن الرحيم
[ ٣ / ٩ ]
عن عمر -﵁- أيضًاَ قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله -ﷺ- ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى -ﷺ-، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذية، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله -ﷺ-: «الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا»، قال: صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسوله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، قال: فأخبرني عن الساعة قال: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل»، قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان»، ثم انطلق فلبثت مليًا ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» رواه مسلم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الثاني: عن عمر -رضي الله تعالى عنه- أيضًا، في الموضع الأول على طريقة أهل العلم يذكرون الاسم كاملًا وما يحتاج إليه فقال: عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁-، ثم بعد ذلك يقولون: عن عمر -﵁-، وفي أكثر الأحيان يقتصرون على الكناية التكنية عنهم بالضمير، فيقولون: وعنه -﵁-، وعنه -﵁-.
[ ٣ / ١٠ ]
النووي -﵀- بمؤلفاته في الموضع الأول يذكر الاسم كاملًا، وقد يذكره رباعيًا، أو خماسيًا أحيانًا بالكنية والنسب، ثم يخفف شيئًا فشيئًا، الأوائل هذا يذكرون هذا حسب التيسير قد يختصرون في أول الأمر، قد يقول: حدثنا قتيبة بن سعيد، ثم يقول: حدثنا قتيبة، ثم في الموضوع الثالث يقول أو الرابع أو العاشر: حدثنا قتيبة بن سعيد بن جميل بن. . . . . . . . .، فلا شك أن أول موضع هو الأولى بالبسط، هو الأولى بالبسط، ولذلك تجدون الشراح يطيلون في تراجم الرواة في الموضع الأول، ثم بعد ذلك يختصرون على ما يبين حال الراوي باختصار شديد، ويحيلون على ما تقدم وهذا نافع لمن أراد أن يقرأ الكتاب من أوله إلى أخره، وبعضهم لا يمل من التكرار، فتجده يترجم للراوي كلما مر، نعم لا يطيل في التراجم، لكن هو يلاحظ أن بعض الناس لا يقرأ الكتاب من أوله وهو بحاجة إلى معرفة شيء عن حال هذا الراوي، فعلى كل حال المختصرات لها أسلوبها ولها وضعها، والمطولات أيضًا لها ظرفها، فهم في المختصرات في الغالب التي أولفت للحفظ يقتصرون على الضمير، وهنا صرح به لكن باختصار شديد.
قال: يوجد سيارة مرسيدس رقم اللوحة هـ - ط - و٩٤١ الرجاء إخراجها من جوار المسجد وشكرًا.
يقول: "عن عمر -رضي الله تعالى عنه- أيضًا قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله -ﷺ-".
"بينما" أصلها بين وأضيفت إليها ما، "نحن جلوس" جمع جالس، "عند رسول الله -ﷺ-" هنا دقيقة في أمر المتضايفين، "رسول الله -ﷺ-"، عن عائشة زوج النبي -ﷺ- وأمر المتضايفين فيه إشكال، إذا قلت شرح الأربعين للنووي، شرح الأربعين للنووي لأبن رجب ما يحصل فيه إشكال، شرح الأربعين للنووي لابن رجب هذا الإشكال يوقعه التضايف، وهي مسألة كبيرة في العربية يعني الوصف هل هو للمضاف أو للمضاف إليه؟ مثلًا "رأيت غلامَ زيدِ الفاضل" الفاضل: منصوب وإلا مجرور؟
طالب. . . . . . . . .
أي نعم هذا كله يرجع إلى مقصود المتكلم، لكن كيف نعرف مقصود المتكلم؟ هل هناك قاعدة تضبط؟ ما في، وهذا مما للنية فيه أثر.
[ ٣ / ١١ ]
الأمر الثاني: في قوله -جل وعلا- ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [(٢٧) سورة الرحمن] ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [(٧٨) سورة الرحمن]، في الموضع الأول: النعت للمضاف، في الموضع الثاني: النعت للمضاف إليه، الآن وأنت بين مضاف ومضاف إليه عند رسول الله، مضاف ومضاف إليه تصلى على النبي -﵊- لأنك مأمور بالصلاة ومثاب عليها، وإذا كان النبي -﵊- يصلى عليه، فماذا عن تعظيم الله -جل وعلا- يعني ماذا تقول عند رسول الله -﷿- -ﷺ-.
نعم.
عن عائشة أم المؤمنين -﵂- زوج النبي، عن عائشة زوج النبي -﵂-، -ﷺ-، يعني لكن هنا يحصل اضطراب أحيانًا في الكتب هذا كثير يعني متى تجعل الوصف الأول للثاني وهكذا؟ يعني شرح الأربعين للنووي لابن رجب، عادة القارئ يمكن يسمع أن هذه الأربعين لابن رجب أو للنووي يحصل فيه شيء من الاضطراب، فمثل هذه الأمور ينبغي أن يعبر عنها بدقة لئلا يحصل فيها اللبس، وإذا كان النبي -﵊- يصلى عليه، فالله -جل وعلا- يُثنى عليه، فكيف نثني على الله في مثل هذا، "عند رسول الله -ﷺ-"؟ يعني الثناء على الله -جل وعلا- أمور مطلوب وعظيم في الشرع.
ماذا نقول؟
طالب. . . . . . . . .
لكن هل هذا، مثل هذا الأسلوب مؤلف عند أهل العلم قاطبة؟
طالب. . . . . . . . .
إيه، لأنها مأمور بها وامتثال الأمر لا بد منه، وتعظيمه -﵊- من تعظيم مرسله -جل وعلا-، يعني لو قلنا عند رسول الله -﷿- واكتفينا، وقلنا -﷿- لله -جل وعلا- هذا ما فيه إشكال والعرف يخصه بها، وقلنا الرسول -﵊- عزيز جليل بعد يدخل تبعًا.
[ ٣ / ١٢ ]
يعني إخوانهم يقرؤون الكتب في الدروس جهرًا، يحصل عندهم إرباك أحيانًا حينما، عن عبد الله بن عمر -﵄-، عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة -﵃- أنهما قالا فكيف هذا مجموع وهذا؟ يعني يحصل شيء من الخلط، لكن ينبغي أن يتنبه لمثل هذا بدقة، فالرسول -﵊- يصلى عليه، والصحابة يترضى عنهم، والله -جل وعلا- يثنى عليه، لكن في مثل هذا التركيب فيه شيء من الصعوبة، يعني عند رسول الله -﷿- وصلى الله عليه وسلم-، يعني إذا قلت عن أم المؤمنين عائشة زوج النبي -ﷺ- ورضي عنها، أو عن أم المؤمنين -﵁- زوج النبي -ﷺ- ممكن، هذه ممكن ما فيها إشكال، لكن تدخل الصلاة على النبي -﵊- بين المتضايفين لتعقبه بالصلاة ثم المضاف إليه وهو الله -جل وعلا- تثني عليه هذا ما يصح؛ لأن الفصل بين المتضايفين لا يجوز، يعني ورد شاذًا
نجوت وقل بل المراديُ سيفه بدم ابن أبي شيخ الأباطح طالب
بدم ابن أبي طالب شيخ الأباطح ففصل بين المتضايفين، وهذا خاص ضرورة الشعر، لكن تصلى على الرسول عندما تذكره، وتثنى على الله بعد ما تذكره هذا فيه فصل بين المتضايفين وهو غير جائز.
"ذات يوم"، "ذات" تثنية ذو، ذات تثنية ذو، ومعروف أن ذو لمذكر، وذات للمؤنث، واليوم مذكر فهل يصلح أن نقول: "ذا يوم"؟ كيف قالوا: ذات يوم وذات مؤنث واليوم مذكر؟ ذات ليلية ما فيها إشكال، ذات ليلة ما فيها إشكال، ذات يومٍ، أو نقول: إن الذات هنا ليست مؤنث ذو وإنما هي بمعنى النفس، الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فالذات الذي يذكرونها لا يقصدون بها مؤنث ذو، جاء زيدُ ذاته فإن كان من هذا الباب لا إشكال، وإن كان مؤنث ذو فلا يناسب؛ لأن اليوم مذكر قد يقول قائل: إن اليوم مشتمل على الليل وعلى النهار، فالليلة واحدة الليل مؤنثة، وقد يغلّب أحد الأمرين التذكير أو التأنيث فيتعامل معه دون غيره، وهذا أيضًا له وجه.
"ذات يوم إذ طلع علينا"، "إذ" هذه.
طالب. . . . . . . . .
ها كيف؟ لا إذا فجائية.
"إذ طلع علينا رجل"، إذ طلع.
طالب. . . . . . . . .
[ ٣ / ١٣ ]
ها تجيء فجائية "خرجت فإذا زيد واقف"، لا ليست فجائية "إذ طلع" نعم ظرف لما مضى، أو لما يستقبل، "إذ طلع" ها حين بمعنى حين، بمعنى الوقت.
"إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب" بمعنى حين، أقول: "رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد"، يعني أوصاف فيها شيء من التعمية؛ لأنه شديد بياض الثياب-نظيف الثياب-، "ولا يعرفه أحد" وليس بمسافر؛ لأن المسافر في الغالب يكون أشعثًا أغبرًا، "شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر" لكن قد يقول قائل مثلًا: إن هذه الأمور لا تستلزم، نعم الأصل في المسافر أنه أشعث أغبر، لكن هذا الأمر ليس بلازم؛ لأنه قبيل دخوله البلد يصلح من حاله فلا يرى عليه أثر السفر كما هو الحاصل الآن.
يقول: "شديد بياض الثياب" وهذا لا شك أن العناية بالثياب أمر مطلوب، وعلى الإنسان أن يتوسط في أموره كلها، فيجانب أهل الترف الذي ذكر عن بعضهم أنه يلبس في السنة ثلاثمائة وخمسين ثوبًا -بعدد أيام السنة- بحيث لا يعود إليه أبدًا، هذا لا شك أنه إسراف مذموم، ولا يمتهن نفسه بحيث يستقذر ويذم بسبب ذلك، فالمسلم لا شك أن له شأن عند الله، وله عزة، فلا ينبغي أن يعرض نفسه لامتهان الناس وازدرائهم إياه، "شديد بياض الثياب" والبياض مطلوب «البسوا من ثيابكم البياض، وكفنوا فيها موتاكم» فإنها أطيب وأنقى، هي أنقى باعتبار أن الأثر يبين فيها، فيسارع إلى إزالته بخلاف الثياب الملونة.
[ ٣ / ١٤ ]
"شديد سواد الشعر" يعني ما في شيب، ولا في غبار، ولا شيء وعلى الإنسان أن يعنى بشعره ويرجل شعره كما كان النبي -﵊-، لكن لا يكون ذلك على حساب غيره، فلا يكون جل وقته في التنظف والتسريح وغير ذلك، فالتسريح ينبغي أن يكون غِِبًا لا يكون يوميًا، والآن بعض الناس لا سيما من الشباب ومن غيرهم تجده يسرف من الوقت، وينفق من الوقت الشيء الكثير في تجميل الهيئة والثوب والشعر، وبالمقابل التفريط تجد بعضهم يقول: والله الشعر له مؤنة وله كلفة وإذا نبي نصبغ نحتاج إلى ساعات متى ينشف؟ ومتى، مع أنه مأمور بتغير الشيب، مع الأسف بعض أهل العلم يتعذر بهذا، يقول له: كلا فإذا صبغت تبي لك ثلاث ساعات أربع ساعات ما تعمل، لكن أنت ممتثل أمر أنت في عبادة الآن، وأقل أحواله السنية المؤكدة إذا لم يقل بوجوبه، فعلى الإنسان أن يتوسط في أموره كلها.
"ولا يعرفه منا أحد" هو جبريل -﵇- لا يعرفونه، يأتي بصورة رجل غريب لا يعرف كما في هذا الحديث، وقد يأتي بصورة دحية الكلبي، ويأتي على كما قال النبي -﵊-: «يتمثل لي رجلًا» ومعلوم أن جبريل خلقته عظيمة جدًا له ستمائة جناح، رآه النبي -﵊- على هذه الهيئة مرتين، مرة على كرسي بين السماء والأرض في أول الأمر سد الأفق، ورآه ليلة الإسراء مرة ثانية كذلك، والشراح يتكلمون كثيرًا في القدر الزائد أين ذهب؟ يعني هو يسد الأفق ستمائة جناح، ويأتي على هيئة رجل! يعني غاية ما يصل إليه أربعة أذرع في نصف ذراع أين يذهب الزائد؟! وهذا كله من البحث الذي ليس من متين العلم، ولا ينبغي أن يسترسل فيه فالقدرة الإلهية قادرة أو فوق مثل هذا الأمر، كما أن الله -جل وعلا- أرسل الملائكة على هيئة أعمى، وعلى هيئة أقرع، وعلى هيئة أبرص فالله -جل وعلا- يبتلي ويختبر عباده بمثل هذه الأفعال.
[ ٣ / ١٥ ]
"حتى جلس إلى النبي -ﷺ-" يعني جلسة المتعلم المتأدب، "فأسند ركبتيه إلى ركبتيه" الضمير في ركبتيه يعود إلى ركبتيه الأولى، إلى جبريل "إلى ركبتيه" إلى ركبتي النبي -ﷺ-، "ووضع كفيه على فخذيه"، "وضع كفيه" الضمير يعود إلى جبريل، "على فخذيه" على فخذي النبي -ﷺ- قال هكذا، وإلا "على فخذيه" هو؟
طالب. . . . . . . . .
الاحتمال قائم بلا شك والجملة الأولى، الضمير الأول لجبريل، والثاني للنبي -﵊- فهل يقال مثل هذا في الجملة الثانية، "وضع كفيه" كفي نفسه على فخذي نفسه أو على فخذي النبي -﵊-، منهم من يقول: إنه على فخذي نفسه وهذا هو اللائق، هذا هو الأصل أن الإنسان يضع يديه على فخذي نفسه، ومن الشراح من يقول: على فخذي النبي -﵊- كالجملة السابقة، وهذا مبالغة في إخفاء الأمر إنه إن كان إنسانًا عاديًا بيسوي مثل هذا؟ ما يسوى مثل هذا إنسان عادي، فالجمل الأولى "شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر، لا يعرفه منا أحد" كل هذه تخفية وتعمية في أمره، فإذا جاء ووضع يديه على فخذي النبي -ﷺ- كما يقول بعض الشراح هذا أيضًا فيه زيادة في إخفائه وتعميته، لكن الأصل والأدب أن يجعل كفيه على فخذي نفسه وهذا هو الظاهر، "وقال يا محمد"، ومنزلة النبي -﵊- معروفة عند كل أحد، ومن أعرف الناس بمنزلته عند ربه جبريل -﵇-، وقد جاء النهي عن تسميته ودعاء باسمه الصريح ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [(٤) سورة الحجرات] "يا محمد"، "يا محمد" فهو يقول: يا محمد، وهذا أيضا ًمن زيادة المبالغة في خبائه، لو قال: يا رسول الله، قال: والله هذا شخص يعرف الرسول -﵊- وإذا وجدت المعرفة من أحد الطرفين خف الخفاء.
[ ٣ / ١٦ ]
"وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام"، "أخبرني عن الإسلام" الإسلام كما هو معروف هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك فأصله الاستسلام، ولذا يقول أهل العلم: قدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم.
"أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله -ﷺ-: «الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الل هـ». . . . . . . . . إلى أخره.
هذا تعريف على طريقة الحدود، يعني لو قيل: عرف الإسلام؟ فقيل الإسلام يعني في الامتحان، عرف الإسلام قال المجيب الطالب: أن تشهد ألا إله إلا لله عرفه بأركانه، يعني لو قيل عرف البيع، نعم، فقال: جاء بأركان البيع المتعاقدة الصيغة والثمن والمثن يصح وإلا ما يصح؟ يعني بالأركان.
عرف الحج: هو الإحرام والوقوف والطواف والسعي عرفه بأركانه، نعم إذا كانت هذه الأركان حاصلة لا يخرج منها شيء، فيعرف بالأجزاء كما يقول. . . . . . . . . الأركان.
[ ٣ / ١٧ ]
لكن الأصل الذي درجوا عليه العمل، الذي درج عليه أهل العلم في الحدود يختلف عن هذه الطريقة، ولا شك أن الحدود جرت عند المتأخرين على طريقة المناطقة، وإلا فالحدود والتعاريف أصلها غير معروفة للحقائق الشرعية عند المتقدمين، كيف؟! يعني هل تجد في موطأ مالك في كتب الأئمة قاطبة حتى في الأم للشافعي تعريف الصلاة، أو تعريف الزكاة، أو تعريف الحج، أو تعريف غيرها من الأبواب؟ لأن هذه الحقائق لا يجهلها خاص ولا عام، والمتأخرون جعلوا معرفة الحكم مبنى على التصور الذي هو الحد، مع أن هذا الحد قد يعقد المسألة، قد يعقد المعرف أكثر، يعني لما يقال الصلاة شروطها، أركانها، واجباتها إلى أخره، خلاص الكل يعرفها، لكنهم درجوا على هذا وقد يوجد من بين المسلمين من لا يعرف هذه الحقائق إلى أن يعرف بها، وهذا اصطلاح ولا مشاحاة في الاصطلاح، لكن الأصل أنه على طريقة التعاريف الجامعة المانعة، لا يعرف بمثل هذه وما دام هذا التعريف من قبل من لا ينطق عن الهوى، فيجب أن تعدل الإصلاحات على ما يوافق ما جاء في الشرع، إذًا عندنا اصطلاحات إما أن تأتي على من باب الحقائق اللغوية، أو تتضافر فيه الحقائق الثلاث، أو تكون حقيقتها عرفية أو شرعية، ثم بعد ذلك يقع الخلط من بعض الناس أن المراد في هذا السياق الحقيقة اللغوية، المراد في هذا السياق الحقيقة العرفية، المراد من هذا السياق الحقيقة الشرعية، فـ «إذا دعا أحدكم أخوه فليجب» فليجب فإن كان مفطرًا فليطعم، وإن كان صائمًا فليصلي، وإن كان صائمًا فليصلي، تجيب الدعوة دعوة العرس لأخيك تجيبه على سبيل الوجوب، لكن إن كنت صائمًا، إن كنت مفطرًا تأكل يلزمك الأكل، إلا في حالة الضرر إذا كان يضرك الأكل، إن كنت صائمًا فصلي، هل نقول أنه يأتي ويصلي ركعتين؟ أو يرفع يديه ويدعو لهم، يعني هل المراد في السياق الحقيقة الشرعية أو الحقيقة اللغوية؟ الحقيقة اللغوية عند الأكثر.
[ ٣ / ١٨ ]
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [(١٠٣) سورة التوبة] هل يكبر ويصلى عليهم صلاة جنازة، وإلا صلاة ركعتين، وإلا يدعو لهم؟ فالحقائق تتفاوت من سياق إلى سياق، ولذا حتى الجواب في تعريف الإسلام هنا، الجواب جاء جوابًا لتعريف الإيمان في حديث وفد عبد قيس «أن تؤمن بالله وحده»، قال: وما الإيمان، قال: «أن تشهد ألا إله إلا الله، وتقيم الصلاة » إلى مثلما جاء عندنا هنا في تعريف الإيمان، حتى أن بعض أهل العلم جعل الإسلام والإيمان شيئًا واحدًا، الإمام البخاري ومحمد بن نصر المروزي وبعض العلماء جعلوا الإسلام والإيمان واحدًا، والجمهور على التفريق بينهما على ما سيأتي.
"فقال رسول الله -ﷺ-: الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله" يعني اختلاف الحقائق عن اللغوية مع العرفية مع الشرعية أوقع في حرج كبير، يعني لو أن أعرابيًا قلت له: أريد جملًا أصفرًا وضحك عليك، قال أنت أنت مجنون في جمل أصفر؟! ما في جمل أصفر، والله -جل وعلا- يقول: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [(٣٣) سورة المرسلات]، هل نقول: إن هذا ناقض القرآن، أو بناء على الحقيقة التي يعتقدونها، وذلك الصحابة -﵃- لما سألهم النبي -﵊- «عن المفلس»؟ قالوا: المفلس من لا درهم له ولا متاع.
هذا السيارة المرسيدس التي أعلنا عنها ما تحتاج إلى إخراج؛ لأن الجار متضايق جدًا، وبحاجة إلى أن يخرج فلا شك أن هذا أذى إذا كانت إماطة الأذى عن الطريقة صدقة، فكيف بإيقاع مثل هذا الأذى، فعلى طالب العلم أن يهتم لمثل هذا.
أذكر مرة كنا في الكلية طلعنا بعد صلاة الظهر بساعتين، وبعد واحد من المشايخ جاء من منطقة أخرى وسيارته مكفة على بيت في سيارة لشخص مستأذن من عمله وجاء ليحمل أمه على سيارة مدري كيف جاء المقصود أنه الأم هذه عندها موعد في المستشفى قبل الصلاة، وجلس إلى الساعة الثانية ينتظر صاحب السيارة هذه، أي ضرر بالغ مثل هذا يعني لا شك أن هذا مقلق، لذا يقول أحد الجيران: مستاء من هذا الفعل، فنهتم قبل الوقوف أن نجعل السيارة في مكان، ولو بعيد المشي خطوات أسهل من أن يتضرر بك أحد.
[ ٣ / ١٩ ]
الرسول -﵊- لما سأل الصحابة «عن المفلس؟» قالوا: من لا درهم له ولا متاع، قال: «لا المفلس من يأتي بأعمال -في بعض الروايات- أمثال الجبال، من صلاة وصيام، وحج، جهاد ثم يأتي شتم هذا، وضرب هذا، أخذا مال هذا، سفك دم هذا » إلى أخره.
[ ٣ / ٢٠ ]
هذا مفلس، وهذه حقيقة شرعية وإلا غير شرعية، طيب المفلس من لا درهم له ولا متاع حقيقة عرفية وإلا شرعية؟ عرفية هذا متفق عليه، لكن هي أيضاَ شرعية ما في باب في كتب أهل العلم باب الحجر والتفليس؟ هذا هو، هذا التفليس، وحديث «من وجد بضاعته، أو سلعته عند رجل قد أفلس، من وجد متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق بهذا الفلس» فهي حقيقة شرعية، واللفظ قد يكون له أكثر من حقيقة شرعية، على كل حال التعريف هنا بالأجزاء، بالأركان، وإذا كانت حاصرة ومحصورة ومبينة للمطلوب عند السامع يكفي، المقصود توضيح المراد عند السامع "فقال رسول الله -ﷺ-: «الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا»، فعجبنا له يسأله ويصدقه" أجاب عن الإسلام بالأعمال الظاهرة، وسيأتي بيان هذه الأركان الخمسة في الحديث الذي يليه، حديث عبد الله بن عمر: «بني الإسلام على خمس» أجاب النبي -﵊- بالأعمال الظاهرة من سأله عن الإسلام، كما أنه أجاب بها من سأله عن الإيمان كما في حديث وفد عبد القيس، ولذا بعض أهل العلم كما أسلفنا جعل الحقيقة واحدة، حقيقة الإسلام هي حقيقة الإيمان بدليل أن الجواب واحد، وجمهور أهل العلم على أن الإيمان حقيقته الشرعية تختلف عن حقيقة الإسلام وبينهما تبيان وإلا تداخل؟ يعني إذا قلنا تباين قد تجد رجلًا مسلمًا كامل الإسلام ما عنده من الإيمان شيء، ورجل مؤمن كامل الإيمان ما عنده من الإسلام شيء، يمكن هذا التبيان؟ لا النسبة بينهما ليست بالتبيان، في تداخل، وترابط بحيث إذا أطلق أحدهما دخل فيه الآخر على جهة الإفراد، إذا قيل: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» فالمرد به أيضًا المؤمن، وأيضاَ إذا أطلق الإسلام فالمراد به الإيمان ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ [(١٩) سورة آل عمران] وغير ذلك من النصوص التي يمدح فيها المسلم يدخل فيها المؤمن.
[ ٣ / ٢١ ]
الحديث من أدلة من يقول: إن الإيمان غير الإسلام، حقيقة الإيمان غير الإسلام ولا شك أنه إذا جمعا يفترقان وإذا افترقا يجتمعان كما يقرر أهل العلم كالفقير والمسكين، كالفقير والمسكين.
"قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه" يعني هذا أمر غير مألوف، السائل إنما يسأل عما خفي عليه فكيف يقول: صدقت، قوله: "صدقت" يدل على أن عنده علم بما سأل عنه، وهذا السائل عما عنده به علم إذا سأل عن شيء عنده به علم إما أن يكون على جهة إفادة السامعين كما هو حال جبريل -﵇-، أو على جهة إعنات المسئول؛ لأن بعض من ينتسب إلى طلب العلم يبحث عن غرائب المسائل ويدونها ويعرف جوابها من خلال كلام أهل العلم، ثم يأتي يمتحن بها الشيوخ وهذا مذموم، وجاء النهي عنه فجبريل -﵇- يعرف الجواب وإنما سؤاله كما جاء التنبيه عليه في أخر الحديث: «هذا جبريل آتاكم يعلمكم دينكم».
"قال: فأخبرني عن الإيمان، المرتبة الثانية من مراتب الدين، الأولى الإسلام وهي التي فيها، يدخل فيها جميع من يحكم بإسلامه ما لم يرتكب مخرجًا عن الملة، "قال: فأخبرني عن الإيمان وهذا الدائرة أضيق، بحيث لا يصل إليها كثير ممن يصدق عليه أنه مسلم.
قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسوله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». يعني أركان الإيمان الستة: تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره هذه الأركان الستة، لو أخل شخص بواحد منها لم يصح إيمانه.
[ ٣ / ٢٢ ]
الإيمان بالله أن تؤمن بربوبيته، وأنه المستحق للعبادة، وتؤمن بما جاء عنه وعن رسوله -﵊- فيما يتعلق به من أسماء وصفات وغير ذلك، جميع ما جاء عن الله -جل وعلا-، وعن رسوله على مراد الله، وعلى مراد رسوله -﵊-، وتؤمن بالملائكة، تؤمن بالأوصاف التي جاءت بها النصوص، وتؤمن بأنهم جمع غفير ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [(٦) سورة التحريم]، وتؤمن أيضًا بالكتب المنزلة من عند الله -جل وعلا- على رسله وأنبيائه، ما تعرفه منها بالنص على سبيل التفصيل، والبقية إجمالًا، وتؤمن بالرسل أيضًا وبالأنبياء؛ لأن قوله: "كتبه ورسله" قد يقول قائل: من الإيمان بالرسل ركن من أركان الإيمان، لكن ماذا عن الإيمان بالأنبياء الذين هم ليسوا برسل ركن وإلا ما هو بركن؟ نعم، الإيمان بالأنبياء ركن؟ نعم، ركن نعم يعني، التنبيه بالأعلى على الأدنى ما في إشكال، وهم أيضًا يدخلون في الرسل على خلاف بين أهل العلم في الفارق بين النبي والرسول، وإن كان الأكثر على أن الرسول: يوحى إليه بشرع ويؤمر بتبليغه، والنبي: يوحى إليه بشرع لكن لا يؤمر بتبليغه هذا كلام الأكثر، ومنهم من يقول: إن الرسول يأتي بشرع جديد، والنبي يأتي بشرع مكمل لما قبله إلى غير ذلك من الأقوال المعروفة، على كل حال الإيمان بالأنبياء والرسل ركن من أركان الإيمان، والاقتصار على الرسل لا يعني عدم وجوب الإيمان بهم.
من سمي منهم كم عددهم؟ "خمسة وعشرون" من لم يسمى منهم جمع غفير، جمع غفير جاء فيه حديث أبي ذر وهو حديث فيه كلام لأهل العلم، المقصود أنهم كثر ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [(٧٨) سورة غافر] فيؤمن بهم إجمالاَ فيمن لا نعرف عينه، وتفصيلًا فيمن عرفناه وعرفنا شيئًا عنه.
[ ٣ / ٢٣ ]
"واليوم الأخر"، إيش معنى اليوم الأخر؟ يعني إذا قلنا: اليوم الأول الدنيا، واليوم الأخر الآخرة، عندنا يوم أول ويوم آخر، فالأول إذا قلنا: إن الأول هو الدنيا، والأخر هو الآخرة حصلت المقابلة، وإلا فالأصل أن اليوم الأخر هو اليوم الأخير نعم من هذه الدنيا، وقد يطلق الآخر على أول جزء من الذي يليه، فيكون اليوم الأخر أول يوم من أيام الآخرة، يعني إذا جاء في الحديث: «المغرب وتر النهار» يعني جاء الحديث بهذا «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في الحضر إلا الفجر فإنه تطول فيها القراءة، وإلا المغرب فإنها وتر النهار» طيب هي في النهار وإلا في الليل؟ في الليل، لكن باعتبارها في أول جزء من الليل ملاصق للنهار قيل لها: وتر النهار، وهنا لما كان أول أيام الآخرة ملاصق لأخر أيام الدنيا قيل له: اليوم الأخر.
«وتؤمن بالقدر خيره وشره»، «تؤمن بالقدر» الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان لا يصح إلا به، وأنكره طوائف من أهل الزيغ والضلال، وحصل إنكاره قديمًا في عهد الصحابة لما جاء إلى ابن عمر أناس قال: إنهم أو في جهتهم قوم أهل عمل، ويتقفرون العلم، لهم عناية بالعلم والعمل، ومع ذلك يقولون: بأن الأمر أنف يعني مستأنف -ينفون القدر- فقال: ابن عمر كما في صحيح مسلم أخبرهم أنني بري منهم، وأنهم برآء مني، ولو كان لهم أمثال الجبال من ذهب وأنفقوها لم يقبل منهم حتى يؤمنوا بالقدر، فالإيمان بالقدر ركن كما في هذا الحديث، وفي غيره من الآيات والأحاديث، أركان الإيمان مذكورة ولا بد من الإيمان بالقدر خيره وشره، وأن الكل من عند الله -جل وعلا- وأنه بتقديره وبعلمه وكتابته ومشيئته وإيجاده كل حصل بتقدير الله -جل وعلا- وقضائه.
[ ٣ / ٢٤ ]
بالغ في نفيه القدرية النفاة ويتزعمهم المعتزلة والرافضة القديرية، وبعض فرق الزيدية ينفون القدر يبالغون في النفي، والمتقدمون من أهل العلم يقولون: ناظروهم بالعلم إن نفوه كفروا، وإن أثبتوه خصموا، وفي مقابلهم من يبالغ في الإثبات وينفي القدرة عن المخلوق، وأن المخلوق لا مشيئة له ولا إرادة ولا قدرة، وأن حركته وأعماله كحركة الورق، ورق الشجر في مهب الريح وهؤلاء -يسمون الجبرية-، ومذهب أهل السنة والجماعة وسط بين المذهبين يثبتون القدر، وأن الله خلق العباد، وأفعال العباد، والعباد أيضًا لهم مشيئة وإرادة، لكنها تابعة لمشيئة الله وإرادته، وأنهم أعطوا من حرية الاختيار ما يكفي، ويقيم الحجة للمطيع بالثواب والعاصي بالعقاب.
[ ٣ / ٢٥ ]
القدرية النفاة حينما نفوا القدر، وجعلوا للعبد حرية وقدرة واختيار مستقل لا ارتباط لها بمشيئة الله -جل وعلا- من أجل نفي الظلم عن الله -جل وعلا-؛ لأنه لو قدر عليه ثم عذبه صار ظالم له عنده، ومع ذلك ليس باللازم، الله -جل وعلا- كتب عليهم، وقدر عليهم، وقضى عليهم بما هم عاملون، وترك فيهم من الحرية والاختيار ما يجعلهم يختارون أحد النجدين، وأحد الطريقين، يعني الكافر هل هو أرغم على كفره؟ تارك الصلاة في أحد شده وأوثقه ألا يذهب إلى المسجد ويصلى مع المسلمين؟ في أحد يمنعه من الوضوء والقيام والذهاب؟ ما في أحد فلديه حرية واختيار كافية في مؤاخذته، وكل إنسان يحس هذا بنفسه، يحسه من نفسه يعني حينما يقول: أن والله هو كتب الله عليه أنه ما يصلي، نعم لو أخذه النوم وأخذ بنفسه من أخذ بنفسه غيره ممن نام، وقد فعل الاحتياطات وبذل الأسباب نعم نقول: غير مكلف، لكن صحيح غير مريض، غير معذور ليس لديه أي عذر يتعذر به، سليم معافى ومع ذلك يترك الصلاة ويقول: هذا أمر كتبه الله علي، ما الذي يمنعه من أن يتوضأ ويذهب إلى؟ ما في ما يمنع، فلا ظلم ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [(٤٦) سورة فصلت] ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [(٤٩) سورة الكهف]، وهذا واضح لكل منصف يدرك هذا الأمر من نفسه، وتجد هذا الذي يحتج بالقدر ويقول: إنه مجبور لو ضربه أحد، أو أخذ ماله أحد، أو قتل ولده أحد يستسلم ويقول: هذا أمر مكتوب، ولا لأحد كلام لا يمكن، لا يمكن طيب القدر الذي تحتج به على المعايب تفعل المعاصي وتترك الواجبات وتقول: أنا مجبور، لماذا لا تحتج به في المصائب؟ ولذا جاء في الحديث الصحيح أن موسى -﵇- قال لآدم: «يا آدم خلقك الله بيده وأسكنك جنته، أخرجت نفسك وذريتك من الجنة فقال: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وكتب لك التوراة بيده، كم تجد هذا مكتوب علي قبل أن أخلق؟ قال: بأربعين عامًا، قال النبي -﵊- فحج آدم موسى، فحج آدم موسى» كيف حج آدم موسى؟ يعني هل آدم -﵇- احتج بالقدر على المعصية؟ الاحتجاج بالقدر على المعاصي طريقة المشركين ﴿لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [(١٤٨) سورة الأنعام]، هل آدم احتج
[ ٣ / ٢٦ ]
بالقدر على المعصية؟ لا المعصية تاب منها، تاب الله عليه وهداه واجتباه، المعصية انتهى أثرها بالتوبة فلا احتجاج بقية المصيبة، المصائب احتج عليها بالقدر ما في ما يمنع، مثلًا إنسان يمشي في طريق مظلم فعثر في صخرة، أو في حفرة انكسرت رجله، يجئ واحد يلومه يقول: وين عيونك، وين أنت، وليش تطلع، وليش، قال: هذا شيء مكتوب يا أخي هذا ما في إشكال يحتج بالقدر، لكن إذا زنا وقال: هذا شيء مكتوب ليس له أن يحتج بالقدر، فالاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب، لا على المعائب، وآدم احتج بالقدر على المصيبة التي ترتبت على المعصية التي تاب منها وبرئي من. . . . . . . . . بالتوبة النصوح، فحج آدم موسى، ومنهم من أشار إلى أن آدم حج موسى؛ لأن اعتراض موسى على آدم -﵉- لا ينبغي أن يعترض عليه، وهكذا حال الولد مع والده لا ينبغي أن يعترض عليه، لكن هذا الكلام وإن أشير إليه في بعض كتب التفسير إلا أنه لا وجه له، نعم حق الأب والوالد محفوظ بنصوص أخرى، لكن قوة الحجة مع آدم -﵇- بسبب أن موسى أعترض على مسألة كتبت على آدم قبل أن يخلق، وأن آدم -﵇- احتج بالقدر في المصيبة لا على المعصية.
[ ٣ / ٢٧ ]
"قال: صدقت قال فأخبرني عن الإحسان" المرتبة الثالثة من مراتب الدين التي لا يتصف بها إلا الأفذاذ من أهل هذه الملة، مرتبة الإحسان، مرتبة المراقبة، "قال: فأخبرني عن الإحسان؟ يعني إذا كانت دائرة الإيمان أضيق من دائرة الإسلام، فدائرة الإحسان أضيق بكثير من دائرة الإيمان؛ لأنا إن ننظر إلى الحد قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، «أن تعبد الله كأنك تراه» يعني تراقب الله -جل وعلا- وتستحضر اسمه الرقيب، فمنزلة المراقبة لا تحصل لكل أحد؛ لأن الغفلة غطت على قلوب كثير من الناس، تجد الجسم في المسجد والقلب في الشارع، في السوق، في البيت، في التجارة، في الزراعة، في الدراسة، القلب حضوره قليل عند كثير من الناس في هذا الوقت، والعبرة به بالقلب وخطاب الشرع جميعه متجه إلى القلب ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [(٨٨ - ٨٩) سورة الشعراء] فلا بد من المراقبة، مراقبة الله -جل وعلا- فإنه هو المطلع على السرائر، ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [(٧) سورة طه]، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [(١٩) سورة غافر] فعلى الإنسان أن يراقب الله -جل وعلا- وأن يعبده بمرتبة الإحسان: أن يعبد الله كأنه يراه، كأنه يرى الله -جل وعلا- عيانًا، إذا لم يستطع مثل هذا، ولم يتيسر له تحقق هذا الأمر، فأقل الأحوال أن يتصور أن الله يراه، ويطلع عليه، ويطلع على سريرته وعلانيته، فيتعامل معه على ضوء هذا، يعني لو أن الإنسان، الإنسان في مكتبه وقد أغلق الباب يتصرف بما شاء، نعم في مكتبه وقد أغلق الباب قد يحدث وهو في مكتبه ما دام ما عنده أحد، لكن يفترض أنه فجأة دخل عليه المدير، أو المدير بجانبه وهو يعمل ويعمل بما وكل إليه، هل يستطيع أن يخل بشيء من الآداب والمروءة فضلًا عن الواجبات التي وكلت إليه، لا يستطيع، ولا تجعل كما يقول بعض السلف: لا تجعل الله أهون الناظرين إليك.
[ ٣ / ٢٨ ]
نعم في معاملة الخلق الذين لا يطلعون على سرائر ولا على ظواهر إلا إذا كانت بقرب منهم، تجد الإنسان كلما بعد عن الناس تبسط أكثر، يتبسط أكثر، تجده في غرفة نومه قد يتجرد من الثياب، وقد يحدث بصوت أو بغير صوت، ثم إذا خرج عن الغرفة إلى الصالة مثلًا لا يخرج إلا وقد استتر، لكنه يتخفف من كثير من الأمور، قد يخرج بسروال وفنيلة إلى الصالة، قد يخرج إلى الفناء بحيطة أكثر من ذلك، ثم يخرج إلى باب المنزل بثيابه العادية، لكن لا يخرج إلى المجتمعات التي يجتمع فيها الملأ، أو يروح إلى الدوام بثياب أقل، ما يمكن، ومع الأسف أن الناس يحتاطون للمجامع والمحافل إذا أراد أن يذهب إلى مناسبة، إلى الدوام تجده يلبس أحسن ثيابه، لكن إذا ذهب لصلاة الفجر قد يذهب بقميص النوم، والله -جل وعلا-يقول: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [(٣١) سورة الأعراف] يعني عند كل صلاة، ولا شك أنه كلما بعد عن أخص اختصاصاته يحتاط أكثر، ولذلك الإمام مالك -﵀- له ملحظ دقيق في الموطأ يقول: للإنسان إن يلبس الثوب الذي فيه شيء من المخالفة في بيته وفنائه، يلبس أحمر وما في مانع، يلبس ثوب نازل شوي لكن ما يطلع به إلى الناس ويقابل به الناس.
فالله -جل وعلا- المطلع على السراير، على كل مسلم أن يستحضر هذه المنزلة، ويحاول تطبيقها بقدر الإمكان، وإن كان الرآن قد غطى على القلوب فصارت لا تفرق في أي مجلس كان، فيخشون الناس ولا يخشون الله، والله المستعان ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ﴾ [(١٠٨) سورة النساء]-جل وعلا-.
[ ٣ / ٢٩ ]
"قال: فأخبرني عن الساعة، الساعة لم يطلع عليها أحد لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، لا يعلمها إلا الله -جل وعلا-، ولا تأتي إلا بغتة، وبعض من كتب في اشراط الساعة قال: إن بغتة في حساب الجُمّل "ألف وأربعمائة وسبعة " فتقوم الساعة سنة "ألف وأربعمائة وسبعة" يعني في حدود حساب الجمل لو قطعناها عرفنا أنها "ألف وأربعمائة وسبعة"، لكن هذا كلام مردود بالنصوص القطعية، حساب الجُمّل غير معتبر في الشرع إنما استعمله اليهود لما أنزل عليها ﴿الم﴾ [(١) سورة البقرة]، قالوا: سبعين سنة وينتهي حكمه، تنتهي نبوته بسبعين سنة، سهلة ننتظر سبعين سنة على حساب الجُمّل، لكن هذا الذي كتب وقال: إن الساعة تقول سنة "ألف وأربعمائة وسبعة"، وقد قال النبي -﵊- «ما المسئول عنها بأعلم من السائل».
فالساعة خفية على كل أحد لا يعلمها إلا الله -جل وعلا-، فماذا عن قوله -جل وعلا-: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾؟ [(١٥) سورة طه] التعبير هذا يدل على أنها ليست خفية، لكنها من الغموض والخفاء تقرب من الخفي، ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ كيف نجيب عن هذا؟ نعم.
طالب. . . . . . . . .
لا أنا أريد الآية ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ الآن هي خفية وإلا ليست خفية؟ خفية بإجماع، والنبي -﵊- يقول: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل» يعني أنا بأعلم من السائل أنت، كلنا نستوي في هذه، يستوى في هذا محمد -﵊- وأجهل أعرابي، وأجهل أعجمي في معرفة الساعة، كلهم يستوون في هذه نعم.
﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ حتى عن نفسي، يعني هذا مبالغة في إخفاءها، حتى عن نفسي، أما غيري لم يطلع عليها أحد البتة، «ما المسئول عنها بأعلم من السائل».
[ ٣ / ٣٠ ]
"قال: فأخبرني عن أماراتها"، يعني عن علاماتها وأشراطها قال: «أن تلد الأمة ربتها» يعني ذكر من أشراطها «أن تلد الأمة ربتها»، الأمة المملوكة الرقيقة تلد بنتًا تكون سيدة لها، أو ولدًا كما في بعض الروايات «ربها» ولدًا يكون سيدًا لها، وأكثر العلماء والكلام في هذه الجملة وقالوا: إن الرق يكثر في أخر الزمان حتى أن الولد ليطأ المرأة بملك يمنيه، ثم يتداولها الناس، وتمر على كثير من الناس، ثم تعود إليه وقد ولدت منه قبل ذلك ولدًا يكون سيدًا، المقصود كلام كثير وهو في الجملة ظاهر.
هذه الأمة تلد من يكون سيدًا لها مدبرًا لها، وملك اليمين إذا وطئها السيد، وولدت له، وأعتقت بسببه فصارت أم ولد، وهي باعتبار ما كان أمة وهذا الولد باعتباره ولدًا لسيدها فهو سيد لها، لكن مثل هذا ليس مختصًا بأخر الزمان، يعني هذا مما قيل، لكن هذا موجود في أول الزمان، لكن الذي يختص به أخر الزمان فساد الناس، فهذا الولد الذي ولدته هذه الأمة يعاملها معاملة الآمة؛ لأنها ملك يمين لأبيه فهي ملك يمين له، فيعقها ويأمرها ويضربها وينهاها كما يأمر السيد أمته.
«وأن ترى الحفاة العراة العالة» البادية سكان البوادي أهل الشجر، وبيوت الشعر، تجدهم بينما كانوا عالة عراة رعاء الشاة في البادية، «يتطاولون في البنيان» يعمرون القصور الشاهقة، يعمرون النواطح وقد حصل، يعني في دول الخليج هذا ظهر بكثرة، تجدهم قبل عشرين ثلاثين سنة راعي من رعاة الغنم، ثم بعد ذلك يدخل في التجارة، ويبني العمارات الشاهقة، وموجود أيضًا على مستوى أوساط الناس بسبب هذه الإعانات من هذه الدول، تمكنه أن يبني بيتًا بعد أن كان في بيت شعر، ويرعى الغنم يأتي فيسكن قصر منيفًا، «يتطاولون في البنيان».
[ ٣ / ٣١ ]
"ثم انطلق" ذهب هذا الرجل الذي لا يعرفه أحد، "فلبث مليًا" في بعض الروايات "ثلاثًا"، وفي بعضها "فلبثت مليًا" يعني عمر لبث ثلاثة ليال، ثم سأل النبي -﵊- من ذلك الرجل؟ أو بدون سؤال كما تدل عليه هذه الراوية، ثم قال النبي -﵊-: «يا عمر أتدري من السائل»؟ في بداية الحديث يقول: لا يعرفه منا أحد إذا لا يدري، ولكنه يرد العلم إلى عالمه "الله ورسوله أعلم" هكذا ينبغي أن يجيب من لا يعرف الجواب، الله أعلم أهله العلم في كلامهم كثيرًا ما يختمون الكلام وهو علم إذا انتهوا منه، قالوا: الله أعلم، قالوا: الله أعلم، موسى -﵇- «لما سئل في ملأ من بني إسرائيل عن أعلم من على وجه الأرض؟ قال: أنا،» ما قال: -الله أعلم- فأمر بالذهاب إلى الخضر في القصة المشهورة في الصحيح، وهي في القرآن أيضًا.
"قلت: الله ورسوله أعلم"، يعني في حياته -﵊- هو أعلم، وهو في الأحكام الشرعية أعلم، ولا نحتاج إلى قيد إذا كانت المسألة شرعية متعقلة بوحي من عند الله -جل وعلا- الله ورسوله أعلم، فهو أعلم بالأحكام الشرعية، قال: «فإنه جبريل -يعني هذا السائل جبريل- آتاكم يعلمكم دينكم»، يعلمكم دينكم يعني بجميع أبوابه، يعلم الدين فالدين شامل للإسلام والإيمان والإحسان، الدين شامل لجميع الأبواب من العقائد والعبادات والمعاملات وغيرها من أبواب الدين، ولذا تخصيص حديث: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين» في الأحكام هذا ليس بصحيح، نعم صار عرف إذا طلق الفقه فالمراد به الأحكام، إذا أطلق الفقه عرفًا فالمراد به الأحكام، والفقهاء يصدرون كتبهم الحمد الله الذي فقه من شاء بدينه، ويشيرون إلى أن علمهم هو الفقه، وفي هذا الحديث ما يدل على أن الفقه في الدين يعني بجميع أبوابه والعقائد هي الفقه الأكبر عند أهل العلم، «فمن يرد الله به خيرًا يفقه في الدين» يعني في جميع أبوابه في العقائد، في الإيمان، في التوحيد، في العبادات، في المعاملات، في التفسير، في المغازي، في الفتن، في الاعتصام، في غيره، في جميع أبواب الدين.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين
[ ٣ / ٣٢ ]