٢٠ - عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت" رواه البخاري.
ــ
معنى قوله: "من كلام النبوة الأولى" إن الحياء لم يزل ممدوحًا مستحسنًا مأمورًا به لم ينسخ في شرائع الأنبياء الأولين.
وقوله: "فاصنع ما شئت" فيه وجهان أحدهما: أن يكون خرج بلفظ الأمر على معنى الوعيد والتهديد ولم يرد به الأمر كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ١. فإنه وعيد لأنه قد بين لهم ما يأتونه وما يتركون. وكقول النبي ﷺ: "من باع الخمر فليشقص الخنازير" ٢، لم يكن في هذا
_________________
(١) ١ سورة فصلت: الآية ٤٠. ٢ رواه أبو داود في البيوع والإجارات رقم ٣٤٨٩. قال الشيخ الخطابي: قول: "فليشقص" معناه: فليستحل أكلها، والتشقيص: يكون من وجهين: أحدهما: أن يذبحها بالمشقص وهو نصل عريض. والوجه الآخر: أن يجعلها أشقاصًا وأعضاء بعد ذبحها كما تعض أجزاء الشاة إذا أرادوا إصلاحها للأكل، ومعنى الكلام إنما هو توكيد التحريم والتغليظ فيه، يقول من استحل بيع الخمر فليستحل أكل لحم الخنزير فإنهما في الحرمة والإثم سواء، أي: إذا كنت لا تستحل أكل لحم الخنزير فلا تستحل ثمن الخمر.
[ ٧٨ ]
إباحة تشقيص الخنازير. الوجه الثاني: أن معناه: ائت كل ما لم يستحيا منه إذا ظهر فاعله، ونحو هذا قوله ﷺ: "الحياء من الإيمان" ١ معناه: أنه لما كان يمنع صاحبه من الفواحش ويحمل على البر والخير كما يمنع الإيمان صاحبه من ذلك ويحمله على الطاعات صار بمنزلة الإيمان لمساواته له في ذلك. والله أعلم.
_________________
(١) ١ رواه الترمذي في البر والصلة باب ما جاء في الحياء رقم ٢٠٠٩ وتمامه: "الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة، والبذاءة من الجفاء والجفاء في النار" عن أبي هريرة. والبذاءة هو الفحش في الكلام.
[ ٧٩ ]