قوله "كُنْتُ خَلْفَ النبي" يحتمل أنه راكب معه ويحتمل أنه يمشي خلفه، وأيًا كان فالمهم أنه أوصاه بهذه الوصايا العظيمة.
" يَا غُلامُ" لأن ابن عباس ﵄ كان صغيرًا، فإن النبي ﷺ توفي وابن
_________________
(١) أخرجه الترمذي كتاب: صفة القيامة، باب، (٢٥١٦) والإمام أحمد- عن عبد الله بن عباس، ج١/ص٢٩٣، (٢٦٦٩) .
(٢) الحاكم في المستدرك على الصحيحين - ج٣/ ص٦٢٤، كتاب معرفة الصحابة، (٦٣٠٤) وقال عنه الذهبي في التلخيص: ليس بمعتمد.
[ ٢٠٠ ]
عباس قد ناهز الاحتلام يعني من الخامسة عشر إلى السادسة عشر أو أقل.
قال: "إني أُعَلمُكَ كَلِمَاتٍ" قال ذلك من أجل أن ينتبه لها "اِحْفَظِ اللهَ يَحفَظكَ" هذه كلمة عظيمة جليلة واحفظ تعني احفظ حدوده وشريعته بفعل أوامره واجتناب نواهيه وكذلك بأن تتعلم من دينه ما تقوم به عبادتك ومعاملاتك وتدعو به إلى الله ﷿، واحفظ الله يحفظك في دينك وأهلك ومالك ونفسك لأن الله ﷾ يجزي المحسنين بإحسانه وأهم هذه الأشياء هو أن يحفظك في دينك ويسلمك من الزيغ والضلال لأن الإنسان كلما اهتدى زاده الله ﷿ هدى (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد: ١٧)، وعُلِمَ من هذا أن من لم يحفظ الله فإنه لا يستحق أن يحفظه الله ﷿ وفي هذا الترغيب على حفظ حدود الله ﷿.
الكلمة الثانية قال "احْفَظِ اللهَ تَجِدهُ تجَاهَكْ" ونقول في قوله: احْفَظِ اللهَ كما قلنا في الأولى، ومعنى تجده تجاهك وأمامك معناهما واحد يعني تجد الله ﷿ أمامك يدلك على كل خير ويقربك إليه ويهديك إليه ويذود عنك كل شر ولا سيما إذا حفظت الله بالاستعانة به فإن الإنسان إذا استعان بالله ﷿ وتوكل عليه كان الله حسبه ولا يحتاج إلى أحد بعد الله قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الأنفال: ٦٤)
أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين فإذا كان الله حسب الإنسان فإنه لن يناله سوء ولهذا قال: "احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تجَاهَكَ".
الكلمة الثالثة: "إذَا سَألْتَ فَاسْأَلِ" إذا سالت حاجة فلا تسأل إلاالله ﷿ ولاتسأل المخلوق شيئًا وإذا قدر أنك سألت المخلوق ما يقدر عليه فاعلم أنه سبب من الأسباب وأن المسبب هو الله ﷿ لو شاء لمنعه من إعطائك سؤالك فاعتمد على الله تعالى.
الكلمة الرابعة: "وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ" فإذا أردت العون وطلبت العون من أحد فلا تطلب العون إلا من الله ﷿، لأنه هو الذي بيده ملكوت السموات
[ ٢٠١ ]
والأرض، وهو يعينك إذا شاء وإذا أخلصت الاستعانة بالله وتوكلت عليه أعانك، وإذا استعنت بمخلوق فيما يقدر عليه فاعتقد أنه سبب، وأن الله هو الذي سخره لك. وفي هاتين الجملتين دليل على أنه من نقص التوحيد أن الإنسان يسأل غير الله، ولهذا تكره المسألة لغير الله ﷿ في قليل أو كثير، والله ﷾ إذا أراد عونك يسر لك العون سواء كان بأسباب معلومة أو غير معلومة، فقد يعينك الله بسبب غير معلوم لك، فيدفع عنك من الشر ما لا طاقة لأحد به، وقد يعينك الله على يد أحد من الخلق يسخره لك ويذلِّله لك حتى يعينك، ولكن مع ذلك لا يجوز لك إذا أعانك الله على يد أحد أن تنسى المسبب وهو الله ﷿.
الكلمة الخامسة: "وَاعْلَم أَنَّ الأُمّة لو اجْتَمَعَت عَلَى أن يَنفَعُوكَ بِشيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَك" الأمة كلها من أولها إلى آخرها لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وعلى هذا فإن نفع الخلق الذي يأتي للإنسان فهو من الله في الحقيقة لأنه هو الذي كتبه له وهذا حث لنا على أن نعتمد على الله ﷿ ونعلم أن الأمة لا يجلبون لنا خيرًا إلا بإذن الله ﷿.
الكلمة السادسة: "وإِن اِجْتَمَعوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشيءٍ لَمْ يَضروك إلا بشيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ" وعلى هذا فإن نالك ضرر من أحد فاعلم أن الله قد كتبه عليك فارض بقضاء الله وبقدره، ولا حرج أن تحاول أن تدفع الضر عنك، لأن الله تعالى يقول (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (الشورى: الآية٤٠) .
الكلمة السابعة: "رُفعَت الأَقْلامُ، وَجَفّت الصُّحُفُ" يعني أن ما كتبه الله ﷿ قد انتهى فالأقلام رفعت والصحف جفت ولا تبديل لكلمات الله.
قوله رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وفي رواية غير الترمذي: "اِحفظِ اللهَ تَجدهُ أَمَامَكَ" وهذا بمعنى "احْفَظِ اللهَ تَجِدهُ تُجَاهَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخاءِ يَعرِفُكَ في الشّدةِ" يعني قم بحق الله ﷿ في حال الرخاء وفي حال الصحة وفي حال
[ ٢٠٢ ]
الغنى يَعرِفكَ في الشّدةِ إذا زالت عنك الصحة وزال عنك الغنى واشتدت حاجتك عرفك بما سبق لك أو بما سبق فعل الخير الذي تعرفت به إلى الله ﷿. "وَاعْلَم أَنَّ مَا أَخطَأَكَ لَمْ يَكُن ليُصيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَم يَكُن ليُخطِئُكَ" أي ما وقع عليك فلن يمكن دفعه، وما لم يحصل لك فلا يمكن جلبه، ويحتمل أن المعنى، يعني أن ما قدر الله ﷿ أن يصيبك فإنه لا يخطئك، بل لابد أن يقع لأن الله قدره.
وأن ما كتب الله ﷿ أن يخطئك رفعه عنك فلن يصيبك أبدًا، فالأمر كله بيد الله، وهذا يؤدي إلى أن يعتمد الإنسان على ربه اعتمادًا كاملًا ثم قال: "وَاعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ" فهذه الجملة فيها الحث على الصبر، لأنه إذا كان النصر مع الصبر فإن الإنسان يصبر من أجل أن ينال النصر، والصبر هنا يشمل الصبر على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقداره المؤلمة، لأن العدو يصيب الإنسان من كل جهة فقد يشعر الإنسان أنه لن يطيق عدوه فيتحسر ويدع الجهاد، وقد يشرع في الجهاد ولكن إذا أصابه الأذى استحسر وتوقف، وقد يستمر ولكنه يصيبه الألم من عدوه فهذا أيضًا يجب أن يصبر، قال الله تعالى: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) (آل عمران: الآية١٤٠) وقال الله تعالى: (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء: ١٠٤) فإذا صبر الإنسان وصابر ورابط فإن الله سبحانه ينصره.
وقوله: "وَاعْلَمْ أَن الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ" الفرج انكشاف الشدة والكرب، فكلما اكتربت الأمور فإن الفرج قريب، لأن الله ﷿ يقول في كتابه: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوء) (النمل: الآية٦٢) فكل يسر بعد عسر بل إن العسر محفوف بيسرين، يسر سابق ويسر لاحق قال الله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (الشرح: ٥-٦)، قال ابن عباس ﵁ "لَن يَغلُبَ عسرٌ يُسرَين".
[ ٢٠٣ ]
من فوائد الحديث:
. ١ملاطفة النبي ﷺ لمن هو دونه حيث قال: "يَا غُلام إني أُعَلِمُكَ كَلِماتٍ"..
٢أنه ينبغي لمن ألقي كلامًا ذا أهمية أن يقدم له ما يوجب لفت الانتباه، حيث قال: "يَا غُلاَمُ إني أُعَلِمُكَ كَلِماتٍ".
. ٣أن من حفظ الله حفظه الله لقوله: "احفَظ الله يَحفَظكَ".
. ٤أن من أضاع الله - أي أضاع دين الله - فإن الله يضيعه ولا يحفظه، قال تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (الحشر: ١٩)
. ٥أن من حفظ الله ﷿ هداه ودله على ما فيه الخير، وأن من لازم حفظ الله له أن يمنع عنه الشر.
. ٦أن الإنسان إذا احتاج إلى معونة فليستعن بالله، ولكن لا مانع أن يستعين بغير الله ممن يمكنه أن يعينه لقول النبي ﷺ: "وتُعينَ الرجُلَ في دَابَّتِهِ فَتَحمِلَهُ عَليها أَو تَرْفَعَ لَهُ عَليها مَتَاعَهُ صَدَقَة".
. ٧أن الأمة لن تستطيع أن تنفع أحدًا إلا إذا كان الله قد كتبه له، ولن يستطيعوا أن يضروا أحدًا إلا أن يكون الله تعالى قد كتب ذلك عليه.
. ٨أنه يجب على المرء أن يكون معلقًا رجاءه بالله ﷿ وأن لايلتفت إلى المخلوقين، فإن المخلوقين لا يملكون له ضرًا ولا نفعًا.
. ٩أن كل شيء مكتوب منتهٍ منه، فقد ثبت عن النبي ﷺ أن الله ﷿ كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة (١) .
. ١٠في الرواية الأخرى أن الإنسان إذا تعرف إلى الله ﷿ بطاعته في الصحة
_________________
(١) أخرجه مسلم كتاب: القدر، باب: حجاج آدم وموسى ﵉، (٢٦٥٣)
[ ٢٠٤ ]
والرخاء عرفه الله تعالى في حال الشدة فلطف به وأعانه وأزال شدته.
. ١١أن الإنسان إذا كان قد كتب الله عليه شيئًا فإنه لا يخطئه، وأن الله ﷿ إذا لم يكتب عليه شيئًا فإنه لا يصيبه.
. ١٢البشارة العظيمة للصابرين، وأن النصر مقارن للصبر..
١٣فيه البشارة العظيمة أيضًا بأن تفريج الكربات وإزالة الشدائد مقرون بالكرب، فكلما كر ب الإنسان الأمر فرج الله عنه.
. ١٤البشارة العظيمة أن الإنسان إذا أصابه العسر فلينتظر اليسر، وقد ذكر الله تعالى ذلك في القرآن الكريم، فقال تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (الشرح: ٥-٦) فإذا عسرت بك الأمور فالتجيء إلى الله ﷿ منتظرًا تيسيره مصدقًا بوعده.
. ١٥تسلية العبد عند حصول المصيبة، وفوات المحبوب على أحد المعنيين في قوله: "وَاعْلَم أن مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُن لِيُخطِئكَ، وَمَا أخطأَكَ لَمْ يَكُن لِيصيبَك" فالجملة الأولى تسلية في حصول المكروه، والثانية تسلية في فوات المحبوب. والله الموفق.
[ ٢٠٥ ]