قوله: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ بينما هي (بينا) ولكن زيدت (ما) فيها والأصل: بين
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب الإيمانن باب: الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله ﷾، حديث (٨)، (١) .
[ ١٩ ]
نحن، فـ: (ما) زيدت للتوكيد.
و: جُلُوسٌ مبتدأ، وخبره: عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ
و: ذَاتَ يَوْمٍ ذات هنا تفيد النكرة، أي في يوم من الأيام.
وتستعمل في اللغة على وجوه متعددة، فتارة تكون بمعنى:
. ١صاحبة: مثل ذات النطاقين أي صاحبة النطاقين.
. ٢وتارة تكون اسمًا موصولًا: كما في لغة طي، وهم قوم من العرب يستعملون: ذات بمعنى التي، كما قال ابن مالك - ﵀-: (وكالتي أيضًا لديهم ذات) فمثلًا يقول: بعت عليك بيتي ذات اشتريت، أي التي اشتريت..
٣وتارة تكون بمعنى النكرة الدالة على العموم: كما في جملة الحديث ذات يوم.. وهذا أغلب ما تستعمل.
إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ الرجل هنا مبهم، وهو رجل في شكله لكن حقيقته أنه مَلَك.
شَدِيْدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ أي عليه ثياب.
شَدِيْدُ سَوَادِ الشَّعْرِ أي أنه شاب.
لايُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ لأن ثيابه بيضاء وشعره أسود ليس فيه غبار ولاشعث السفر، ولهذا قال: لايُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ لأن المسافر في ذلك الوقت يُرى عليه أثر السفر، فيكون أشعث الرأس، مغبرًّا، ثيابه غير ثياب الحضر، لكن لايرى عليه أثر السفر.
وَلايَعْرِفْهُ مِنَّا أَحَدٌ أي وليس من أهل المدينة المعروفين، فهوغريب.
حَتَّى جَلَسَ إِلىَ النبي ﷺ ولم يقل عنده ليفيد الغاية، أي أن جلوسه كان ملاصقًا للنبي ﷺ.
ولهذا قال: أَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلىَ رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ أي كفي هذا الرجل عَلَىَ
[ ٢٠ ]
فَخِذَيْهِ أي فخذي هذا الرجل، وليس على فخذي النبي ﷺ، وهذا من شدة الاحترام.
وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ ولم يقل: يا رسول الله ليوهم أنه أعرابي، لأن الأعراب ينادون النبي ﷺ باسمه العلم، وأما أهل الحضر فينادونه بوصف النبوة أو الرسالة ﵊.
أَخْبِرْنيِ عَنِ الإِسْلامِ أي ماهو الإسلام؟ أخبرني عنه.
فَقَالَ: الإسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدًَا رَسُولُ اللهِ تشهد أي تقرّ وتعترف بلسانك وقلبك، فلا يكفي اللسان، بل لابد من اللسان والقلب، قال الله ﷿: (إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (الزخرف: الآية٨٦)
وإعراب لاَ إِلَهَ إَلاَّ اللهُ:
لا إله إلا الله: هذه جملة اسمية منفية بـ (لا) التي لنفي الجنس، ونفي الجنس أعم النفي، واسمها: (إله) وخبرها: محذوف والتقدير حقٌ، وقوله: (إلا) أداة حصر، والاسم الكريم لفظ الجلالة بدل من خبر: (لا) المحذوف وليس خبرها لأن: (لا) النافية للجنس لا تعمل إلافي النكرات.
فصارت الجملة فيها شيء محذوف وهو الخبر وتقديره: حق، أي: لا إله حق إلا الله ﷿، وهناك آلهة لكنها آلهة باطلة ليست آلهة حقّة، وليس لها من حق الألوهية شيء، ويدل لذلك قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) (الحج: ٦٢)
وَأَنَّ مُحَمَّدًَا رَسُولُ اللهِ أي وتشهد أن محمدًا رسول الله، ولم يقل: إني رسول الله مع أن السياق يقتضيه لأنه يخاطبه، لكن إظهاره باسمه العلم أوكد وأشد تعظيمًا. وقوله: مُحَمَّدًا هو محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي من ذرية إسماعيل، وليس من ذرية إسماعيل رسول سواه، وهو المعني بقول الله تعالى عن إبراهيم وإسماعيل: (رَبَّنَا
[ ٢١ ]
وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ) (البقرة: الآية١٢٩)
رَسُولُ اللهِ رسول بمعنى مرسل، والرسول هو من أوحى الله إليه بشرع وأمر بتبليغه والعمل به.
َتُقِيْمَ الصَّلاةَ أي تأتي بها قائمة تامة معتدلة.
وكلمة: الصَّلاةَ تشمل الفريضة والنافلة.
وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ تؤتي بمعنى تعطي، والزكاة هي المال الواجب بذله لمستحقه من الأموال الزكوية تعبدًا لله، وهي الذهب والفضة والماشية والخارج من الأرض وعروض التجارة.
وَتَصُوْمَ رَمَضَانَ أي تمسك عن المفطرات تعبدًا لله تعالى من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
وأصل الصيام في اللغة: الإمساك.
ورمضان هو الشهر المعروف مابين شعبان وشوال.
وَتَحُجَّ البَيْتَ أي تقصد البيت لأداء النسك في وقت مخصوص تعبدًا لله تعالى.
إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلِيْهِ سَبِيْلا قَالَ: صَدَقْتَ القائل صدقت: جبريل ﵇ وهو السائل، فكيف يقول: صدقت وهو السائل؟ لأن الذي يقول: صدقت للمتكلم يعني أن عنده علمًا سابقًا علم بأن هذا الرجل أصابه، وهو محل عجب، ولهذا تعجب الصحابة كيف يسأله ويصدقه، لكن سيأتي إن شاء الله بيان هذا.
شرح هذه الأركان الخمسة:
-الركن الأول: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وهنا مسألة: لماذا جُعِلَ هذان ركنًا واحدًا، ولم يجعلا ركنين؟.
[ ٢٢ ]
والجواب: أن الشهادة بهذين تبنى عليها صحة الأعمال كلها، لأن شهادة ألا إله إلا الله تستلزم الإخلاص، وشهادة أن محمدًا رسول الله تستلزم الاتباع، وكل عمل يتقرب به إلى الله لا يقبل إلا بهذين الشرطين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله.
ومعنى أن تشهد أن لا إله إلا الله، أي: أن يعترف الإنسان بلسانه وقلبه بأنه لامعبود حق إلا الله ﷿. وأَشْهَدُ بمعنى: أقر بقلبي ناطقًا بلساني؛ لأن الشهادة نطق وإخبار عما في القلب. وإذا كان الشاهد بقلبه أخرس لا يستطيع النطق فإنه يكفي للعجز.
والشهادة باللسان لاتكفي بدليل أن المنافقين يشهدون لله ﷿ بالوحدانية ولكنهم يشهدون بألسنتهم، فيقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فلا ينفعهم، وهم يأتون إلى رسول الله ﷺ يؤكدون له أنهم يشهدون أنه رسول الله، والله يعلم أنه رسول الله، ولكنه سبحانه يشهد أن المنافقين لكاذبون.
ولاَ إِلَهَ إِلاَّ الله أي: لا معبود حق إلا الله وبتقديرنا الخبر بهذه الكلمة حق يتبين الجواب عن الإشكال التالي: وهو كيف يُقال لا إله إلا الله مع أن هناك آلهة تعبد من دون الله، وقد سماها الله آلهة وسماها عابدوها آلهة، قال الله تعالى: (فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) (هود: الآية١٠١) وقال تعالى: (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) (الانبياء: ٤٣)
وقال تعالى: (وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) (القصص: الآية٨٨)
بتقدير الخبر في لا إله إلا الله فنقول: هذه الآلهة التي تعبد من دون الله هي آلهة لكنها باطلة، ليست آلهة حقّة، وليس لها حق الألوهية من شيء، ويدل لذلك قول الله ﷿: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (الحج: ٦٢)
فإذا جاء مشركٌ إلى تمثالٍ يعبده بأن يركع له، ويسجد وينتحب ويخشع وربما يغمى عليه، فعبادته باطلة، ومعبوده باطل أيضًا.
إِلاَّ اللهُ الله: علم على الرب ﷿ لايسمى به غيره، وهو أصل الأسماء،
[ ٢٣ ]
ولهذا تأتي الأسماء تابعة له، ولايأتي تابعًا للأسماء إلا في آية واحدة، وهي قول الله تعالى: (إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) (إبراهيم: ١-٢) لكن لفظ الاسم الكريم هنا بدل من العزيز، وليست صفة، لأن جميع الأسماء إنما تكون تابعة لهذا الاسم العظيم.
مسألة: هل هذه الشهادة تُدخِل الإنسان في الإسلام؟
والجواب: نعم تدخله في الإسلام حتى لو ظننا أنه قالها تعوّذًا، فإننا نعصم دمه وماله؛ ولو ظننا أنه قالها كاذبًا، ودليل ذلك قصة المشرك الذي أدركه أسامة بن زيد ﵄ حين هرب المشرك، فلما أدركه أسامة بالسيف قال: لا إله إلا الله، فقتله أسامة ظنًّا أنه قالها تعوّذًا من القتل، أي قالها لئلا يقتل فقتله، فلما أخبر بذلك النبي ﷺ جعل يردد: أَقَتَلتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلا الله؟ قَالَ: يَارَسُوْلَ اللهِ إِنَّمَا قَالَهَا تَعَوُّذًَا (١) فجعل يردد: أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال أسامة: فتمنيت أنني لم أكن أسلمت بعد، من شدة ماوجد ﵁.
إذًا نحن ليس لنا إلا الظاهر حتى لو غلب على ظننا أنه قالها تعوذًا عصمته، نعم لو ارتد بعد ذلك قتلناه، وهذا يوجد من جنود الكفر إذا أسرهم المسلمون قالوا: أسلمنا. من أجل أن يعصموا أنفسهم من القتل، فيسأل المجاهدون ويقولون: هل نقتل هؤلاء بعد أن قالوا: لاإله إلاالله أم لا؟
نقول: حديث أسامة يدلّ على أنهم لايقتلون ولكن يراقبون، فإذا ظهر منهم ردة قتلوا، لأنهم بشهادة أن لاإله إلا الله تُلزمهم أحكام الإسلام. فإن كان الكافر يقول: لا إله إلا الله لكن لايشهد أن محمدًا رسول الله، فلا يكفيه ذلك حتى يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، وعلى هذا فالكافر يدخل في الإسلام بمجرّد أن
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب الديات، باب قول الله تعالى: (ومن أحياها)، حديث (٦٨٧٢) . ومسلم: كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، حديث (٩٦) (١٥٩) .
[ ٢٤ ]
يقول: لا إله إلا الله، فإذا كان يقولها لكنه ينكر رسالة النبي ﷺ فلابد أن يضيف إليها شهادة أن محمدًا رسول الله، وفي الحديث الشريف: اُدْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّيْ رَسُوْلُ الله (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - وقد عُلم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ واتفقت عليه الأمة: أن أول ما تؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فبذلك يصير الكافر مسلمًا (٢) وإذا كان مسلمًا وشهد أن لا إله إلا الله ومات على ذلك فإنه يكفي لقول النبي ﷺ: مَنْ كَانَ آخِرُ كَلامِهِ مِنَ الدُّنْيَا لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله دَخَلَ الجَنَّة (٣)
وإنما اكتفي بلا إله إلا الله لأن هذا الميت يقر بأن محمدًا رسول الله وليس عنده فيها إشكال.
شهادة أن لا إله إلا الله تستلزم إخلاص العبادة لله، ويسمى هذا النوع من التوحيد توحيد الألوهية، ويسمّى توحيد العبادة، لأن معنى لاإله إلا الله أي لا معبود حقّ إلا الله، إذا لا تعبد غير الله، فمن قال: لاإله إلا الله وعبد غير الله فهو كاذب، إذْ إن هذه الشهادة تستلزم إخلاص العبادة لله ﷿ وطرد الرياء والفخر وما أشبه ذلك.
وقوله: أنَّ مُحَمَّدًَا رَسُوْلُ الله فلابد أن تشهد أنه رسول الله، أي مرسلِهُ إلى الخلق، والرسول هو من أوحى إليه الله بشرعٍ وأمره بتبليغه، وكان الناس قبل نوح على ملة واحدة لم يحتاجوا إلى رسول، ثم كثروا واختلفوا، فكانت حاجتهم إلى الرسل، فأرسل الله تعالى الرسل، قال الله ﷿: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النبيين مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) (البقرة: الآية٢١٣)
_________________
(١) -أخرجه البخاري- كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة، (١٣٩٥)، ومسلم- كتاب: الإيمان، باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، (١٩)، (٢٩)
(٢) مجموع الفتاوى، ج (٢٠) ص (٤٥٦)
(٣) رواه الإمام أحمد في مسند الأنصار بلفظ «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة» حديث (٢٣٨٤) . وفي سنن أبي داود: كتاب الجنائز. باب التلقين، حديث (٣١١٦) . والحاكم في المستدرك - كتاب الجنائز، (١٢٩٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، والطبراني في معجمه الكبير - ج ٢٠/ص ١١٢، (٢٢١)، والطبراني في معجمه الأوسط - ج١/ ١٨٠ن (٥٧٤) ..
[ ٢٥ ]
فالرسل إنما بعثت حين اختلف الناس ليحكموا بينهم بالحق، ولهذا كان أول الرسل نوحًا ﵇، وآخرهم محمد ﷺ. فلابد من الإيمان بأن محمدًا رسول الله، ولابد أن نؤمن بأنه خاتم النبيين.
ومماسبق يُعلم خطأ المؤرّخين الذين قالوا: إن هناك رسولًا أو أكثر قبل نوح، فليس قبل نوح ﵇ رسول بدليل قول الله تعالى: () إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنبي ﷺ ينَ مِنْ بَعْدِهِ) (النساء: الآية١٦٣) وقال الله ﷿: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَاب) (الحديد: الآية٢٦) أي في ذريتهم خاصة.
ومن السنة في قصة الشفاعة أن الناس يأتون إلى نوح فيقولون له: أَنْتَ أَوَّلُ رَسُوْلٍ أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ (١) فعقيدتنا أن أول الرسل نوحٌ ﵇، وآخرهم: محمد ﷺ. فمن ادعى النبوة بعد محمد فحكمه أنه كافر، لقول الله تعالى: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النبيينَ) (الأحزاب: الآية٤٠) ولم يقلْ سبحانه وخاتم الرسل، مع أنه قال رسول الله بالأول، لأنه إذا كان خاتم النبيين فهو خاتم الرسل، إذ لارسالة إلا بعد النبوة، فإذا انتفت النبوة من بعده فالرسالة من باب أولى.
شهادة أن محمدًا رسول الله تستلزم أمورًا منها:
الأول: تصديقه ﷺ فيما أخبر، بحيث لايكون عند الإنسان تردد فيما أخبر به ﷺ، بل يكون في قلبه أشد مما نطق، كما قال ﷿ في القرآن: (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) (الذريات: الآية٢٣) فالإنسان لايشك فيما ينطق به، كذلك ماينطق به رسول الله ﷺ لانشك فيه، ونعلم أنه الحق، لكن بيننا وبينه مفاوز وهو السند، لأن النبي ﷺ ليس أمامنا لكن إذا ثبت الحديث عن الرسول ﷺ وجب علينا تصديقه، سواء علمنا وجهه أم لم نعلمه، أحيانًا تأتي أحاديث نعرف المعنى لكن لانعرف وجهها، فالواجب علينا التصديق.
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب: الأرواح جنود مجندة، (٣٣٤٠٩. ومسلم: كتاب الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث (١٩٤)
[ ٢٦ ]
الثاني: امتثال أمره ﷺ ولانتردد فيه لقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (الأحزاب: الآية٣٦) ولهذا أقول: من الخطأ قول بعضهم: إنه إذا جاءنا الأمر من الله ورسوله بدأ يتساءل فيقول: هل الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ كمايقوله كثير من الناس اليوم، وهذا السؤال يجب طرحه وأن لايورد؛ لأن الصحابة ﵃ إذا أمرهم النبي ﷺ لم يكونوا يقولون يارسول الله: هل الأمر للوجوب أو الأمر للاستحباب أو غير ذلك؟ بل كانوا يمتثلون ويصدقون بدون أن يسألوا. نقول: لاتسأل وعليك بالامتثال، أنت تشهد أن محمدًا رسول الله فافعل ما أمرك به.
وفي حالة ما إذا وقع الإنسان في مسألة وخالف الأمر، فهنا له الحق أن يسأل هل هو للوجوب أو لغير الوجوب، لأنه إذا كان للوجوب وجب عليه أن يتوب منه لأنه خالف، وإذا كان لغير الوجوب فأمره سهل.
ثالثًا: أن يجتنب ما نهى رسول الله ﷺ عنه بدون تردد، لايَقُلْ: هذا ليس في القرآن فيهلك، لأننا نقول: ما جاء في السنة فقد أمر القرآن باتباعه. ولقد حذّر النبي ﷺ من هذا وأمثاله الذي يقول هذا ليس في القرآن فقال: لاَ ألْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى أَرِيْكَتِه أي جالسًا متبخترًا متعاظمًا يَأْتِيْهِ الأَمْرُ مِنْ عِنْدِيْ فَيَقُولُ مَا أَدْرِيْ، مَا كَانَ فِيْ كِتَابِ اللهِ اِتَّبَعْنَاهُ (١) أي وما لم يكن لانتبعه، مع أننا نقول: كل ما جاء عن رسول الله ﷺ فقد جاء في القرآن، لأن الله تعالى قال: (وَاتَّبِعُوهُ) (الأعراف: الآية١٥٨) وهو عام في كل ماقال.
رابعًا: أن لايقدم قول أحدٍ من البشر على قول النبي ﷺ، وعلىهذا لايجوز أن تقدم قول فلان - الإمام من أئمة المسلمين - على قول الرسول ﷺ لأنك أنت والإمام يلزمكما اتباع الرسول ﷺ. وماأعظم قول من إذا حاججته وقلت: قال
_________________
(١) رواه أبو داود: كتاب السنة باب في لزومالسنة، حديث (٤٦٠٥)، والترمذي: كتاب العلم، باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي ﷺ (٢٦٦٣)، وابن ماجه: المقدمة، باب: تعظيم حديث رسول الله ﷺ والتغليظ على من عارضهن (١٣)
[ ٢٧ ]
رسول الله، قال: لكن الإمام فلان قال كذا وكذا، فهذه عظيمة جدًا، إذ لايحل لأحد أن يعارض قول النبي ﷺ بقول أحد من المخلوقين كائنًا من كان حتى إنه ذُكِر عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: يُوْشكُ أَن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله وتقولون قال أبوبكر وعمر (١) ومن إمام هذا الرجل المجادل بالنسبة إلى أبي بكر وعمر ﵄.
خامسًا: أن لايبتدع في دين الله مالم يأتِ به الرسول ﷺ، سواء عقيدة، أو قولًا، أو فعلًا، وعلى هذا فجميع المبتدعين لم يحققوا شهادة أن محمدًا رسول الله، لأنهم زادوا في شرعه ماليس منه، ولم يتأدبوا مع الرسول ﷺ.
سادسًا: أن لايبتدع في حقه ماليس منه، وعلى هذا فالذين يبتدعون الاحتفال بالمولد ناقصون في تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله، لأن تحقيقها يستلزم أن لاتزيد في شريعته ماليس منه.
سابعًا: أن تعتقد بأن النبي ﷺ ليس له شيء من الربوبية، أي أنه لايُدعى، ولايُستغاث به إلا في حياته فيما يقدر عليه، فهو عبد الله ورسوله: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ) (الأعراف: الآية١٨٨) وبهذا نعرف ضلال من يدعون رسول الله ﷺ، وأنهم ضالون في دينهم، سفهاء في عقولهم، إذ إن النبي ﷺ لايملك لنفسه نفعًا ولاضرًا فكيف يملك لغيره؟ ولهذا أمره الله أن يقول: (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) (الجن: ٢١-٢٢) أي أنه هو ﵊ لو أراد الله به ما يريد ما استطاع أحد من الناس أن يمنع إرادة الله فيه. إذا كان كذلك فمن الضلال البيّن أن يستغيث أحدٌ برسول الله ﷺ، بل هذا من الشرك، فلو جاء إنسان مهموم مغموم إلى قبر النبي ﷺ وقال: يارسول الله أغثني فإني مهموم مغموم، فيكون هذا مشركًا شركًا أكبر، لأنه دعا رسول الله ﷺ،
_________________
(١) زاد المعاد (٢/١٩٥)
[ ٢٨ ]
ودعوة الميت أن يغيثك أو يعينك شرك، لأنه غير قادر، فهو جسد وإن كانت الروح قد تتصل بالجسد في القبر لكن هو جسد، وهذا لاينافي أن يكون حيًا في قبره حياة برزخية لاتشبه حياة الدنيا.
ثامنًا: احترام أقواله، بمعنى أن يحترم أقوال النبي ﷺ فلاتضع أحاديثه ﵊ في أماكن غير لائقة، لأن هذا نوع من الامتهان، ومن ذلك: أن لا ترفع صوتك عند قبره، وقد سمع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ رجلين قدما من الطائف فجعلا يرفعان أصواتهما في مسجد النبي ﷺ فقال: لَوْلاَ أَنَّكُمَا مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ لأَوْجَعْتُكُمَا ضَرْبًَا (١) لأن الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبي ﷺ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (الحجرات: ٢) .
ولماَ نزلت هذه الآية كان رجل من الصحابة يقال له: ثابت بن قيس ﵁ ممن يخطب بين يدي النبي ﷺ، وكان جهوري الصوت، فلما نزلت هذه الآية بقي في بيته يبكي ليلًا ونهارًا ﵁ هؤلاء الذين يعلمون قدر القرآن الكريم، ففقده النبي ﷺ لأن من عادة الرسول ﷺ أن يتفقّد أصحابه، وهذا من حسن رعايته ﷺ فسأل عنه فقالوا: يارسول الله إن الرجل منذ أنزل الله تعالى هذه الآية وهو في بيته يبكي ليلًا ونهارًا، فقال ﷺ: (اِذْهَبْ فَادْعُهُ لِي فأتى النبي ﷺ فقال له: مَايُبْكِيْكَ يَاثَابِتُ فقال: أنا صيّت وأتخوّف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ.، لأن الله تعالى يقول: (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (الحجرات: ٢) فقال له الرسول ﷺ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيْشَ حَمَيدًَا، وَتُقْتَلَ شَهِيْدًَا، وَتَدْخُلَ الجَنَّة (٢)، الله أكبر، كل من خاف من الله أمن،
_________________
(١) - أخرجه البخاري - كتاب: الصلاة، باب: رفع الصوت في المساجد، (٤٧٠)
(٢) - أخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق - ج١/ص٢١، (١٤)، وابن حبان في صحيحه- ج١٦/ ص١٢٦، (٥٠٣٤)، المعجم الكبير للطبراني: (٢/٦٨) حديث (١٣١٦)، وابن المبارك في الجهاد - ج ١/ص١٠٣، (١٢٣)، والطبراني في معجمه الأوسط - ج١/ص١٨ن (٤٢) .
[ ٢٩ ]
فهو بقي في بيته خائفًا من الله ﷿ ولكن أمَّنه الله، ولهذا يجب علينا وجوبًا أن نشهد أن ثابت بن قيس ﵁ من أهل الجنة، لأن النبي ﷺ أخبر بهذا. فبقي الرجل حميدًا في حياته وشارك المسلمين في قتال مسيلمة الكذاب، وغزوة مسيلمة الكذاب معروفة ومشهورة في التاريخ، وقتل ﵁ شهيدًا، ويدخل الجنة، اللهم اجعلنا من أهل الجنة يارب العالمين.
وقع في قصته ﵁ أيضًا مسألة غريبة: مر به أحد الجنود وهو ميت وعلى ثابت ﵁ درع جيد، فأخذ الجندي الدرع منه ثم ذهب به إلى رحله وجعل عليه برمة - والبرمة قدر من الخزف - وفي الليل رأى أحد أصحاب ثابت ثابتًا ﵁ في المنام وأخبره الخبر وقال له: مر بي رجل من الجند وأخذ درعي ووضعه تحت برمة في طرف العسكر وحوله فرس تستن، أي رافعة إحدى قوائمها، فلما أصبح الرجل الذي رأى هذه الرؤيا أخبر بها القائد خالد بن الوليد ﵁ فأرسله إلى المكان، ولما أرسله إلى المكان وجد الأمر كما قال ثابت - فسبحان الله العظيم - ما الذي أعلم ثابتًا وهو ميت، لكن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، فأخذ الدرع.
كما أن ثابتًا ﵁ أوصى بوصية بعد موته، وأُبلِغَت أبا بكر ﵁ فنفذ الوصية، قالوا: ولايوجد أحد نفذت وصيته التي أوصى بها بعد موته إلا ثابت بن قيس ﵁، لكن يشكل على هذا كيف نعتبر الرؤيا في تنفيذ الوصية؟
والجواب: أنه إذا دلت القرائن على صدق الرؤيا نُفذت الوصية ولاحرج. ولقد حدثني رجل أثق به يقول: إنه مات أبوه وكان قد استأجر البيت الذي تركه بعد موته لمدة كذا سنة، فلما مات أتى أهل البيت الذين يملكون رقبة البيت وقالوا للورثة: اخرجوا عن البيت، البيت بيتنا، فقالوا: لن نخرج، بين مورّثنا وبينكم عقد لم ينتهِ بعد، فقالوا: بل انتهى العقد، ففزع الورثة من هذه الدعوى وضاقت بهم الأرض، يقول: فلما كان ذات ليلة رأيت في المنام أن أبي أطل علينا من فرجة المجلس وقال لهم: العقد
[ ٣٠ ]
في أول صفحة من الدفتر لكنه لاصق في جلدة الدفتر، فلما أصبح وفتح أول صفحة وجد العقد.
سبحان الله، فالله تعالى قد يخبر بعض الموتى ببعض ما يحصل على أهله، لكن هذه مسائل ليست لكل أحد.
وتقيم الصلاة أي تأتي بها قويمة، ولاتكون قويمة إلا بفعل شروطها وأركانها وواجباتها - وهذا لابد منه - وبمكملاتها، فهذا يكون أكمل.
ولاحاجة لشرح هذه لأنها معروفة في كتب الفقه (١)
وقوله الصّلاةَ يشمل كل الصلاة: الفريضة والنافلة، وهل تدخل صلاة الجنازة أو لا؟
يحتمل هذا وهذا، إذا نظرنا إلى عموم اللفظ قلنا: إنها داخلة لأنها صلاة، كما قال الله ﷿: (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) (التوبة: الآية٨٤) ' وإن نظرنا إلى أن صلاة الجنازة صلاة طارئة حادثة يقصد بها الشفاعة للميت قلنا: لاتدخل في هذا الحديث، لكن تدخل في عموم الأمر بإحسان.
وَتُؤْتي الزَّكَاةَ تؤتي بمعنى تعطي، والزكاة هي: المال الواجب في الأموال الزكوية، فيعطيه الإنسان مستحقه تعبّدًا لله ﷿ ورجاءً لثوابه.
مثال ذلك: الدراهم والدنانير فيهما زكاة، وهي ربع العشر، أي تأخذ ربع العشر وهو واحد من أربعين وتعطيه المستحق.
وقد بيّن الله ﷿ أهل الزكاة في سورة التوبة أنهم ثمانية أصناف فقال ﷿: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) (التوبة: الآية٦٠) أي فرضها الله علينا أن نعطيها هؤلاء ولا نعطي غيرهم: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)
_________________
(١) تكلم شيخنا -غفر الله له- عن أحكام الصلاة في (مجموع الفتاوى) المجلدات: ١٢-١٣-١٤-١٥.
[ ٣١ ]
(التوبة: الآية٦٠) وتفاصيل ذلك مذكورة في كتب الفقه ولاحاجة إلى تفصيله هنا (١) .
وَتَصُوْمَ رَمَضَانَ بأن تمسك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس تعبّدًا لله تعالى.
والمفطرات أيضًا معروفة لاحاجة إلى ذكرها (٢) ولكن ننبّه على شيء مهمّ فيها: أن المفطرات لاتفطر الصائم إلا بثلاثة شروط: أن يكون عالمًا، وأن يكون ذاكرًا، وأن يكون مريدًا.
فضدّ العالم الجاهل، فلو أكل الصائم يظن أن الليل باقٍ ثم تبين أنه قد طلع الصبح وهو يأكل فحكم الصوم أنه صحيح.
ولو أكل يظن غروب الشمس ثم تبين أنها لم تغرب فالصوم صحيح، ودليل ذلك: ما رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: أفطرنا في يوم غيم على عهد النبي ﷺ ثم طلعت الشمس (٣) ولم يأمرهم بالقضاء، فلو كان القضاء واجبًا لكان يبينه النبي ﷺ ولنُقِلَ إلينا، لأنه إذا كان واجبًا لكان القضاء من شريعة الله، ولابد أن تنقل، وهو داخل في عموم قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة: الآية٢٨٦) وقوله: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (الأحزاب: الآية٥) .
ولو أكل غير مريد للأكل أو شرب غير مريد للشرب بأن كان مكرهًا فصيامه صحيح، ومن ذلك: أن يكره الرجل زوجته فيجامعها وهي صائمة، فليس عليها شيء لاقضاء ولاكفّارة.
هذه مهمة لأن كثيرًا من الفقهاء يقولون: إن الإنسان إذا أكل جاهلًا بالوقت سواء من أول النهار أو آخره وجب عليه القضاء إذا تبيّن أنه قد أكل في النهار، ولكن يقال: إن الذي شرع الصوم للعباد هو الذي رفع عنهم الحرج بهذه الأعذار.
_________________
(١) - فصل شيخنا- غفر الله له- أحكام الزكاة في المجلد ١٨ من مجموع الفتاوى.
(٢) - فصل شيخنا - غفر الله له - أحكام الصيام في المجلد ١٩ من مجموع الفتاوى.
(٣) رواه البخاري، كتاب الصوم، باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس (١٩٥٩) .
[ ٣٢ ]
وَتَحُجّ البَيْتَ أي تقصده. لأداء المناسك في وقت مخصوص تعبّدًا لله تعالى.
وهل يدخل في ذلك العمرة أو لا؟
فيه خلاف بين العلماء: فمنهم من قال: إن العمرة داخلة لقول النبي ﷺ: العُمْرَةُ حَجٌّ أَصْغَر (١) لأنه وردت روايات في نفس الحديث فيها ذكر العمرة.
والصحيح أن العمرة دون الحج، أي ليست من أركان الإسلام لكنها واجبة يأثم الإنسان بتركها إذا تمّت شروط الوجوب.
إِنِ اسْتَطَعْتَ إَلِيْهِ سَبِيْلًا مأخوذ من قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (آل عمران: الآية٩٧) قد يقول قائل: هذا الشرط في جميع العبادات لقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: الآية١٦) فلماذا خص الحج؟
نقول: خص الحج لأن الغالب فيه المشقة والتعب وعدم القدرة، فلذلك نص عليه وإلا فجميع العبادات لابد فيها من الاستطاعة.
قَالَ: صَدَقْتَ) أي أخبرت بالحق، والقائل هو جبريل ﵇.
قَالَ عُمَرُ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلهُ وَيُصَدِّقُه ووجه العجب أن السائل عادة يكون جاهلًا، والمصدّق يكون عالمًا فكيف يجتمع هذا وهذا، ومثاله: لوقال قائل: فلانٌ قدم من المدينة، فقال بعضهم: صدقت، فمقتضى ذلك أنه عالم، فكيف يسأل جبريل ﵇ النبي ﷺ ثم يقول صدقت؟ هذا محل عجب، وستأتي الحكمة في ذلك.
قَالَ: فَأَخْبِرني عَنِ الإِيمَانِ قال: أي جبريل، فأخبرني: أي يامحمد عن الإيمان؟
والإيمان في اللغة: هو الإقرار والاعتراف المستلزم للقبول والإذعان وهو مطابق للشرع.
_________________
(١) رواه الترمذي: فيكتاب الحج، باب ما في العمرة أواجبة هي أم لا؟ حديث (٩٣١)
[ ٣٣ ]
وأما قولهم: الإيمان في اللغة التصديق ففيه نظر، لأنه يقال: آمنت بكذا وصدقت فلانًا ولايقال: آمنت فلانًا، بل يقال: صدقه، فصدق فعل متعدٍ، وآمن فعل لازم، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - باستفاضة في كتابه: (كتاب الإيمان.
وقولنا: الإيمان المستلزم للقبول والإذعان احترازًا مما لو أقر لكن لم يقبل كأبي طالب عم النبي ﷺ، حيث أقر بالنبي ﷺ وأنه صادق لكن لم يقبل ماجاء به - نسأل الله العافية - ولم يُذعن ولم يتابع، فلم ينفعه الإقرار، فلابد من القبول والإذعان.
ولذلك يخطئ خطأً كبيرًا من يقول: إن أهل الكتاب مؤمنون بالله، وكيف يكون ذلك وهم لم يقبلوا شرع الله ولم يذعنوا له، فاليهود والنصارى حين بعث رسول الله كفروا به وليسوا بمسلمين ودينهم دين باطل، ومن اعتقد أن دينهم صحيح مساوٍ لدين الإسلام فهو كافر خارج عن الإسلام فالإيمان قبولٌ وإذعانٌ.
قَالَ: الإِيْمَانُ أَنْ تُؤمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرسله، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنُ بَالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ هذه ستّة أشياء:
أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ الإيمان بالله يتضمن أربعة أشياء:
الأول: الإيمان بوجوده ﷾. فمن أنكر الله تعالى فليس بمؤمن، ومع ذلك لايمكن أن يوجد أحد ينكر وجود الله تعالى بقرارة نفسه، حتى فرعون الذي قال لموسى: ما رب العالمين؟ كان مقرًّا بالله، قال له مؤسى: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ) (الاسراء: الآية١٠٢) لكنه جاحد، كما قال الله تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) (النمل: الآية١٤)
الثاني: الإيمان بانفراده بالرّبوبية، أي تؤمن بأنه وحده الرّب وأنه منفرد بالربوبية، والرب هو الخالق المالك المدبر.
فمن الذي خلق السماوات والأرض؟ الله ﷿.
[ ٣٤ ]
ومن الذي خلق البشر؟ الله ﷿.
ومن يملك تدبير السماوات والأرض؟ الله ﷿.
الثالث: إيمان بانفراده بالألوهية، وأنه وحده الذي لا إله إلا هو لاشريك له، فمن ادعى أن مع الله إلهًا يُعبد فإنه لم يؤمن بالله، فلابد أن تؤمن بانفراده بالألوهية، وإلا فما آمنت به.
الرابع: أن تؤمن بأسماء الله وصفاته بإثبات ما أثبته سبحانه لنفسه في كتابه، أو سنة رسوله ﷺ من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به من غير تحريف، ولاتعطيل ولاتكييف، ولا تمثيل، فمن حرّف آيات الصفات أو أحاديث الصفات فإنه لم يحقق الإيمان بالله.
قال قومٌ: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه: ٥) استولى، ومعناه شرعًا ولغة: علا وارتفع على العرش، لكنه علوّ خاص، ليس العلوّ العام علىجميع المخلوقات. فهذا الذي فسّر (اسْتَوَى) بـ: استولى لم يحقق الإيمان بالله، لأنه نفى صفة أثبتها الله لنفسه، والواجب إثبات الصفات.
ومن قال: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) (صّ: الآية٧٥) أي بقدرتيَّ، أو: بقوتيَّ وليس لله يد حقيقة لم يحقق الإيمان بالله، لو حقق الإيمان بالله لقال: لله ﷿ يد حقيقية لكن لاتماثل أيدي المخلوقين، كما قال الله ﷿: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: الآية١١) لأننا لانحدث عن الله إلاعلى حسب ما أخبرنا الله به عن نفسه، فإذا كنّا لايمكن أن نتحدث عن شخص لم نرهُ وإن كان عندنا في البلد، فكيف نتحدث عن الله تعالى بلاعلم.
وإذا قال: إن الله لايتكلم بكلام مسموع، ولكن كلامه المعنى القائم بنفسه، وما سمعه جبريل فهو مخلوق، أصوات خلقها الله ﷿ لتعبّر عما في نفسه، فهذا ما حقق الإيمان بالله. لأن تفسير (الكلام) بهذا المعنى يدلّ على أن الله تعالى لايتكلم
[ ٣٥ ]
حقيقة، لأنك إذا قلت: الكلام هو المعنى القائم بالنفس صار معنى الكلام هو العلم، لا أنه المسموع، وعلى هذا فقس.
وعلى هذا فجميع المبتدعة في الأسماء والصفات، المخالفين لما عليه السلف الصالح، لم يحققوا الإيمان بالله، ولا نقول إنهم غير مؤمنين، فهم مؤمنون لاشك، لكنهم لم يحققوا الإيمان بالله، والذي فاتهم من الأمور الأربعة هو الرابع: الإيمان بأسماء الله وصفاته، فلم يحققوا الإيمان به، وهم مخطئون مخالفون لطريق السلف، وطريقتهم ضلال بلاشكّ، ولكن لايحكم على صاحبه بالضلال حتى تقوم عليه الحجة، فإذا قامت عليه الحجة، وأصر على خطئه وضلاله، كان مبتدعًا فيما خالف فيه الحق، وإن كان سلفيًّا فيما سواه، فلا يوصف بأنه مبتدع على وجه الإطلاق، ولا بأنه سلفيّ على وجه الإطلاق، بل يوصف بأنه سلفي فيما وافق السلف، مبتدع فيما خالفهم.
ومن مسائل الأسماء والصفات التي حصل فيها خلاف معنى حديث: أَنَّ اللهَ خَلَقَ آَدَمَ عَلَى صُوْرَتِهِ (١) وضجّوا وارتفعت أصواتهم وكثرت مناقشاتهم، كيف خلق آدم على صورته؟
فحرّفه قومٌ تحريفًا مشينًا مستكرهًا، وقالوا: معنى الحديث: خَلَقَ اللهُ آدم على صورته أي على صورة آدم - الله المستعان - هل يمكن لأفصح البشر وأنصح البشر أن يريد بالضمير ضمير المخلوق، بمعنى خلق آدم على صورته أي على صورة آدم؟ لايمكن هذا، لأن كل مخلوق فقد خلق على صورته، وحينئذ لافضل لآدم على غيره. فهذا هراء لامعنى له، أتدرون لما قالوا هذا التأويل المستكره المشين؟
قالوا: لأنك لو قلت إنها صورة الرب ﷿ لمثّلت الله بخلقه، لأن صورة الشيء مطابقةله، وهذا تمثيل.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام (٦٢٢٧) ومسلم- كتاب الجنة وصفة نعيمها باب: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير (٢٨٤١)
[ ٣٦ ]
وجوابنا على هذا أن نقول: لو أعطيت النصوص حقها لقلت خلق الله آدم على صورة الله، لكن ليس كمثل الله شيء.
فإن قال قائل: اضربوا لنا مثلًا نقتنع به، أن الشيء يكون على صورة الشيء وليس مماثلًا له؟
والجواب نقول: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُوْرَةِ القَمَرِ لَيْلَةِ البَدْرِ ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلوُنَهُمْ عَلَى أَضْوَءِ كَوْكَبٍ فِي السَّمَاءِ (١) فهل أنت تعتقد أن هؤلاء الذين يدخلون الجنة على صورة القمر من كل وجه أو تعتقد أنهم على صورة البشر لكن في الوضاءة والحسن والجمال واستدارة الوجه وما أشبه ذلك على صورة القمر، لامن كل وجه، فإن قلت بالأول فمقتضاه أنهم دخلوا وليس لهم أعين وليس لهم أفواه، وإن قلت بالثاني؛ زال الإشكال وثبت أنه لايلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلًا له من كل وجه.
فالمهم أن باب الصفات بابٌ عظيمٌ، خطره جسيم، ولايمكن أن ينفك الإنسان من الورطات والهلكات التي يقع فيها إلا باتباع السلف الصالح، أثبت ما أثبته الله تعالى لنفسه، وانْفِ مانفى الله عن نفسه، فتستريح.
هل تبحث في أمر يكون البحث فيه تعمّقًا وتنطّعًا؟
الجواب: لا تبحث.
وقد سُئِل الإمام مالك - ﵀ - عن قول الله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه: ٥) كيف استوى؟
فأطرق - ﵀ - برأسه وجعل يتصبب عرقًا من ثقل ما ألقي عليه وتعظيمه
_________________
(١) - أخرجه البخاري- كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، (٣٢٤٦) زومسلم - كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، (٢٨٣٤)
[ ٣٧ ]
الرب جل وعلا، ثم رفع رأسه وقال: (الاستواء غير مجهول) أي أنه معلوم في اللغة العربية، استوى على كذا: أي علا عليه واستقرّ، وكل ما ورد في القرآن والسنةوكلام العرب أن (استوى) إذا تعدّت بـ (على) فمعناه العلو وقوله: (والكيف غير معقول) أي معناه: أنّا لاندرك كيفية استواء الله على عرشه بعقولنا: وإنما طريق ذلك السمع. وقوله: (الإيمان به واجب) معناه: أن الإيمان باستواء الله على عرشه على الوجه اللائق واجب. (والسؤال عنه بدعة) معناه: أن السؤال عن كيفية الاستواء بدعة، لأن مثل هذا السؤال لم يسأل عنه الصحابة ﵃ النبي ﷺ وهم أشد منا حرصًا على معرفة الله ﷿، والمجيب لو سألوه فهو أعلم منا بالله تعالى، ومع ذلك لم يقع السؤال، أفلا يسعنا ما وسعهم؟
الجواب: بلى، فيجب على المسلم أن يسعه ما وسع السلف الصالح، فلا يسأل.
ثم قال الإمام مالك - ﵀-: (ما أراك) أي ما أظنك (إلامبتدعًا) تريد أن تفسد على الناس دينهم، ثم أمر به فأُخرج من المسجد، أي مسجد النبي ﷺ، ولم يقل: والله لاأستطيع إخراجه، أخشى أن أدخل في قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) (البقرة: الآية١١٤) لأني أمنع هذا من دخول المسجد، لأنه لم يدخل ليذكر فيه اسم الله، بل دخل ليفسد عباد الله، ومثل هذا يمنع.
فإذا كان الذي يأكل الثوم والبصل يمنع من دخول المسجد، فكيف بمن يفسد على الناس أديانهم، أفلا يكون أحقّ بالمنع؟ بلى والله، ولكن كثيرًا من الناس غافلون.
على كلّ حال هذا المقام مقام عظيم، لكني أحذركم أن تتعمّقوا في باب الأسماء والصفات، وأن تسألوا عما لاحاجة لكم به.
يقول بعض الناس: الله تعالى له أصابع، ويقول المحرفون: ليس له أصابع، والمراد
[ ٣٨ ]
بقوله: إنَّ قُلُوْبَ بَنِيْ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ (١) كمال السيطرة والتدبير، سبحانَ الله، أأنتم أعلم أم رسول الله؟ نفوا الأصابع لظنهم أن إثباتها يستلزم التمثيل، فمثلوا أولًا وعطّلوا ثانيًا، فجمعوا بين التمثيل والتعطيل.
وجاء آخرون فقالوا: قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، وأمسك المسواك بين أصابعه وقال: بين أصبعين من أصابع الرحمن. قطع الله هاتين الأصبعين. فهل يحلّ هذا؟
الجواب: لا يحل، أولًا: هل تعلم أن أصابع الله تعالى خمسة: إبهام وسبابة ووسطى وبنصر وخنصر؟ لا تعلم.
ثانيًا: هل تعلم أن كون القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن: بين الإبهام والسبابة، أو بين الإبهام والوسطى، أو بين الإبهام والبنصر، أو بين الإبهام والخنصر؟ كيف تقول على الله ما لاتعلم، أم على الله يفترون، فمثل هذا يستحق أن يؤدّب لأنه قال على الله ما لا يعلم.
فقالوا: أليس النبي ﷺ لما قال: وَكَانَ اللهُ سَمِيعًَا بَصِيرَا وضع إبهامه وسبابته على العين والأذن (٢)
نقول: بلى، لكن أنت لست رسولًا حتى تفعل هذا، ثم المقصود من وضع الرسول ﷺ أصبعيه تحقيق السمع والبصر فقط.
وأكرر أن باب الصفات باب عظيم، احذر أن تزل، فتحت رجلك هوّة، فالأمر صعب جدًا.
يقول آخرون في قول الله تعالى: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (الزمر: الآية٦٧)
_________________
(١) - أخرجه مسلم- كتاب: القدر، باب: تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء، (٢٦٥٤)، (١٧)
(٢) - أخرجه أبو داود - كتاب: السنة، باب: في الجهمية، (٤٧٢٨)
[ ٣٩ ]
فيشير بيده قابضًا لها على شيء - أعوذ بالله - والآخرون يقولون: قبضته أي تحت تصرفه، والفرق بينهما عظيم.
فعلى كل حال، أكرر: احذروا باب الصفات أن تخوضوا في شيءٍ لم يتكلم فيه السلف الصالح.
يقول بعض العلماء: من لم يسعه ما وسع الصحابة والتابعين فلا وسّع الله عليه.
قوله: وَمَلائِكَتِهِ بدأ بالملائكة قبل الرسل والكتب لأنهم عالم غيبي، أما الرسل والكتب فعالم محسوس، فالملائكة لا يظهرون بالحس إلا بإذن الله ﷿، وقد خلق الله الملائكة من نورٍ، كما ثبت عن النبي ﷺ وهم لايحتاجون إلى أكل وشرب، ولهذا قيل إنهم صمدٌ أي ليس لهم أجواف، فلا يحتاجون إلى أكل ولا شرب، فنؤمن أن هناك عالمًا غيبيًا هم الملائكة.
وهم أصناف، ووظائفهم أيضًا أصناف حسب حكمة الله ﷿ كالبشر أصناف ووظائفهم أصناف.
والإيمان بالملائكة يتضمّن:
أولًا: الإيمان بأسماء من علمنا أسماءهم، أن نؤمن بأن هناك ملَكًا اسمه كذا مثل جبريل.
ثانيًا: أن نؤمن بما لهم من أعمال، مثلًا:
جبريل: موكل بالوحي، ينزل به من عند الله إلى رسله.
وميكائيل: موكل بالقطر أي المطر، والنبات أي نبات الأرض.
وإسرافيل: موكل بالنفخ في الصور.
هؤلاء الثلاثة كان النبي ﷺ يذكرهم عندما يستفتح صلاة الليل فيقول: اللَّهُمَّ رَبَّ
[ ٤٠ ]
جِبْرَائِيْلَ وَمِيْكَائِيْلَ وَإِسْرَافِيْلَ (١) والحكمة من هذا: أن كل واحد منهم موكل بحياة: فجبريل موكل بالوحي وهو حياة القلوب كما قال ﷿: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) (الشورى: الآية٥٢) وميكائيل موكل بالقطر والنبات وهو حياة الأرض، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور وهو حياة الناس الحياة الأبدية.
والمناسبة ظاهرة، لأنك إذا قمت من النوم فقد بعثت من موت كما قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ) (الأنعام: الآية٦٠» وقال ﷿: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى) (الزمر: الآية٤٢)
إذا كان القيام من الليل بعثًا وهؤلاء الملائكة الثلاثة الكرام كلهم موكلون بحياة، صارت المناسبة واضحة.
كذلك يجب الإيمان بما لبعض الملائكة من أعمال خاصة، فمثلًا: هناك ملائكة وظائفهم أن يكتبوا أعمال العباد، قال الله ﷿: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ*مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق: ١٦-١٨) فهؤلاء موكلون بكتابة أعمال بني آدم، وقال الله ﷿ أيضًا في آية أخرى: (كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ*وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كراما كاتبين) (الأنفطار: ٩-١١) يكتبون كل قول يقوله الإنسان، وظاهر الآية الكريمة أنهم يكتبون ما للإنسان وما عليه وما ليس له ولا عليه، وجه كون هذا هو الظاهر: أن قوله ﷿: (مِنْ قَوْلٍ) نكرة في سياق النفي مؤكّدة بـ: (من) فتفيد العموم، لكن ماليس له ولا عليه لايحاسب عليه وإنما يقال إنه فاته خير كثير.
وذُكر أن رجلًا دخل على الإمام أحمد بن حنبل - ﵀- فقيه المحدّثين ومحدث الفقهاء وإمام أهل السنة، دخل عليه وهو يئن من الوجع، فقال له: يا أبا عبد الله تئنّ
_________________
(١) - أخرجه مسلم- كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه، (٧٧٠)، (٢٢٠) .
[ ٤١ ]
وقد قال طاوس: إن الملك يكتب حتى أنين المريض، فأمسك الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - عن الأنين، وهذا من تعظيم آثار السلف عند السلف.
ومن الملائكة من هم موكلون بالسياحة في الأرض يلتمسون حِلَق الذّكر والعلم فإذا وجدوها جلسوا.
ومنهم ملائكة موكلون بحفظ بني آدم.
ومنهم ملائكة موكلون بقبض روح بني آدم.
ومنهم ملائكة موكلون بسؤال الميت في قبره.
ومنهم ملائكة موكلون بتلقّي المؤمنين يوم القيامة: (وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ) (الانبياء: الآية١٠٣)
ومنهم ملائكة موكلون بتحية أهل الجنة كما قال تعالى في كتابه: (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَاب ٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ) (الرعد: ٢٣-٢٤)
ومنهم ملائكة يعبدون الله ﷿ ليلًا ونهارًا، كما قال ﷾: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) (الانبياء: ٢٠) قال النبي ﷺ: (أَطَّتِ السَّماءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ) والأطيط: هو صرير الرحل على البعير إذا كان الحمل ثقيلًا، فيقول ﷺ: (أَطَّتِ السَّماءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَامِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِع مِنْهَا إِلاَّ وَفِيْهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِد) (١)
وَكُتُبِهِ جمع كتاب بمعنى: مكتوب والمراد بها الكتب التي أنزلها الله ﷿ على رسله لأنه ما من رسول إلا أنزل الله عليه كتابًا كما قال الله ﷿: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً
_________________
(١) - أخرجه الترمذي- كتاب: الزهد، باب: قول النبي ﷺ " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا"، (٢٣١٢) وابن ماجه - كتاب الزهد، باب: الحزن والبكاء، (٤١٩٠)، والإمام أحمد في مسنده- ج ٥/١٧٣ في مسند الأنصار عن أبي ذر الغفاري، (٢١٨٤٨)
[ ٤٢ ]
وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النبيينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ) (البقرة: ٢١٣)
وقال ﷿: (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا) أي إبراهيم ونوح: (النُّبُوَّةَ وَالْكِتَاب) (الحديد: ٢٦) واعلم أن جميع الكتب السابقة منسوخة بما له هيمنة عليها وهو القرآن، قال الله ﷿: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) (المائدة: الآية٤٨) كل الكتب منسوخة بالقرآن، فلا يُعمل بها شرعًا.
واختلف العلماء - ﵏ - فيما ثبت في شرائع من قبلنا، هل نعمل به إلا أن يرد شرعنا بخلافه، أو لا نعمل به؟
من العلماء من قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا مالم يرد شرعنا بخلافه، وذلك أن ماسبق من الشرائع:
. ١إما أن توافقه شريعتنا
. ٢ وإما أن تخالفه شريعتنا
. ٣ وإما أن لاندري توافقه شريعتنا أم لا فيكون مسكوتًا عنه
فما وافقته شريعتنا فهو حق ونتبعه، وهذا بالإجماع، واتباعنا إياه لا لأجل وروده في الكتاب السابق ولكن لشريعتنا.
- وما خالف شريعتنا فلا نعمل به بالاتفاق، لأنه منسوخ، ومثاله لايحرم على الناس أكل الإبل في وقتنا مع أنها على بني إسرائيل - اليهود خاصة - كانت محرمة.
- وما لم يرد شرعنا بخلافه ولا وفاقه فهذا محل الخلاف: منهم من قال: إنه شرع لنا. ومنهم من قال: ليس بشرعٍ لنا، ولكل دليل، وتفصيل ذلك في أصول الفقه.
والإيمان بالكتب يتضمّن أربعة أمور:
أولًا: أن نؤمن بأن الله تعالى أنزل على الرسل كتبًا، وأنها من عند الله ولكن
[ ٤٣ ]
لانؤمن بأن الكتب الموجودة في أيدي هذه الأمم هي الكتب التي من عند الله لأنها محرّفة ومبدلة، لكن أصل الكتاب المنزل على الرسول نؤمن بأنه حق من عند الله.
ثانيًا: أن نؤمن بصحة ما فيها من أخبار كأخبار القرآن وأخبار ما لم يبدل أو يحرّف من الكتب السابقة.
ثالثًا: أن نؤمن بما فيها من أحكام إذا لم تخالف الشريعة على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا - وهو الحق - إذا لم يرد شرعنا بخلافه.
رابعًا: أن نؤمن بما علمنا من أسمائها، مثل: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وصحف موسى.
فلو قال رجل: أنا لا أومن بأن هناك كتابًا يسمى التوراة، فإنه كافر، لأن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بالكتب.
وَرسُلِهِ أي أن تؤمن برسل الله ﷿، والمراد بالرسل من البشر، وليعلم بأنه يعبر برسول ويعبّر بنبي، فهل معناهما واحد؟
الجواب: أما في القرآن فكل من ذكر من الأنبياء فهو الرسول، فكلما وجدت في القرآن من نبي فهو رسول، لكن معنى النبي والرسول يختلف، والصواب فيه: أن النبي هو من أوحي إليه بشرع وأمر بالعمل به ولكن لم يؤمر بتبليغه، فهو نبي بمعنى مُخْبَر، ولكن لم يؤمر بالتبليغ. مثاله: آدم ﵇ أبو البشر نبي مكلف لكنه ليس برسول، لأن أول الرسل نوح، أما آدم فنبي كما صح ذلك عن النبي ﷺ.
فإذا قال قائل: لماذا لم يرسل؟
فالجواب: لأن الناس في ذلك الوقت كانوا أمة واحدة، قليلون وليس بينهم اختلاف، لم تتسع الدنيا ولم ينتشر البشر فكانوا متّفقين فكفاهم أن يروا أباهم على عبادة ويتبعوه، ثم لما حصل الخلاف وانتشر الناس احتيج إلى الرسل، كما قال الله عزّ
[ ٤٤ ]
وجل: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النبيينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) (البقرة: الآية٢١٣)
فإذا قال قائل: ما الفائدة من النبي ﷺ بعد آدم ﵇ إذا كان لم يؤمر بالتبليغ؟
قلنا الفائدة: تذكير الناس بالشريعة التي نسوها، وفي هذا لا يكون الإعراض من الناس تامًا فلا يحتاجون إلى رسول، ويكفي النبي ﷺ الذي يذكرهم بالشريعة، قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبيونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا) (المائدة: الآية٤٤) هذه هي الفائدة من النبي ﷺ، لأن هذا الإيراد إيراد قوي وهو ما الفائدة من النبوة بلا رسالة؟ والجواب ماسبق. ولهذا جاء في حديث لكنه ضعيف: عُلَمَاءُ أُمَّتِيْ كَأَنْبِيَاءِ بَنِيْ إِسْرَائِيْل (١) معناه صحيح لكنه ضعيف من حيث إنه مسند إلى النبي ﷺ.
- وأوّل الرسل نوح ﵇، وآخرهم محمد ﷺ، واعلم بأنك ستجد في بعض كتب التاريخ أن إدريس ﵊ كان قبل نوح ﵇، وأن هناك بعضًا آخرين مثل شيث، كل هذا كذبٌ وليس بصحيح.
فإدريس بعد نوح قطعًا، وقد قال بعض العلماء: إن إدريس من الرسل في بني إسرائيل، لأنه دائمًا يذكر في سياق قصصهم، لكن نعلم علم اليقين أنه ليس قبل نوح، والدليل قول الله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنبيينَ مِنْ بَعْدِهِ) (النساء: الآية١٦٣) وقال الله ﷿: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) (الحديد: الآية٢٦) فأرسلهم الله وهم القمة، وجعل في ذريتهما النبوة والكتاب، فمن زعم أن إدريس قبل نوح فقد كذب القرآن وعليه أن يتوب إلى الله من هذا الاعتقاد.
والرسل عليهم الصلاة والسلام هم أعلى طبقات البشر الذين أنعم الله عليهم،
_________________
(١) أورده إسماعيل بن محمد العلجوني الجراحي في كتابه" كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس"، ج٢/ص٨٣، (١٧٤٤) قال السيوطي في الدار: لا أصل له، وكذلك قال ابن حجر، وقبله الدميري والزركشي.
[ ٤٥ ]
قال الله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرسول فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النبيينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) (النساء: الآية٦٩) هذه أربعة أصناف.
النبيون يدخل فيهم الرسل وهم أفضل من الأنبياء، ثم الرسل أفضلهم خمسة هم أُوُلو العزم، ذكروا في القرآن في موضعين في سورة الأحزاب وفي سورة الشورى: ففي سورة الأحزاب قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى) (الأحزاب: الآية٧) وفي سورة الشورى قال الله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّين) (الشورى: الآية١٣) فسبحان الله، هذه وصية من الله للأولين والآخرين: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا) (الشورى: الآية١٣) فهي وصية بإقامة الدين وعدم التفرّق في الدين.
وأفضلهم محمد ﷺ كما قال النبي ﷺ: أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ (١) ولما التقى بهم في الإسراء أَمَّهم في الصلاة، فإبراهيم إمام الحنفاء صلى وراء محمد ﷺ، ومعلوم أنه لايقدم في الإمامة إلا الأفضل، فالنبي ﷺ هو أفضل أولي العزم.
والثاني: إبراهيم الخليل ﵇ يلي مرتبة النبي ﷺ الذي قال الله فيه: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) (النساء: الآية١٢٥) والذي ابتلاه الله تعالى ببلية لايصبر عليها إلا أولو العزم.
وقصّة ابتلاء إبراهيم ﵊ أنه أتاه ابنًا على كبر، ومعلوم أنه إذا أتى الفريد الوحيد ابنٌ على كبر، سيكون في قلب أبيه في غاية المحبة للبشر، لما بلغ معه السعي فلم يكن طفلًا لايهتم به، ولم يكن كبيرًا انفرد بنفسه بل بلغ السعي، أي بدأ يمشي معه، تعلق قلبه به تمامًا فامتحنه الله تعالى، بأن رأى في المنام أنه يذبح ابنه، ورؤيا الأنبياء وحي، فقال له: يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، فلم يخيره لكن أراد أن يمتحنه، فجاء الابن في غاية ما يكون من الامتثال والانقياد فقال: يا أبتِ
_________________
(١) - أخرجه مسلم- كتاب: الفضائل، باب: تفضل نبينا ﷺ على جميع الخلائق، (٢٢٧٨)، (٣) .
[ ٤٦ ]
افعل ما تؤمر، لم يقل يا أبت اذبحني، بل قال: افعل ما تؤمر حتى ينبّهه أنه يفعل هذا امتثالًا لأمر الله ﷿، افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، فلم يجزم، بل قال: إن شاء الله، كما قال الله تعالى: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا*إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) (الكهف: ٢٣-٢٤) فاتفق الأب والابن على الاستجابة لأمر الله، فلما أسلما أي استسلما لأمر الله، وتلّه أي أبوهُ للجبين أي على الأرض والجبين: الجبهة، وإنما تلّه على الجبين دون أن يذبحه مستلقيًا لئلا يرى وجه ابنه والسكين تلوح على رقبته، فيخفف هو عن نفسه ويخفف أيضًا على الابن، فلما تلّه للجبين جاء الفرج من الله ﷿، فرّج الله تعالى عنه: (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ*قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (الصافات: ١٠٤-١٠٥) .
هذه المحبة لهذا الابن وهذا الابتلاء وهذا الامتثال التام يدل على أن محبة الله في قلب إبراهيم ﵇ أعظم من محبة الولد، فكان إبراهيم خليل الله ﷿، أعطاه الله الخلة. والخلّة: هي أعظم أنواع المحبة، والمحبة أنواعها عشرٌ، وقيل سبع، لكن أعلاها الخلّة، وفي هذا يقول الشاعر لمعشوقته:
قدْ تخلَّلتِ مسلك الرّوحِ منّي وبذا سُمِّيَ الخليلُ خَليلا
لأن محبته تخللت مسلك الروح، العروق والعظام والمخ وكل شيء.
ففي قوله: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) (النساء: الآية١٢٥) دليل على أن إبراهيم بالنسبة لله ﷿، أعلى مايكون من المحبوب، ففيه إثبات المحبة.
وقال المحرّفون الذين يقولون: إن الله لايحب: إن قوله تعالى: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) مأخوذ من الخِلّة بالكسر، يعني الافتقار ومعنى (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) أي فقيرًا إليه.
وهذا من التّحريف، فكل إنسان على قولهم يكون خليلًا لله، لأن كل إنسان مفتقر
[ ٤٧ ]
إلى الله ﷿.
ولكن نقول: الخليل هو الذي بلغ غاية المحبة، قال النبي ﷺ: إِنَّ اللهَ اِتَّخَذَنِيْ خَلِيْلًا كَمَا اِتَّخَذَ إِبْرَاهِيْمَ خَلِيْلا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًَا مِنْ أُمَّتِيْ خَلِيْلًا لاَتَّخّذْتُ أَبَابَكْرخليلًا (١) .
وهناك كلمة شائعة عند الناس: يقولون: إبراهيم خليل الله، ومحمد حبيب الله وموسى كليم الله، ولاشك أن محمدًا ﷺ حبيب الله فهو حابّ الله ومحبوب لله ولكن هناك وصف أعلى من ذلك وهو خليل الله، فالرسول ﷺ خليل الله. والذين يقولون محمد حبيب الله قد هضموا حق الرسول ﷺ، لأن المحبة أقل من الخلة، ولذلك نقول لا نعلم من البشر خليلًا لله إلا اثنان: إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، لكن المحبة كثيرٌ كما قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: الآية١٩٥) و: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) (الصف: الآية٤) وغير ذلك من الآيات.
وقوله: واليوم الآخِرِ اليوم الآخر، هو يوم القيامة، وسمي آخرًا لأنه آخر مراحل بني آدم وغيرهم أيضًا، فالإنسان له أربع دور، في بطن أمه، وفي الدنيا، وفي البرزخ، ويوم القيامة وهو آخرها.
- الإيمان باليوم الآخر يتضمّن:
أولًا: الإيمان بوقوعه، وأن الله يبعث من في القبور، وهو إحياؤهم حين ينفخ في الصور، ويقوم الناس لرب العالمين، قال تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) (المؤمنون: ١٦) وقال النبي ﷺ: يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حُفَاةً غُرْلًا (٢)، وأنه واقع لامحالة، لأن الله تعالى أخبر به في كتابه وكذلك في السنة، وكثيرًا مايقرن الله تعالى بين الإيمان به وبين الإيمان باليوم الآخر، لأن من لم يؤمن باليوم الآخر لايعمل، إذ إنه يرى أن لاحساب.
_________________
(١) - أخرجه مسلم- كتاب: المساجد، باب: النهي عن بناء المساجد على القبور، واتخاذ الصور فيها، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد، (٥٣٢)، (٢٣) .
(٢) - أخرجه مسلم- كتاب: الجنة باب: فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة، (٢٨٥٩)، (٥٦)
[ ٤٨ ]
ثانيًا: الإيمان بكل ماذكره الله في كتابه وما صح عن النبي ﷺ مما يكون في ذلك اليوم الآخر، من كون الناس يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلًا بهمًا، أي ليس معهم مال، وهذا كقوله تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) (الانبياء: الآية١٠٤) .
ثالثًا: الإيمان بما ذكر في اليوم الآخر من الحوض والشفاعة والصراط والجنة والنار فالجنة دار النعيم، والنار دار العذاب الشديد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀- في العقيدة الواسطية: ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ يكون بعد الموت مثل الفتنة في القبر فإن الناس يفتنون في قبورهم ويسألون عن ثلاثة أشياء: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟
رابعًا: الإيمان بنعيم القبر وعذابه، لأن ذلك ثابت بالقرآن والسنة وإجماع السلف.
وهنا ننبّه على ما نسمعه من قول بعض الناس أو نقرأه في بعض الصحف إذا مات إنسان قالوا: انتقل إلى مثواه الأخير.
وهذا غلط عظيم، ولولا أننا نعلم مراد قائله لقلنا: إنه ينكر البعث، لأنه إذا كان القبر مثواه الأخير، فهذا يتضمن إنكار البعث، فالمسألة خطيرة لكن بعض الناس إمّعة، إذا قال الناس قولًا أخذ به وهو لايتأمل في معناه.
وَتُؤْمِنُ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرّهِ وهنا أعاد ﷺ الفعل: (تؤمن) لأهمية الإيمان بالقدر، لأن الإيمان بالقدر مهم جدًا وخطير جدًا.
والإيمان بالقدر يتضمّن أربعة أمور: -
الأول: أن تؤمن بعلم الله المحيط بكل شيء جملة وتفصيلًا.
دليل ذلك: عموم الأدلة مثل قول الله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة: الآية٢٨٢) وخصوص العلم بالغيب، وقد قال موسى ﵊: (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) (طه: الآية٥٢) أي لايجهل ولاينسى ما علم.
[ ٤٩ ]
وقد ذكر الله ﷿ العلم في آيات كثيرة جملة وتفصيلًا:
قال الله ﷿ في الجملة: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٨٢)، وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الطلاق: الآية١٢) أي أخبرنا كم بهذا: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) (الطلاق: الآية١٢) هذا مجمل.
أما التفصيل فقال الله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا) (الأنعام: الآية٥٩) كلمة ما اسم موصول، وكل اسم موصول فهو مفيد للعموم، فكل شيء في البرّ الله ﷾ يعلمه، وكذلك كل شيء في البحر فالله ﷾ يعلمه، وقوله تعالى: (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ) أي ورقة في أي شجرة إلا يعلمها: يعلم متى سقطت، وأين سقطت، وكيف سقطت: (وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام: الآية٥٩) أي حبة، سواء كانت كبيرة، أو صغيرة في ظلمات الأرض إلا يعلمها الله ﷿، فإذا قدرنا أن حبة بر غاصت في قاع البحر، ففوقها طين، وفوق الطين ماء، وكان ذلك ليلًا أي في ظلمة الليل، وكانت السماء ممطرة، والغيوم متلبدة، فهذا ظلمة المطر وظلمة الغيوم وكان الجو مغبرًّا، هذا أيضًا ظلمة، فيعلم الله ﷿ الحبة في ظلمات الأرض ولا رطبٍ ولايابسٍ إلا في كتاب مبين
وإذا حقق العبد الإيمان بعلم الله، وأنه جلّ وعلا محيطٌ بكل شيء أوجب له الخوف من الله، وخشيته، والرغبة فيما عنده جل وعلا، لأن كل حركة تقوم بها فالله يعلمها.
ثانيًا: الإيمان بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ، مقادير كل شيء إلى يوم القيامة، قال الله ﷿: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) (يس: ١٢) أي في كتاب، وقال ﷿:) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) (الأنبياء: ١٠٥) وهو اللوح المحفوظ: (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: الآية١٠٥)، والآيات في هذا متعددة.
[ ٥٠ ]
وأخبر النبي ﷺ أن الله لما خلق القلم قال له: اِكْتُبْ، قَالَ رَبِّ: وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكتُبْ مَاهُوَ كَائِنٌ، فَجَرَى فِيْ تِلْكَ السَّاعةِ بِمَاهُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ (١) فأمر الله القلم أن يكتب؛ ولكن كيف يوجه الخطاب إلى الجماد؟
الجواب عن ذلك: نعم، من الله يصح لأنه هو الذي ينطق الجماد ثم إن الجماد، بالنسبة إلى الله عاقل يصحّ أن يوجه إليه الخطاب، قال تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فصلت: ١١) فوجّه الخطاب إليهما، وذكر جوابهما وكان الجواب لجمع العقلاء (طائعين) دون طائعات. والحاصل أن الله أمر القلم أن يكتب، وقد امتثل القلم، لكنه أشكل عليه ماذا يكتب، فقال: ربي وماذا أكتب؟
قال: اكتب ماهو كائن إلى يوم القيامة، فجرى في تلك اللحظة بما هو كائن إلى يوم القيامة - سبحان الله - من يحصي الحوادث والوقائع إلا الله ﷿، وهذا اللوح المحفوظ مشتمل عليها.
- واللوح المحفوظ لانعرف ماهيته، من أيّ شيء؛ أمن الخشب، أم من حديد، ولانعرف حجم هذا اللوح ولاسعته، فالله أعلم بذلك والواجب أن نؤمن بأن هناك لوحًا كتب الله فيه مقادير كل شيء، وليس لنا الحق أن نبحث وراء ذلك.
وقد ظهر في الآونة الأخيرة ما يسمّى بأقراص الليزر يتسع القرص الصغير إلى كتب كثيرة، وهو من صنع الآدمي، وأقول هذا تقريبًا لا تشبيهًا، لأن اللوح المحفوظ أعظم من أن نحيط به.
ثالثًا: أن تؤمن بأن كل ما حدث في الكون فهو بمشيئة الله تعالى، فلا يخرج شيء عن مشيئته أبدًا. ولهذا أجمع المسلمون على هذه الكلمة: ماشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن،
_________________
(١) - أخرجه الإمام أحمد- في مسند الأنصار عن عبادة بن الصامت، ج٥/ص٣١٧، (٢٣٠٨٣)، وأبو داود- كتاب: السنة، باب: في القدر، (٤٧٠٠)، الترمذي- كتاب: القدر، (٢١٥٥)
[ ٥١ ]
فأي شيء يحدث فهو بمشيئة الله.
وهذا عام، لما يفعله ﷿ بنفسه وما يفعله العباد، فكله بمشيئة الله، ودليل ذلك قول الله ﷿: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (البقرة: الآية٢٥٣) وقال ﷿: (وَلَوْ شَاءَ ربك مَا فَعَلُوهُ) (الأنعام: ١١٢) وقال: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ) (الأنعام: ١٣٧) وقال ﷿: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ*وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (التكوير: ٢٩، ٢٨) فكل ماحدث في الكون فهو بمشيئة الله، وإذا آمن الإنسان بهذا سلم من عمل الشيطان، فإذا فعل فعلًا وحصل خلاف المقصود، قال ليتني لم أفعل، فهذا من عمل الشيطان، لأن الذي فعلته قد شاءه الله ﷿ ولابد أن يكون، لكن إن كان ذنبًا فعليك بالتوبة والاستغفار.
رابعًا: الخلق، ومعناه: الإيمان بأن الله ﷾ خلق كل شيء، فنؤمن بعموم خلق الله تعالى لكل شيء، قال تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (الفرقان: الآية٢) فكل شيء مخلوق لله: السموات، والأرضون، والبحار، والأنهار، والكواكب، والشمس، والقمر، الإنسان، الكل مخلوق لله ﷿ وحركات الإنسان مخلوقة لله، لأن الله تعالى خلق الإنسان وأفعاله، وإذا كان هو مخلوقًا فصفاته وأفعاله مخلوقة ولا شك، فأفعال العباد مخلوقة لرب العباد ﷿، وإن كانت باختيار العباد وإرادتهم لكنها مخلوقة لله، وذلك لأن أفعال العباد ناشئةعن إرادة جازمة وقدرة تامة، وخالق الإرادة والقدرة هو الله ﷾.
وهل صفات الله مخلوقة؟
الجواب: لا، لأن صفاته ﷾ كذاته كما أن صفات الإنسان كذات الإنسان مخلوقة. وسنذكر في الفوائد إن شاء الله أن الناس انقسِموا في القدر إلى ثلاثة
[ ٥٢ ]
أقسام: مُفَرِّط، ومُفْرِط، ومقتصد، أي مستقيم.
قَالَ: صَدَقْتَ القائل جبريل ﵇
ثم قال: أخْبِرْني عَنِ الإِحْسَانِ الإحسان مصدر أحسن يحسن، وهو بذل الخير والإحسان في حق الخالق: بأن تبني عبادتك على الإخلاص لله تعالى والمتابعة لرسول الله ﷺ، وكلما كنت أخلص وأتبع كنت أحسن. وأما الإحسان للخلق: فهو بذل الخير لهم من مال أوجاه أو غير ذلك.
فقال النبي ﷺ: الإحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وعبادة الله لا تتحقق إلابأمرين وهما: الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله ﷺ، أي عبادة الإنسان ربه سبحانه كأنه يراه. عبادة طلب وشوق وعبادة الطلب والشوق يجد الإنسان من نفسه حاثًا عليها، لأنه يطلب هذا الذي يحبه، فهو يعبده كأنه يراه، فيقصده وينيب إليه ويتقرّب إليه ﷾.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ أي: اعبده على وجه الخوف ولاتخالفه، لأنك إن خالفته فإنه يراك فتعبده عبادة خائف منه، هارب من عذابه وعقابه، وهذه الدرجة عند أهل العبادة أدنى من الدرجة الأولى.
فصار للإحسان مرتبتان: مرتبة الطلب، ومرتبة الهرب.
مرتبة الطلب: أن تعبد الله كأنك تراه.
ومرتبة الهرب: أن تعبد الله وهو يراك ﷿ فاحذره، كما قال ﷿: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) (آل عمران: الآية٣٠)، وبهذا نعرف أن الجملتين متباينتان والأكمل الأول، ولهذا جعل النبي ﷺ الثاني في مرتبة ثانية متأخرة.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ لم يُعِد قوله صدقت اكتفاءً بالأولى.
والساعة هي: قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، يعني البعث، وسميت ساعة لأنها داهية عظيمة، قال الله ﷿: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ
[ ٥٣ ]
السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) (الحج: ١) . فقال النبي ﷺ مَا المَسْؤُوْلُ عَنْهَا يعني نفسه ﷺ بأعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ يعني جبريل ﵇، والمعنى: إذا كنت تجهلها فأنا أجهلها ولا أستطيع أن أخبرك به، لأن علم الساعة مما اختص الله به ﷿، قال الله تعالى: (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا) (الأحزاب: ٦٣)، وقال ﷿: (يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً) (الأعراف: الآية١٨٧) ولهذا يجب علينا أن نكذب كل من حدد عمر الدنيا في المستقبل، ومن قال به أو صدق به فهو كافر.
وما نسمع عن بعض أهل الشعوذة أن عمر الدنيا كذا وكذا قياسًا على ما مضى منها فإنه يجب علينا أن نقول بألسنتنا وقلوبنا كذبتم، ومن صدّق بذلك فهو كافر، لأنه إذا كان أعلم الرسل البشرية وأعظم الرسل الملكية كلاهما لا يعرفان متى تكون فمن دونهما من باب أولى بلا شك.
ولَمَا قال ما السؤول عنها بأعلم من السائل، ثم قال: أخْبِرْنِي عَنِ أَمَارَاتِهَا أي علامات قربها، لأن الأمارة بمعنى العلامة، والمراد أمارات قربها وهو ما يعرف بالأشراط، قال الله ﷿: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) (محمد: الآية١٨) وأشراط الساعة قسّمها العلماء إلى ثلاثة أقسام:
أشراط مضت وانتهت
أشراط لم تزل تتجدد وهي الوسطى
أشراط كبرى تكون عند قرب قيام الساعة
ومن علامات الساعة ماذكره ﷺ في هذا الحديث بقوله:
[ ٥٤ ]
أَنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبّتَهَا وفي لفظ: ربَّهَا والمعنى: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ أي الرقيقة المملوكة رَبَّهَا أي سيدها، أو: ربَّتَهَا هل المراد العين أو الجنس؟
والجواب: اختلف في هذا العلماء. فمنهم من قال: المراد أن تلد الأمة ربها، يعني أن تلد الأمة من يكون سيدًا لغيرها لا لها، فيكون المراد بالأمة: الأمة بالجنس.
وقيل المعنى: إن الأمة بالعين تلد سيدها أو سيدتها، بحيث يكون الملك قد أولد أمته، ومعنى أولدها أي أنجب منها، فيكون هذا الولد الذي أنجبته سيدًا لها: إما لأن أباه سيدها، وإما لأنه سوف يخلف أباه فيكون سيدًا لها.
ولكن المعنى الأول أقوى، أن الإماء يلدن -من يكونوا أسيادًا ومالكين، فهي كانت مملوكة في الأول، وتلد من يكونوا أسيادًا مالكين. وهو كناية عن تغير الحال بسرعة، ويدل لهذا ماذكره بعد حيث قال:
وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ الحفاة: يعني ليس لهم نعال، والعراة: أي ليس لهم ثياب تكسوهم وتكفيهم، العالة: أي ليس عندهم ما يأكلون من النفقة أو السكنى أو ما أشبه ذلك، عالة أي فقراء.
يَتَطَاوَلُوْنَ في البُنْيَانِ أي يكونون أغنياء حتى يتطاولون في البنيان أيهم أطول. وهل المراد بالتطاول ارتفاعًا، أو جمالًا، أو كلاهما؟
الجواب: كلاهما، أي يتطاولون في البنيان أيهم أعلى، ويتطاولون في البنيان أيهم أحسن، وهم في الأول فقراء لا يجدون شيئًا، لكن تغير الحال بسرعة مما يدل على قرب الساعة.
وهنا مسألة: هل وجد التطاول في البنيان أم لا؟
والجواب: الله أعلم فإنه قد يوجد ماهو أعظم مما في هذا الزمان، لكن كل أناس وكل جيل يحدث فيه من التطاول والتعالي في البنيان، وكل زمن يقول أهله: هذا من
[ ٥٥ ]
أشراط الساعة، والله أعلم، لكن هذه علامة واضحة.
ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَليًّا يعني بقيت مليًا أي مدة طويلة كما في قوله تعالى: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) (مريم: الآية٤٦) أي مدة طويلة، قيل ثلاثة أيام، وقيل أكثر، وقيل: أقل ولكن المعروف أن الملي يعني الزمن الطويل.
ثُمَّ قَالَ: يَاعُمَرُ والقائل النبي ﷺ أتَدْرِيْ من السَّائِل؟ قُلتُ: اللهُ وَرَسُوْله أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيْلُ ولعل النبي ﷺ وجده فيما بعد وسأله: أتدري من السائل؟ أي أتعلم من هو؟ فَقَالَ عُمَرُ: اللهُ وَرَسُوْلهُ أَعْلَمُ وهذا يدل على أن عمر ﵁ لاعلم له من هذا السائل.
فقال النبي ﷺ: فَإِنَّهُ جِبْرِيْلُ الإشارة هنا إلى شيء معلوم بالذهن، أي هذا جبريل أتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكَمُ لكنه جاء بهذه الصيغة أي صيغة السؤال والجواب لأنه أمكن في النفس وأقوى في التأثير.